يا طارِقًا خافِقي ما كُنتُ أعْرِفُهُ
أهْلًا بضيْفٍ بَدَا في العيْنِ مُرْهَفُهُ
أهْلًا بمَنْ صارَ في قلْبي لهُ خَلَفٌ
أنا لهُ سلفٌ ذا لسْتُ أجْحَفُهُ
هلْ خِلْتَني نازِفًا في غيْرِ ما حَزَنٍ
أمْ باكِيًا زَمَنًا ما كنتُ أنْصِفُهُ؟!
فَلا و مَنْ غُرْبتي كانتْ لهمْ سَكَنا
يومُ الرحيلِ مَضى دمْعاً أكفْكِفُهُ
تَخفّياً، شَفَقاً مِن أنْ يَروا لَهَفي
هذا الحنينُ، فكيفَ العينُ تعْكِفُهُ؟!
ودّعْتُ داراً و ما زالتْ مجالِسُهُ
في القلْبِ حِيناً و حِيناً لا تولِّفُهُ
و إنْ بعُدْتُ فما أبعدْتُ أبْعَدَهُ
سويْكِنٌ في الحَشا و الجَفْنُ مطرفه
يا غائبينَ و مِلْءُ النفْسِ أنفُسُهمْ
فِراقُكُمْ ألَمٌ لا طبَّ يُسْعفُهُ
كيفَ المُقامُ بلا حِبٍّ و لا حَبَبٍ
معَ الصباحِ تُواسيهِ و تُلْطِفُهُ
ما ذابَ ثلجٌ و لا أسْقيْتُ سوْسنةً
إلّا بمائهما طِيبٌ يُهفْهِفُهُ
أكُلّما غرّدتْ قُمْريَّةٌ و مَضَتْ
حَنَنْتَ يا خافِقي و الدمعَ تُسْرِفُهُ ؟!
أُحِلَّ يا عينُ ماءُ البحرِ راحِلةً
و سُدّ فيكِ ببابِ اللومِ مَذْرِفُهُ
أيا حمامَ القطا، إهْدِلْنَ مِن شجني
لولا الحياء لبانتْ فيّ أحْرُفُهُ
و خُذْنَ قلبي سويعاتٍ و طرنَ به
القلبُ كالطيرِ جَمْعُ القومِ مألَفُهُ
أيا حمام القطا لولا الحياءُ لما
سترْتُ عقلي و ريحُ الشوقِ تكْشِفُهُ
و لاكتَحلْتُ غُباراً إنْ شممْتُ بهِ
ريحَ الأحبّةِ في الأردنِّ مُعْصِفُهُ
و قلتُ: يا ناسُ رفْقاً بالذي دمَعَتْ
عيونُهُ إنْ أتَى في البالِ "يوْسُفُهُ"
أمِنْتُ تحْتَ شبابي الأرضَ مُرْتِحلاً
حتّى تهاوتْ بنارِ الشيْبِ أسْقُفُهُ
خَطْراتُ حُمْقِ الصِّبا في التوِّ زاهِيةٌ
و بعْدَ عُمْرٍ تقومُ العُمْرَ تخْصِفُهُ
لا يأمرُ اللهُ نفْساً فوقَ طاقتِها
و بعضُ رأْي الفتى تالله يُتْلِفُهُ