قِفوا نَبكِ من ذِكرى هواها ومَنزِلٍ
تناثرَ في صحراءِ قلبي وآثارَا
وقفتُ على أطلالِ حلمي خاشعًا
أُحادثُ رملَ البيدِ والليلَ السَّارَا
فإني وقفتُ على الأطلالِ مُثقَلًا
كأنَّ شبابي في الرمالِ انهارَا
هنا كان قلبي يستريحُ بقربها
وهنا رجوتُ اللهَ أن يُبقي الجوارَا
أُخفي لظى قلبي ويشهدُ موقدي
أنّي حملتُ من الهوى أوزارَا
وأبيتُ أُخفي ما يُذيعُ تأجُّجي
وأصوغُ صبري في الأسى إصرارَا
أقمتُ ليلي والنجومُ شهودُهُ
أرعى السماءَ وقلبُ صدري نارَا
والريحُ تعصفُ في فؤادي مثلما
تعوي الرياحُ إذا أصابتْ دارَا
ناديتُ ربّي والدموعُ خفيَّةٌ
أن يجعلَ الأقدارَ فيكِ مدارَا
ورجوتُهُ أن لا يكونَ هواكِ لي
حلمًا يمرُّ كطيفِ بدرٍ غارَا
دعوتُ إلهي أن تكونَ نصيبي
فطالَ الدعاءُ، وما أتتْ أقدارَا
فيا ربِّ إنّي قد قصدتُك صادقًا
فإن كان هذا الحبُّ شرًّا فدارَا
وإن كان خيرًا فاجمع القلبَ الذي
تصدّعَ بين الصمتِ منكِ انكسارَا
فلمّا كشفتُ القلبَ يومًا مودّةً
رأيتُ الجوابَ يمرُّ صمتًا حارَا
فلا الرفضُ جاءَ فيُطفئُ النارَ التي
تأجّجَ في صدري لهيبُ شرارَا
ولا الوصلُ لاحَ مثلَ فجرٍ مقبلٍ
فيغدو فؤادي بعدَ ليلٍ نهارَا
فأنا كمن ضلَّ الطريقَ بليلةٍ
سوداءَ لا يهدي النجومَ منارَا
أجوبُ الفلاةَ، والرياحُ كأنها
تعيدُ على سمعي الأسى تكرارَا
وأذكرُ عهدًا كان قلبي يظنّهُ
إذا ضاقَ دربي في الحياةِ مدارَا
يمشي، ويحسبُ كلَّ برقٍ بارقٍ
فجرًا، فيرجعُ في الظلامِ كسارَا
كنتُ المسافرَ في الفلاةِ إلى المنى
أجري، وأحسبُ في هواكِ مسارَا
حتى إذا بلغتُ بابَ مودّتي
وجدتُ خلفَ البابِ صمتًا حارَا
يا من ظننتُ بأن قربَكِ موطني
وبأن وصلكِ يمنحُ الأعمارَا
كنتُ الذي لو قيلَ دونكِ مهجتي
لبذلتُها، وحطّمتُ الأسوارَا
وسريتُ نحوكِ لا أبالي موحشًا
لو كان دربي في المفاوزِ نارَا
لكنَّ صمتَكِ هدَّ صرحَ تماسكٍ
وأحالَ قلبي في الضلوعِ حجارَا
ولكنَّ قلبي كلما لاحَ طيفُها
يعودُ إلى الأطلالِ يبكي الديارَا
وأنا الذي ما شكَّ يومًا قلبُهُ
حتى أتيتِ، فصارَ فيهِ انكسارَا
شككتُ في نفسي، وفي كلِّ الذي
كنتُ اعتقدتُ بأنّهُ اختارَا
وخفتُ أن لا أرتقي لرجائِكِ
أو لا أكونُ لقلبِكِ المختارَا
إنّي لأعجبُ: كيف صرتُ مُقيَّدًا
بعدَ الذي قد كنتُ فيهِ جبارَا؟
أنا من إذا خاضَ الخطوبَ رأيتِهِ
يمشي إلى نارِ الخطوبِ وقارَا
واليومَ صمتُكِ أرهقَ الروحَ التي
كانت تُعانقُ في هواكِ بحارَا
فغدوتُ أسألُ في النجومِ حكايةً
وأفتّشُ الآفاقَ والأقطارَا
وأقولُ: لعلَّ الليلَ يخبرُ سرَّها
أو لعلَّ ريحَ الصبحِ تحملُ خَبَارَا
لكنْ أعودُ كما بدأتُ حائرًا
أجترُّ في صدري الأسى تكرارَا
أمشي، وتثقلُ في الضلوعِ مواجعي
كأنَّ قلبي في الضلوعِ أسارَا
لكنَّ قلبي بعد ذاك معلَّقٌ
بينَ السماءِ وبينَ أرضٍ حارَا
فغدوتُ مثلَ نجمِ ليلٍ تائهٍ
يرجو الفجرَ فلا يراهُ يُزارَا
وأنا الذي ما لانَ عزمُ فؤادِهِ
حتى رأى في حبِّكِ الإعصارَا
أمشي، كأنّي في المفاوزِ فارسٌ
أخفي الجراحَ وأُظهرُ الإكبارَا
إنّي وإن أخفيتُ بعضَ كرامتي
فالجرحُ يفضحُ في الضلوعِ أوارَا
قد كنتُ أحسبُ أن قلبي سيّدٌ
حتى غدوتُ بحبّكِ منهارَا
فغدوتُ أُسألُ: هل أُطيعُ صبابتي
أم أكسرُ الأشواقَ والإصرارَا؟
أأبقى رهينَ الانتظارِ وحيرتي
وقلبي يفتّشُ في السماءِ قرارَا؟
أأرجعُ عن حبٍّ دعوتُ لأجلهِ
إلهي سنينًا واستجرتُ ستارَا؟
إن كان حبُّكِ عثرةً في مهجتي
فالعزُّ يأبى أن أُقيمَ عثارَا
أو كان مجدًا لا يُنالُ بسهولةٍ
سأذودُ عنهُ الصعبَ والأخطارَا
لكنَّني بينَ الخيارينِ انثني
وأرى طريقي في الضبابِ حيارَا
فدعوتُ ربّي أن يُقوِّمَ خطوتي
ويجعلَ الإصلاحَ لي أقدارَا
ويجعلَني إن شئتِ خيرَ رفيقِ من
تلقينَ في دربِ الحياةِ جوارَا
يا ليتني أخفيتُ سرَّ مودّتي
كي لا أرى في الصمتِ منكِ جدارَا
لكنَّ قلبي ما استطاعَ كتمانَهُ
فانسابَ شوقًا واستحالَ نِثارَا
واليومَ أخشى أن أكونَ بخاطركِ
ظلًّا يمرُّ ولا يثيرُ غبارَا
إن كان حبّكِ قد مضى فسلامُهُ
يبقى بقلبي في الضلوعِ نُضارَا
لكنَّني ما زلتُ أنتظرُ الجوابَ
كغريقِ بحرٍ ينتظرُ التيّارَا
فامنحي فؤادي إن أردتِ كلمةً
تُحيي العزيمةَ أو تُميتُ انتظارا
قولٌ يبدّدُ هذه الظلماءَ أو
يجلو الحقيقةَ كي أرى المسارَا
فإن كان دربي بعدها غيرَ دربها
فإني سأمضي والحنينُ جوارَا
فأنا وقفتُ على المفارقِ شامخًا
إمّا حياةٌ أو يكونُ بوارَا
إمّا أُحيي القلبَ أو أدفنُ الهوى
وأمضي، ولو خلّفتُ خلفي الدارَا