كسَرْتُ وَراءَ البرْدِ جَرَّةَ فَخّارِ
وألْقَيْتُ باقي مااحْتَطَبْتُ إلى النّارِ!
وشَرَّعْتُ شُبّاكي لتَدْخُلَ نَسْمَةٌ
تَسابَقُ منْ روْضٍ تأنَّقَ مِعْطارِ!
وخبَّأْتُ أثْوابي الثَّقيلَةَ بعْدَما
تحَمَّلْتُها وزْناً يَؤولُ لِقِنْطارِ!
وقُمْتُ إلى الحقْلِ المضَمَّخِ بالشَّذى
سَعيداً بدِفْءِ الشَّمْسِ والجَدْوَلِ الجاري!
لقَدْ صَدَقَ الأجْدادُ في وصْفِهمْ لهُ
يقصُّ إذا اشْتَدَّ الدِّسارَ كَمِنْشارِ!
فقلْتُ لنَفْسي: إنَّهُ يوْمُ نُزْهَةٍ
تفُكُّ عنِ النَّفْسِ الحِصارَ بمِشْوارِ!
فجهَّزْتُ حاجاتي وعِدَّةَ رِحْلَتي
ويمَّمْتُ شَطْرَ اللِّحْفِ بالأهْلِ والدّارِ!
فما ذُقْتُ أشْهى منْ طَعامٍ يُعَدُّ في
إناءٍ يُغَطّيهِ اللَّهيبُ بِشُحْبارِ!
وما طابَ شايٌ عُدَّ في البَرِّ كالذي
على حَطَبٍ أَجٍّ بمجْمَرِهِ وارِ!
فإنْ شِئْتَ للقِدْرِ الثَّباتَ على اللَّظى
أَتِمَّ أثافيها ثلاثَةَ أحْجارِ!
أرى الفُلَّ والدَّفْلى يُطَلِّلُها النّدى
وتهْمِسُ في سَمْعِ الزُّهورِ بأسْرارِ!
تقولُ لها: جاءَ الرَّبيعُ فنَبِّهي
جفونَكِ كيْما تُبْصِريهِ بمِنْظارِ!
تدُبُّ بهِ روحُ الحَياةِ وبَعْثُها
تفَتُّحُ أزْهارٍ وتغْريدُ أطْيارِ!
تغَرِّدُ منْ حوْلي الطُّيورُ سَعيدَةً
على رفْرَفٍ خُضْرٍ بجَنَّةِ أزْهارِ!
ودونِيَ آفاقٌ تَرامى كأنَّها
بساطُ حَريرٍ ناضِرٍ مَدَّ إِبْصاري!
تزَخْرَفَ بالحَنّونِ عِزّاً كَما رَوَتْ
عَنِ الماجِدِ النُّعْمانِ وقْعَةُ ذي قارِ!
تَبيتُ دَعاسيقُ الحُقولِ قَريرَةً
بتيجانِها منْ أجْلِ قوتٍ وإِكْثارِ!
وبالنَّرْجِسِ البَرّيِّ والرَكَفِ الذي
نسَبْناهُ للعذْراءِ مرْيَمَ في الغارِ!
وزَنْبقَةِ الياقوتِ واللّوفِ والحَوى
وزهْرِ الخُزامى والبَنفْسَجِ والماري!
يَطوفُ بها النَّحْلُ المُسافِرُ طالِباً
رَحيقاً لدَيْها دائِباً غيْرَ خَوّارِ!
فَيَطْوي المَسافاتِ الطِّوالَ لأجْلِها
على الرُّغْمِ منْ بُعْدٍ ووَعْثاءِ أسْفارِ!
لإنْتاجِ شُهْدٍ للمَليكَةِ نخْبُهُ
ولليَرَقاتِ النّامِياتِ بأطْوارِ!
قدِ اخْتَلَفَتْ ألْوانُهُ وهْوَ لذَّةٌ
لشاربِهِ شافٍ لشارٍ ومُشْتارِ!
وتَمْرَحُ أسْرابُ الفَراشِ خِلالَها
كجيْشٍ تَماهى بالنَّمانِمِ جَرّارِ!
مَضى راحِلاً كانونُ يحْمِلُ قَرَّهُ
على ظهْرِهِ عبْرَ السِّنينَ بتكْرارِ!
ليأْتِيَ محْتاراً شُباطُ وراءَهُ
على عجَلٍ مابيْنَ شمْسٍ وإِمْطارِ!
ليَلْحَقَهُ آذارُ مزْدَهِياً لدى
لَطافَةِ أجْواءٍ وعِطْرٍ ونَوّارِ!
ونسْجِ زَرابِيِّ الطَّبيعَةِ سُنْدُساً
وتخْويرِها حُسْناً بطَيْرٍ وأشْجارِ!
وتَرْدادِ غِزْلانِ التِّلالِ بُغامَها
وسجْعِ يَمامٍ معْ مُقاقاةِ شِنّارِ!
فقلَّدَهُ فصْلُ الرَّبيعِ وِسامَهُ
وألْبَسَهُ ثوْبَ الجَميلَةِ عِشْتارِ!
يُوافيهِ عاماً تِلْوَ عامٍ بزَوْرَةٍ
ويخْتارُهُ دونَ الشُّهورِ بإيثارِ!
ويُعْلِنُ ما دارَ الزَّمانُ مُفاخِراً:
أنَا غُرَّةُ الثُّلْثِ الأخيرِ لآذارِ!
ودُرَّةُ تاجي شَهْرُ نيْسانَ كلَّما
رجَعْتُ وشَيْبي في كُهولَةِ أيّارِ!
وآخرُ مشْواري حُزَيْرانُ عابِراً
لعامٍ يلي عاماً منَ العُمْرِ دَوّارِ!
فيَلْحَقُني تَمّوزُ يحْمِلُ قلْبَهُ
بكَفَّيْهِ مطْعوناً بمِدْيَةِ غَدّارِ!
ليُهْدِيَهُ بعْدَ الفِراقِ لِمُقْلَتَيْ
حبيبَتِهِ عِشْتارَ نِيشانَ تِذْكارِ!
ولمّا يزَلْ تمّوزُ يتْبَعُ موْكِبي
ليَسْمَعَ عنْ عِشْتارَ أيَّةَ أخْبارِ!
ولمّا تزَلْ في القَصْرِ ترْقُبُ عوْدَهُ
بواكِفِ دَمْعٍ يغْمُرُ الأرْضَ مِدْرارِ!