قامَ…
شيطانُ العمامةِ…
يخطبُ في الجموعْ…
يرفعُ صوتهُ—
كأنَّ الصدى
وحيٌ… ينزلُ من السماءْ…
العمامةُ…
تتكلمُ—
لا الرجلْ…
وكلُّ ما قالتهُ… ذلٌّ…
وكلُّ ما نطقتْ بهِ… خنوعْ…
جاءتْ…
لا باسمِ الإلهْ…
بل باسمِ السلطانْ…
تُحرِّضُ بعضَ الناسِ
على بعضْ…
تفغرُ فاها…
كحمارٍ أضلَّهُ الصهيلْ…
تنهقُ في الطرقاتْ…
وتزعمُ—
أنَّ صوتَها
نداءُ السماءْ…
تتلو على الناسِ
مرسومَ الطاعةْ…
ثم ترفعُ كفَّيها—
داعيةً:
“اللهم احفظ أطفالَ غزة…”
وكأنَّ الدعاءَ…
خبزٌ…
يشبعُ الجياعْ…
أو ماءٌ…
يطفئُ نارَ القذائفْ…
العمامةُ…
تعرفُ الطريقَ إلى السماءْ…
ولا تعرفُ الطريقَ
إلى الخبزْ…
بالأمسْ…
حرَّضتْ… باسمِ الجهادْ…
فسقتْ أرضَ السوادْ…
موتًا… وجوعًا… ونواحْ…
واليومْ…
تسألُ: أينَ الجهادْ؟
وغزةُ… ينتزعُ الألمُ
ضلوعَها، انتزاعًا…
قلوبُنا…
مواقدُ أسىً…
ومآقينا…
أنهارُ دمٍ… لا دموعْ…
هذه الأرضُ إذا غضبتْ
كسرتْ قيدَها…
وأبَتِ الخضوعْ…
فهل يرجعُ المغتصبُ الأرضْ
بالتضرُّعِ…
والخشوعْ؟
لن يرحلَ الباغي…
ما دمنا…شظايا صفٍّ…
تمزِّقُهُ الصدوعْ…
قالتْ العمامةُ—وعلى وجهها
مسحةُ الخشوعْ:
“هيا للقدسِ نصلِّي…
نشعلُ للشهداءِ
"الشموع…”
شموعًا…
مثلَ النساءِ…
والأطفالْ…
يا للعارْ… أيُّ زمنٍ هذا…
يستبدلُ الثورةَ
بالدموعْ؟
طالما السلطانُ راضٍ—
دعونا نصمتْ… دعونا نُتقنُ
أفانين الركوعْ…
“فلسطينُ لها ربٌّ…”
هكذا قالتِ العمامةْ…
فلا تُتعبوا السيوفْ…
ولا توقظوا البنادقْ…
واكتفوا بالسجودْ…
والأميرُ… بخيرْ…
والرخاءُ…
يملأُ الربوعْ…
أما ترونْ؟
أطفالَ غزةَ… تجوعْ…
أما ترونْ؟
الثكالى…
يشققنَ الليلَ بالعويلْ…
أما ترونْ؟
طفلًا…
يتلوّى من الألمْ…
كغصنٍ… من أمه الشجرة…
مقطوع
ونحنُ
نعدُّ الدعواتْ…
كأنَّ السماءَ…
خزان النجاةْ…
انظروا… الشبانُ…
في المدارسْ… والحقولْ…
وفي الشوارعِ البعيدةْ…
في صدورهمْ نارٌ…
لا تشبهُ نارَ الخطبْ…
ضميرٌ فتيٌّ…
يرفضُ أن يتعايشَ
مع الظلمْ…
جيلٌ... لم تصنعْهُ العروشْ…
بل صنعتهُ الخيبةُ… والغضبْ…
في قلبهِ…
مشكاةُ نورْ…
وفي عينيهِ…حلمٌ…
أن تدورَ الدوائر
القضيةُ—
لم تعدْ للعربِ وحدهمْ…
بل صارتْ…
جرحًا…
في قلبِ العالمْ…
سئمتُ…
أن أرى المدينةَ
تبتلعُ أبناءَها…
صار كأسُ المنايا
مترعًا بالحوادثْ…
وما أشبهَ
هذا اليومَ…
بذلك الأمسْ…
لكنْ… العمامةُ ما زالتْ… تخطبْ…
والطفلُ ما زالَ… يتلوّى…
والسماءُ ما زالتْ…
صامتةً
حتى…
إذا سقطتِ العمامةْ…
انكشفَ الرأسْ…
وعرفَ الناسُ أنَّ الصوتَ
لم يكنْ
صوتَ السماءْ…
بل… صوتَ الخوفْ…
صوت الرياء... صوت الجبناء