كُلُّ الَّذِينَ مَضَوْا…
تَرَكُوا أَبْوَابَهُمْ مَفْتُوحَةً فِي صَدْرِي،
تَعْبُرُهَا رِيَاحُ الحَنِينِ،
فَتُمْطِرُ الذِّكْرَيَاتُ كَأَنَّنِي أُعِيدُ العُمْرَ مِنْ أَوَّلِهِ.
لَا أَبْكِي لِأَنَّهُمْ رَحَلُوا…
أَبْكِي لِأَنَّ الرَّحِيلَ لَمْ يَتَعَلَّمِ الخُرُوجَ مِنِّي.
الخُبْزُ عَلَى طَاوِلَةِ أُمِّي يَفْتَحُ ذَاكِرَتَهُ كُلَّ صَبَاحٍ،
وَقَهْوَةُ أَبِي تَتَمَسَّكُ بِمُرِّهَا كَأَنَّهَا لا تُرِيدُ أَنْ تُنْسَى،
وَأَطْفَالٌ كَانُوا يَضْحَكُونَ… صَارُوا يَحْمِلُونَ
ظِلَالَهُمْ فِي حَقَائِبِ السَّفَرِ.
يَا وَاقِفًا خَلْفَ زُجَاجِ النَّافِذَةِ…
لَا تُحَاوِلْ فَهْمَ السَّاعَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَعْرِفُكَ.
الزَّمَنُ لَيْسَ عَقَارِبَ…
الزَّمَنُ هُوَ رَائِحَةُ مَطَرٍ لَمْ يَهْطِلْ بَعْدُ،
وَطِفْلٌ يَجْرِي خَلْفَ نَفْسِهِ، وَلا يَلْحَقُهَا.
أَلَا تَشْعُرُ أَنَّكَ تُغْلِقُ عَيْنَيْكَ فَتَخْسَرُ عُمْرًا؟
قَالَتْ لِي الذَّاكِرَةُ:
سَأَخِيطُ لَكَ نِسْيَانًا يُشْبِهُ المِعْطَفَ.
فَانْكَشَفَ جِسْمِي لِبَرْدٍ لَا يُشْبِهُ البَرْدَ،
بَلْ يُشْبِهُ كُلَّ مَا لَمْ يَكُنْ وَصَلَ.
فَيَا مَنْ يَمُرُّ دَاخِلَ نَصِّي كَأَنَّهُ بَيْتُهُ…
لَا تَأْخُذْ مِنِّي اسْمِي، خُذْ مَا كُنْتَ تَخْشَاهُ فِيكَ.
لِمَاذَا نَبْكِي بِدَمْعٍ وَاحِدٍ وَنَدَّعِي أَنَّنَا مُخْتَلِفُونَ؟
لِمَاذَا يُشْبِهُ حُزْنُكَ حُزْنِي إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ المُخِيفَةِ؟
كُلُّنَا نَجْلِسُ فِي المَكَانِ نَفْسِهِ،
وَالمَقْعَدُ لَا يَتَحَرَّكُ… بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ نَتَبَادَلُ الأَرْوَاحَ.
آهِ يَا زَمَنًا كَانَ يَسْقُطُ عَلَيْنَا دُونَ أَنْ نَلْتَفِتَ لَهُ،
كَانَ اليَاسَمِينُ يَخْرُجُ مِنْ الجُدْرَانِ دُونَ سَبَبٍ،
وَالرَّسَائِلُ لَا تَعْرِفُ أَنَّهَا سَتَصِيرُ ذِكْرَيَاتٍ.
أَمْشِي الآنَ فِيَّ كَأَنِّي غَرِيبٌ عَنْ نَفْسِي،
أَفْتَحُ أَبْوَابَ رُوحِي فَلَا أَجِدُ سِوَى رِيَاحٍ تَسْكُنُنِي.
وَأَسْأَلُهَا: مَنْ أَنَا؟
فَتُجِيبُنِي بِصَوْتٍ لَا يُشْبِهُ أَحَدًا:
أَنْتَ الَّذِي تَأَخَّرَ فِي الوُصُولِ إِلَى نَفْسِهِ…
وَبَقِيَ هُنَاكَ.