أبكيكَ لو نَقَعَ البكاءُ غليلا
وأطيل لو أجدى العويلُ عويلا
وأسحُّ من دمعي عليكَ تحرُّقًا
حتى يعودَ مصونُه مَبْذولا
وأضمّ أحشائي على مُضْنى أسًى
يدعُ الحشا من حرقةٍ مأهولا
كذب السلوُّ فما يزور نفوسَنا
أبدًا، ولن يلقى لهنَّ سبيلا
كنا نعدُّ الحزنَ أقبحَ خلَّةٍ
حتى نُعيتَ فعاد فيكَ جميلا
لهفي عليك مودَّعًا أتْبَعْتُه
دمعًا على حُكم الفراق هَمولا
لهفي عليك مشيَّعًا ألقى له
حزنًا على جلَدي الضعيف ثقيلا
لهفي عليك تلهُّفًا لا ينقضي
لهفي على تلك الخصال طويلا
لهفي على تلك الأماني إنها
قد أُوسعتْ بعد الزهوِّ ذبولا
لهفي على شافي غليلِ صدورِنا
من غلَّةٍ أعيَتْ أخاه النيلا
لهفي على الطود الذي نسفَ الردى
أركانَه ودعا به ليزولا
لهفي على الليث الذي لم يحمِنا
بزئيره إلاَّ وقالوا اغتيلا
لهفي على البدر الذي لم يكتمل
إلاّ وأشبعه الزمانُ أفولا
لهفي على الثمر اللذيذ المجتنى
قد عاد للدهر الخؤون أكيلا
لهفي على السيف الذي لم ننتصف
بغِراره إلا وعادَ فَليلا
لهفي على الماء الشّريبِ مروَّقًا
يشفي عليلاً أو يُزيح غليلا
لهفي على الركن الشديد دعتْ به
نكباءُ من ريح الردى فأُمِيلا
لهفي على الدرع الذي نلقى به
وَقْعَ السهام فما تنال منيلا
لهفي على ذاك المِجَنِّ تناله
بيضُ السيوف فما تصيب فتيلا
يا أيها المغصوبُ من أحشائنا
هل أنت سامعُ دعوتي فأقولا
قد كاد فقدُكَ وهْو أفدحُ فاجعٍ
يُنسي رجاء الله والتأميلا
تسعى به مصرٌ وكانت أفلتتْ
من كَبْلها نحو الكُبول الأولى
أذللت أعناقًا سعيت لعزِّها
لما غدت بك فوقَها محمولا
راحوا بنعشك بين باكٍ مضمرٍ
حُرَقًا ومبدٍ حنَّةً وعويلا
من غاسلٍ بدموعه منديله
أو جاعلٍ من خدِّه منديلا
أو غادةٍ تَسقي بماء دموعها
وردًا على الخد الجميل جميلا
لم يسق وردَ الروض ماء غمامةٍ
ريّا كورد خدودِها مطلولا
غسلت به وردَ الخدود فأذبلتْ
والورد يذهب حسُنه مغسولا
رفعوا به ملءَ الصدور كأنما
رفعوا به التوراة والإنجيلا
وعلَوتَ أعناقًا تودُّ لحزنها
لو قد علاها السيفُ منك بديلا
في محفلٍ تمشي الملائك خُشّعًا
فيه كما حفَّ الجنودُ جليلا
لولا الدموعُ وأنّ طرفي مُغمدٌ
لعرفتُ جبريلاً وميكائيلا
ودفنتُ يوم دُفنتَ منك أمانيًا
كانت كما رُشِفَ اللمى معسولا
ظلَّتْ بقبرك يوم زلتَ مقيمةً
لا تبتغي عن لحدِه تحويلا
«يا مصطفى» أعزز عليّ بأنني
أدعو فلا ألقاك ثَمَّ قَؤولا
لم يبقَ ما يُؤسَى على فقدانه
لما أصاب الموتُ منك جليلا
ودعا التصبَّر للرحيل مودعًا
لما جلا الإثنين منك رحيلا
فليبعدِ الإثنين إن مصابه
قد رَدَّ جيش تصبُّري مَفْلولا
يبكي رجالٌ كنتَ شَجْوَ صدورهم
شجوًا كما يبكي الخليلُ خليلا
خذلوكَ من حسدٍ فلما زُلزلوا
بك صار ذاك الخاذلُ المخذولا
إن العيونَ وكنتَ قُرَّتَها لقد
صارت عليك سحائبًا وسُيولا
فاذهب كما ذهب الشباب مشيَّعًا
بِجوًى يزيد على الليالي طولا
صلى الإله عليك من متوسِّدٍ
وسقاك دمعي والغمامُ هطولا