سألتُ الذي قد جرَّب الدهرَ عمرَهُ
تُرى هل لهذا الدهرِ بعضُ الذي يُغْري
وهل أن في هذي الحياة سعادةً
تُبدِّدُ ما نلناه من عيشِنا المرّ؟
فأطرقَ لا يعطي جوابًا هنيهةً
وبات كمن قد غاص في أبْحرِ الفكر
وقال استمعْ إن كنت بالصدق راغبًا
ولا تحسبنَّ القول من أثر الهجر
خبرْتُ حياتي خبرةً لا يشينُها
تنكُّرُ أيامي لما فات من عمري
فقد ذقت حلوَ العيش لكنَّ مرَّهُ
تعاظَم حتى بتُّ في غاية العُسْر
ثمانون عامًا قد تولَّت مليئةً
بكلِّ ضُروب الهمِّ قاصمةَ الظهر
فأصبحتُ لا أقوى على رَدِّ غائلٍ
وصرتُ وحيدًا كالمسافر في قَفْر
فهذا زمانٌ ساد فيه أخو الخَنا
وذلَّ به حُرٌّ وكُوفِحَ ذو فكْر
وضاعت مقاييسُ الحياة كما ترى
وأضحى ذليلُ القومِ في مركزِ الحُرّ
ولم تعدِ الأخلاق رمزَ كرامةٍ
وعنوانَ فخرِ المرءِ في ساعة الفخر
بل الفخرُ كلُّ الفخر كونُكَ كاذبًا
تنافق كي تَحْظَى بما شئتَ من أمر
فإن كنت حرّاً ذا إباءٍ وعزَّةٍ
فعيشُك مُرٌّ إذ تنام على جمر
فلا خيرَ إلا بالفساد مُعلَّقٌ
ولا نُجْحَ إلا في رياءٍ وفي مَكْر
بُنيَّ نَكأْتَ الجرح بعد التئامِهِ
وهيَّجت أشجاني لما فات من عمري
فدعني وشأني بعدما هِجْتَ خاطري
لأرقبَ يومًا فيه أُودَعُ في القبر
فقلت له شكرًا لقد نلتُ غايتي
وأفْهَمتني أن الكرامَ لفي خُسْر