تخطَّ إلى المحتوى

أترين كيف يسكنني صوتك

شعر التفعيلة

١٥٢ بيت

النسيب

أَتُرَينَ كَيْفَ يَسْكُنُنِي صَوْتُكِ؟

كَأَنَّهُ آيَةٌ سِرِّيَّةٌ كُتِبَتْ فِي عُمْقِ رُوحِي،

لَا تُتْلَى إِلَّا فِي سَاعَاتِ الوَحْيِ!

كُنْتِ تَجْلِسِينَ عَلَى حَافَةِ نَبْضِي،

تُصْغِينَ إِلَى نَبْضَاتِي كَمَنْ يَعْزِفُ قَصِيدَةً عَلَى وَتَرٍ مَخْفِيٍّ،

فَهَلْ كَانَ حُبِّي لَكِ نُجُومًا؟

أَمْ كَانَ قَلْبِي سَمَاءً تَنْقَشُ عَلَيْهَا أَسْمَاءَكِ؟

بَلْ كَانَ صَوْتُكَ رِيحًا…

تُزَاحِمُ سُكُونَ الدَّاخِلِ،

تُرَتِّبُ خَرَائِطِي مِنْ جَدِيدٍ،

وَتَقُولُ: "هُنَا، سَكَنْتِ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفِي المَكَانَ!"

كُنْتَ المَاءَ فِي ظَمَئِي،

وَالعَاصِفَةَ فِي خُرُوفِي،

فَهَلْ تُدْرِكُ كَمْ مِنْكَ فِيَّ؟

كَمْ مِنْ ضُوئِكَ يَسْكُنُ ظِلِّي؟

[هو]

أُحِبُّكِ…

كَمَنْ يُرَتِّبُ فَوْضَى العَالَمِ بِقُبْلَةٍ،

كَمَنْ يَكْتُبُ "السَّلَامَ" فِي صَدْرِ العَاصِفَةِ،

كَمَنْ يُطَفِّئُ وَجَعَهُ بِاسْمِكِ!

كَيْفَ صِرْتِ أَنْتِ الرَّفِيقَةَ وَالخُطُوطَ وَالوِجْهَةَ؟

كَيْفَ أَصْبَحَتْ يَدَاكِ بَوصَلَتِي،

وَأَنْفَاسُكِ… نُقْطَةَ البِدَايَةِ؟

[هي]

وَكَيْفَ صِرْتَ أَنْتَ الطَّرِيقَ،

وَالمَشْهَدَ، وَكُلَّ حُرُوفِ المَنَافِي؟

كُنْتَ الوَقْتَ الَّذِي تَوَقَّفَتْ فِيهِ خُطُوتِي،

تَوَارَيْتُ فِي صَدْرِكَ كَمَا تَتَوَارَى الكَوَاكِبُ فِي اللَّيْلِ،

كُنْتَ… وَمَا زِلْتَ… مَسَاحَةَ نَجَاةٍ،

أُعَلِّقُ عَلَيْهَا أَسْئِلَتِي،

وَأُرَتِّبُ عَلَى جَبِينِكَ رَغْبَتِي فِي الحَيَاةِ!

[هو]

فَتَحْتُ صَدْرِي لِكُلِّ رِيحِكِ،

لِكُلِّ هَزَّاتِكِ، لِكُلِّ زَلَازِلِكِ،

وَقُلْتُ: "هَذَا الجُرْحُ مُبَاحٌ، مَا دُمْتِ أَنْتِ الدَّمْعَ وَالعِلَّةَ وَالشِّفَاءَ!"

أَصْبَحْتُ أُكَلِّمُ صَمْتَكِ كَمَنْ يُنَاجِي الإِيمَانَ،

وَأَشْرَبُ غِيَابَكِ كَأَنْهُ طَقْسٌ طُهُورِيٌّ،

فَأَيُّ جُنُونٍ هَذَا الَّذِي تَرَكْتِهِ فِيَّ؟

[هي]

جُنُونُكُ هُوَ مَا كَتَبَنِي،

مَا نَحَتَنِي،

أَنْتَ أَكْثَرُ مِنْ رَجُلٍ… أَنْتَ تَجَلٍّ!

لَوْ لَمْ تَأْتِنِي،

لَاخْتَرَعْتُكَ مِنْ أَحْلَامِي،

وَزَرَعْتُكَ فِي كَفِّي،

وَحَمَلْتُكَ فِي قَلْبِي كَمَا يُحْمَلُ الوَطَنُ فِي المُهَجِّرِ!

فَكَيْفَ لَا أُحِبُّكَ؟

وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِيكَ… قَبْلَ أَنْ أَرَانِي!

[هو]

لَوْ سَقَطَ العَالَمُ،

لَوْ اِنْمَحَتْ الجِهَاتُ،

وَغَفَتِ القَصَائِدُ فِي أَحْضَانِ الحِبْرِ،

سَأَكْتُبُكِ!

كَلِيلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ الدُّفْءِ،

كَأُغْنِيَةٍ تُشْبِهُ الخَلُودَ،

وَأَقُولُ: "كُلُّ مَا فِيني… يَنْتَظِرُكِ!"

[هي]

وَأَنَا،

لَوْ كَانَتِ الحَيَاةُ خَرِيفًا،

كُنْتُ سَأَجْمَعُ لَكَ أَوْرَاقَ الأَمَلِ،

وَأَكْتُبُ عَلَيْهَا: "لَا تَخَفْ، أَنَا هُنَا"،

سَأُغَنِّي لَكَ كَمَا تُغَنِّي الرِّيحُ فِي أَذُنِ العَاشِقِ،

وَأَبْنِي لَكَ مَسَاءً… يَسْكُنُهُ نَبْضِي،

ثُمَّ أَسْكُنُ فِيكَ… كَأَنْنِي كُنْتُ هُنَاكَ مُنْذُ أَبَدٍ!

فَلَمْ نَكُنْ حُبًّا عَابِرًا،

بَلْ كُنَّا نُقْطَةَ التِقَاءِ السَّمَاءِ بِالأَرْضِ،

كُنَّا تَفَاصِيلَ النُّورِ فِي نَفَقِ العُمْرِ،

نَكْتُبُ بَعْضَنَا فِي بَعْضٍ،

وَنَقُولُ لِلعَالَمِ:

"الحُبُّ… هُوَ أَنْ تَجِدَ مَنْ يُشْبِهُ صَمْتَك،

وَيُرَتِّبُ فَوْضَاكَ… بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ!"

[هو]

كَمْ مَرَّةً سَأَلْتُ اللهَ: هَلْ مِثْلُهَا يُوهَبُ مَرَّتَيْنِ؟

فَأَجَابَنِي: هِيَ الوَطَنُ… لَا يُكْتَبُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً!

تَذْكُرِينَ؟

يَوْمَ كُنَّا نَمْشِي فِي زَقَاقِ المَدِينَةِ القَدِيمَةِ،

نَحْمِلُ فِي جُيُوبِنَا خَرَائِطَ أَحْلَامٍ صَغِيرَةٍ،

وَنُرَدِّدُ أَسْمَاءَ الدُّوَلِ كَأَنَّهَا أَغَانِي حَنِينٍ،

نَضَعُهَا فِي جَوَازِ الوُجُودِ،

وَنُقَبِّلُ كُلَّ حَدٍّ جَدِيدٍ كَأَنَّهُ قُبْلَةٌ عَلَى جَبِينِ القَدَرِ.

[هي]

أَذْكُرُ…

كُنَّا نُسَافِرُ وَنَسْكُنُ فِي النُّزُلِ الفَقِيرَةِ،

لَكِنَّ القَلْبَ كَانَ قَصْرًا!

كُنَّا نَتَحَدَّثُ حَتَّى تَغْفُو السَّاعَاتُ،

وَتُغْمَضُ النُّجُومُ عَيْنَيْهَا مِنْ خَجَلِ الحُبِّ!

كُنَّا نَبْنِي مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ سُلَّمًا،

نَصْعَدُ عَلَيْهِ لِنَسْتَرِيحَ فِي صَدْرِ السَّمَاءِ،

وَنَتَنَفَّسَ بَعْضَنَا بَعْضًا كَأَنَّنَا الأُكْسُجِينُ المُتَبَادَلُ.

[هو]

أَنْتِ النَّافِذَةُ الَّتِي أَطَلَّتْ مِنْهَا رُوحِي،

وَأَنْتِ الدَّرْبُ الَّذِي مَشَتْ فِيهِ خُطَايَ قَبْلَ أَنْ أُولَدَ!

كَيْفَ لِقَلْبِي أَنْ يَشْتَاقَ لَكِ

وَهُوَ أَصْلًا صُنِعَ مِنْ فُسَيْفِسَاءِ نَبْضِكِ؟

كَيْفَ لِلرِّيحِ أَنْ تَنْسَى جَبَلَهَا؟

كُنْتِ تَسْتَمِعِينَ لِأَحْلَامِي،

كَأَنَّكِ تَقْرَئِينَ قُرْآنًا يُتْلَى فِي لَيْلَةِ قَدَرٍ.

[هي]

كُنَّا نَقْرَأُ بَعْضَنَا،

نَفْهَمُ الحُزْنَ مِنْ عَيْنٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَبْتَسِمَ،

وَنُدَاوِي الوَجَعَ بِنُكْتَةٍ صَغِيرَةٍ،

كُنَّا نَكْتُبُ الرُّوحَ بِحُرُوفٍ مَرْكَبَةٍ،

نُضِيءُ العَتَمَةَ بِنُقْطَةِ ضَوءٍ مِنْ نَظْرَةٍ!

كُنَّا، وَأَيْقَنَّا… أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْتَارُ أَحِبَّاءَهَا

قَبْلَ أَنْ تَسْتَعِيرَ جَسَدًا وَاسْمًا وَوَقْتًا.

[هو]

مَا زِلْتُ أَحْمِلُ رَائِحَتَكِ فِي جُيُوبِ الذِّكْرَى،

وَصَدَاكِ يَتَرَدَّدُ فِي كُلِّ حَرْفٍ أَقُولُهُ لِلْحَيَاةِ،

كَيْفَ أَصِفُكِ؟

وَكُلُّ مَا فِيكِ… يَكْتُبُنِي!

أَنْتِ البَذْرَةُ وَالأَرْضُ وَالغَيْمُ،

أَنْتِ السُّؤَالُ الَّذِي يَفْتَحُ فِي رُوحِي أَلْفَ إِجَابَةٍ،

وَكُلُّهَا تَقُولُ: أَنْتِ.

[هي]

وَأَنْتَ… مَنْ أَخَذَ بِيَدِ الْوَجَعِ،

وَحَوَّلَهُ إِلَى مَعْزُوفَةٍ،

كُنْتَ كَالمَاءِ…

تَدْخُلُ الشُّقُوقَ فِيَّ وَتَشْفِينِي،

كُنْتَ المَرْآةَ الَّتِي رَأَيْتُ فِيهَا نُسْخَتِي الأَجْمَلَ،

وَحِينَ صَمَتَ العَالَمُ… كُنْتَ صَوْتِي!

نَعَمْ… خُلِقْنَا لِنَكُونَ،

وَالعَالَمُ حَاوَلَ أَنْ يُشَكِّكَنَا،

وَلَكِنَّهُ نَسِي… أَنَّنَا نَنْتَمِي قَبْلَ أَنْ نَعْرِفَ الأَسْمَاءَ!

[هو]

أَتَذْكُرِينَ المَطَارَ؟

كُنَّا نَنْتَظِرُ الطَّائِرَاتِ…

وَقُلُوبُنَا قَدْ أَقْلَعَتْ قَبْلَهَا بِسَاعَاتٍ!

أَنْتِ تَخْفِينَ وَجَلَكِ فِي مُزَاحٍ خَفِيفٍ،

وَأَنَا أُخْفِي اهْتِزَازَ صَوْتِي فِي نُكْتَةٍ سَاذَجَةٍ،

وَبَيْنَنَا كَانَ الهَوَاءُ يَتَعَلَّمُ الطَّيَرَانَ مِنْ نَبْضِ أَيْدِينَا،

لِأَوَّلِ مَرَّةٍ… أَحْسَسْتُ أَنَّ الوُجُودَ لَهُ مَعْنًى،

وَأَنَّ القُرْبَ… هُوَ تَفْسِيرُ كُلِّ آيَةِ حَنِينٍ قَرَأْتُهَا.

[هي]

نَعَمْ… كَانَ الوَقْتُ كَسُورَةِ الكَهْفِ،

نَسْتَظِلُّ بِهَا مِنْ فَتْنَةِ الوَحْدَةِ،

وَكُنْتَ أَنْتَ المُنَادِي الَّذِي نَادَانِي،

فَأَجَبْتُكَ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ خُطُوطِ قَدَرِي تَتَّجِهُ إِلَيْكَ.

[هو]

وَقَدْ حَلِمْتُ…

بِأَنْ نَمْشِي يَوْمًا مَعَ طِفْلَتِنَا،

تُرَدِّدُ أَسْمَاءَنَا بِلُغَةٍ لَمْ تَتَعَلَّمْهَا،

سِوَى مِنْ صَدَى قُبَلِنَا الَّتِي طَبَعْنَاهَا عَلَى جَبِينِهَا.

تَسْأَلُنِي: مَا مَعْنَى "حُبّ"؟

فَأَدُلُّهَا عَلَيْكِ،

كَمَا يُشِيرُ الرُّسُلُ إِلَى السَّمَاءِ حِينَ يُسْأَلُونَ عَنْ اللهِ.

[معًا]

نَحْنُ لَمْ نَكُنْ حُبًّا فَقَطْ،

بَلْ كُنَّا جَوَابَ سُؤَالٍ فَلَكِيٍّ،

كُنَّا الاِتِّجَاهَاتِ الأَرْبَعَةَ لِبُوصَلَةٍ ضَيَّعَهَا العَالَمُ،

نَحْنُ ذَاكَ الحُلْمُ الَّذِي رَآهُ اللهُ فَكَوَّنَ مِنْهُ حَيَاتَيْنِ،

تَعَانَقَتَا،

فَكُتِبَتْ أَنْتَ وَأَنَا… إِلَى الأَبَدِ!