تخطَّ إلى المحتوى

قام شيطان العمامة يخطب في الجموع

غير معروف

١٤٤ بيت

الحماسة

قامَ شيطانُ العمامةِ يخطبُ في الجموع،

يرفعُ صوتهُ

كأنَّ الصدى وحيٌ ينزلُ من السماء.

كلُّ ما قاله

ذلٌّ…

وكلُّ ما نطقَ به

خنوع.

جاءَ لا باسمِ الإله،

بل باسمِ السلطان،

يُحرّضُ بعضَ الناسِ

على بعض.

يفغرُ فاهُ

كحمارٍ أضلهُ الصهيل،

ينهقُ في الطرقاتِ

ويزعمُ أنَّ صوتهُ

نداءُ السماء.

يتلو على الناس

مرسومَ الطاعة،

ويختصرُ الطريقَ إلى السلاسل

بدموعِ التماسيح.

ثم يرفعُ كفّيهِ

داعيًا:

“اللهم احفظ أطفالَ غزّة…”

وكأنَّ الدعاءَ

خبزٌ يشبعُ الجياع،

أو ماءٌ

يطفي نارَ القذائف.

بالأمسِ

حرّضَ باسمِ الجهاد،

فسقى أرضَ السواد

موتًا

وجوعًا

ونواح.

واليومَ يسأل:

أينَ الجهاد؟

وغزّةُ

ينتزعُ الألمُ

ضلوعها انتزاعًا.

ناديناكم…

فلم يُجب أحد.

قلوبُنا

مواقدُ أسى،

ومآقينا

أنهارُ دمٍ

لا دموع.

هذه الأرضُ

إذا غضبت

كسرتْ قيدَها،

وأبتِ الخضوع.

فهل يرجعُ المغتصِبُ

الأرضَ

بالتضرّعِ والخشوع؟

لن يرحلَ الباغي

ما دمنا

شظايا صفٍّ

تمزقهُ الصدوع.

قال المعمّمُ

وعلى وجههِ

مسحةُ الخشوع:

“هيا للقدسِ نصلّي،

نشعلُ

للشهداءِ

شموعًا…”

شموعًا

مثلَ النساءِ والأطفال!

يا للعار…

أيُّ زمنٍ هذا

يستبدلُ الثورةَ

بالدموع؟

طالما السلطانُ راضٍ،

دعونا نصمت،

دعونا نُتقنُ

فنَّ الركوع.

فلسطينُ لها ربٌّ…

هكذا قالوا،

فلا تُتعبوا السيوف،

ولا تُوقظوا البنادق،

واكتفوا

بالسجود.

وأميرُنا بخير،

والرخاءُ

يملأُ الربوع.

أما ترونَ

أطفالَ غزّة

تجوع؟

أما ترونَ

الثكالى

يشققنَ الليلَ

بالعويل؟

أما ترونَ

طفلًا

يتلوّى من الألم

كغصنٍ مكسور؟

عارٌ علينا

أن نرى الظلم

ولا نحرّكُ حجرًا.

يا حسرةَ المروءة…

هل أفل نجمُها؟

أم أنَّ شمسَها

تتهيأُ للطلوع؟

انظروا…

الشبانُ

في المدارسِ والحقول،

وفي الشوارعِ البعيدة.

في صدورهم

نارُ حرية

لا تنطفئ.

ضميرٌ فتيٌّ

يرفضُ

أن يتعايشَ مع الظلم.

هذا جيلٌ

لم تصنعهُ العروش،

بل صنعتهُ

الخيبةُ

والغضب.

جيلٌ

لن يركعَ

لغدرٍ

ولا لجور.

في قلبهِ

مشكاةُ نور،

وفي عينيهِ

حلمٌ

أن تدورَ الدوائرُ

على الباغي.

فالقضيةُ

لم تعد للعربِ وحدهم،

بل أصبحت

جرحًا

في قلبِ العالم.

رحلتُ عن بغداد…

سئمتُ

أن أرى المدينةَ

تبتلعُ أبناءها.

صار كأسُ المنايا

مترعًا بالحوادث،

وما أشبهَ

هذا اليوم

بذلك الأمس.

فالدهرُ

كلما دارَ

صار

أمرَّ

وأوجع.