تخطَّ إلى المحتوى

قد اشتد بي دهر وما أنا بجازع

الطويل

٢٧ بيت

الحكمة

قَدِ اشْتَدَّ بِي دَهْرٌ وَمَا أَنَا بِجَازِعٍ

وَلَكِنَّنِي أَشْكُو الزَّمَانَ لِمُعْدِلِ

وَإِنِّي وَإِنْ أَبْدُو الْيَوْمَ فَاحِشَ مَنْطِقٍ

فَقَدْ كُنْتُ فِي قَوْمِي كَرِيمَ الخَصَائِلِ

وَكَمْ طَافَ ذِكْرِي فِي الرِّجَالِ مُبَجَّلًا

يُشِيدُ بِأَمْجَادِي وَحُسْنِ الشَّمَائِلِ

وَلَكِنَّهَا الدُّنْيَا تُقَلِّبُ أَهْلَهَا

وَتَرْمِي بِذِي الحِلْمِ الرَّزِينِ لِمَزْلِلِ

وَسُوءُ وُجُوهِ النَّاسِ أَذْهَبَ حِلْمَنَا

وَبَدَّلَ صَفْوَ الطَّبْعِ بَعْدَ التَّفَاضُلِ

فَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ خَابَ عَهْدُهُمْ

وَأَصْبَحَ وُدُّ القَوْمِ كَالسَّرَابِ الزَّائِلِ

وَبَاعُوا وُجُوهَ الوُدِّ فِي سُوقِ غَدْرِهِمْ

بِثَمْنٍ زَهِيدٍ بَيْنَ قَوْمٍ أَرَاذِلِ

رَأَيْتُ وُجُوهَ النَّاسِ تَمْلَأُهَا القِسَى

فَغَيَّرْتُ وَجْهِي بَيْنَ صَخْرٍ وَجَدْوَلِ

فَصِرْتُ أُجَازِي القَوْمَ وَجْهًا بِوَجْهِهِمْ

وَأَلْبَسُ أَقْنِعَةَ التَّلَوُّنِ فِي المَحْفِلِ

فَصِرْتُ إِذَا لَانُوا لِنْتُ، وَإِنْ عَتَوْا

جَعَلْتُ لَهُمْ قَلْبِي كَحَدِّ القَسَاطِلِ

وَأَعْلَمُ أَنَّ المَرْءَ إِنْ كَثُرَتْ وُجُوهُهُ

تَبَدَّدَ أَصْلُ المَرْءِ فِي كُلِّ مَحْمِلِ

وَلَكِنَّ قَوْمًا لا حَيَاءَ لِوَجْهِهِمْ

يُقَابِلُكَ الإِحْسَانَ وَجْهًا بِمُخْجِلِ

فَلَا بُدَّ أَنْ أَمْضِي بِلَفْظٍ يُلَائِمُ

طِبَاعَ أُنَاسٍ فِي الخَسَاسَةِ تَغْتَلِي

فَهَذِي حَيَاةٌ تَأْكُلُ الضَّعْفَ جَهْرَةً

وَتَرْمِي بِمَظْلُومٍ بِغَيْرِ تَعَقُّلِ

فَأَخَذْتُ حَقِّي لَا أُبَالِي بِلَائِمٍ

بِيَدِّي وَلَفْظِي فِي مَقَامِ التَّعَامُلِ

وَصِرْتُ كَأَيَّامِ الزَّمَانِ تَقَلُّبًا

أُقَابِلُهَا بِالصَّخْرِ لَا بِالتَّذَلُّلِ

وَإِنِّي لَأَحْزَنُ إِنْ رَأَيْتِ تَغَيُّرِي

وَأَخْشَى سُقُوطِي مِنْ عُلُوٍّ لِمَنْزِلِ

وَلَمَّا دَرَيْتُ بِأَنَّ قَلْبَكِ يَمْقُتُهُمْ

وَيُؤْلِمُنِي أَنْ تَجْعَلِي السُّوءَ مَنْزِلِي

وَأَرْجُو رِضَاكِ وَقَدْ جَعَلْتُ مُرَادَهُ

غَايَةَ قَلْبِي فَوْقَ كُلِّ التَّوَسُّلِ

أُرِيدُ بِقَلْبِي أَنْ أُهَذِّبَ نَفْسِيَ

وَأَطْفِئَ نَارَ السُّوءِ فِي كُلِّ مَدْخَلِ

وَإِنِّي وَرَبِّي لَاسْتِعَادَةُ كُلِّ مَا

يُعِيبُنِي طَوْعًا بِغَيْرِ تَثَاقُلِ

وَلَوْ قِيلَ غَيِّرْ كُلَّ دُنْيَاكَ لِلهَوَى

لَغَيَّرْتُهَا طَوْعًا بِقَلْبٍ مُوَكَّلِ

فَكَيْفَ بِنَفْسِي وَهْيَ أَقْرَبُ مُلْكِهِ

أَلَا فَسَأَمْضِي فِي الصَّلَاحِ المُؤَمَّلِ

وَقَبْلَ هَذَا كُنْتُ أَدْعُو إِلَهَنَا

لِيَجْعَلَنِي فِي الخَيْرِ خَيْرَ مُؤَمِّلِ

فَمُنْذُ الْيَوْمِ لَنْ يَخْرُجَ اللَّفْظُ فَاحِشًا

وَلَنْ أَتَمَادَى فِي القَبِيحِ المُزَلْزِلِ

وَأَمْضِي جَدِيدَ القَلْبِ أَنْقَى سَرِيرَةً

لِأُثْبِتَ أَنِّي قَدْ صِرْتُ خَيْرَ مُعَوَّلِ

وَإِنَّ الفَتَى مَا لَمْ يَصُنْ صِدْقَ نَفْسِهِ

تَقَلَّبَ كَالأَيَّامِ بَيْنَ التَّزَلْزُلِ