تخطَّ إلى المحتوى

لمن الديار قضين فيك قضاءا

الكامل

٧٩ بيت

الحماسة

لِمَنِ الدِيارُ قَضَيْنَ فيكَ قضاءا

ألّا تُغالِبَ عِندَهُنَّ بُكاءا

أخْفَى مَعالِمَها الرُّكامُ كأنّهُ

وَرَمٌ تَمَدَّدَ لِلجُلودِ غِشاءا

وَوَشى الغُبارُ بها فليسَ يَزُورُها

إلّا الوحوشُ فلا تُطيلُ بَقاءا

فَضَحَتْ قِراها بالجُذوعِ يَوابِسًا

وَرَمَتْ بِرَهْبَتِها الجِوارَ وَباءا

جِيرانُها رَحَلُوا ، وباتَ أنيسَها

ذَرٌّ أضاعَ سَبِيلَهُ فَتَناءَى

خَفِيَتْ عليكَ قَريبَةً ولَطالَما

كانَتْ لِعَينِكَ في النَّوَى تَتَراءَى

ما هكذا جاءَ الخيالُ بوصفِها

وَلَكَمْ أراحَكَ مَنْ بِكِذْبٍ جاءا

وخيالُ مَنْ تَهواهُ أكذبُ مُرسَلٍ

والقَلْبُ ليسَ يَرَى سِوَى ما شاءا

ضاقَ الفضاءُ عليكَ مُذْ بَعُدَتْ ، وإنْ

كانتْ علَى ضيقٍ بها لَفضاءا

وَلَرُبَّ يومٍ قد حَوَتْكَ كأنّها

صَدْرٌ ، وأنتَ بهِ تَجولُ هَواءا

فأنخْ رِكابَكَ ، ما عليكَ مَلامةٌ

وأَطِعْ أَساكَ ، وأَنْصِفِ الأهْواءا

واسكُبْ دموعًا كالحَميمِ علَى الثَّرَى

ما ضَرَّ عينَكَ أنْ تذوبَ وفاءا

إنَّ العيونَ يُعَزُّ قلبُ مُذِلّها

ويُهَدُّ قلبُ مُعِزِّها إعياءا

يا دارُ لِي عُذرٌ وليسَ بنافِعِي

تاللهِ بعدَكِ ما اسْتَطَبْتُ ثَواءا

كُنّا نُعاهِدُ أنَّ دُونَكِ موتَنا

كَذِبًا لَعَمْرُكِ ، لم نَزَلْ أحياءا

لَبِّي النداءَ فقد جَهِدْتُ مُناديًا

ولِغَيْرِ صوتِيَ لَمْ أجِدْ أصْداءا

وإخالُ أنّيَ قد سُمِعْتُ وإنّما

أعيا الجوابُ حجارةً خَرْساءا

فَتَلَوَّمي ما شئتِ إنّي عازمٌ

حَثَّ المَطِيِّ فقاطِعٌ أفلاءا

فلأَزْجُرَنَّ بذا المَواجِعَ ذاهِلًا

عن أُمِّ حِقٍّ لا تَمَلُّ رُغاءا

إني أُعيذُكِ أنْ تَزيدي غَمْرَتي

أحَسِبْتِ رَبَّكِ قد أصابَ هَناءا ؟

إلّا لِمامًا يومَ أبصرَ جُؤذرًا

يمشي الهُويْنا رِقَّةً وحياءا

ريمٌ يُؤَرِّقُ مَنْ رآهُ ببسمةٍ

تَغزُو القلوبَ تَحُفُّها إغراءا

يا لِلْمَها ، تَعِدُ الوُعودَ عيونُها

فتُحيلُها يومَ الوفاءِ جَفاءا

أُبْدِلْتُ مِنْ فَمِها يَمُجُّ رحيقَهُ

قلبًا يَمُجُّ بِأضلُعِي الأدواءا

وا لَهْفَ قلبِي مِنْ عُيونٍ دينُها

ألّا يذوقَ أسيرُها سَرّاءا

والعهدُ في الأسرَى يُفَكُّ وِثاقُهُمْ

إنْ لَمْ يَكُنْ مَنًّا يكونُ فِداءا

يا عاذِلِي رُحْمَى بصوتِكَ ، إنَّ لِي

أُذُنًا وَعَتْكَ وإنْ بَدَتْ صَمَّاءا

إيّايَ فاسْقِ وعَلِّ تَهْدِ فإنَّما

يُجْلَى الظَّلامُ بِقَهْوَةٍ صَهباءا

أَفَبِالهلاكِ تُخَوِّفُ ابنَ أرُومَةٍ

أنْ قَصَّفَتْ مِنْهُ الخُطوبُ لِحاءا ؟

إنِّي لَتُرْدِي ذا الشَّناءةِ عِيشَتِي

ولقدْ أُخَلِّدُ مَنْ بِقَتْلي باءا

وزَعَمْتَ أنّي ذو سَقامٍ هيّنٍ

وزَعَمْتَ أنّكَ قد عرفْتَ دواءا

لا تطلُبَنَّ لِيَ الدواءَ فإنّنِي

أُلقِي الدواءَ إذا ألِفْتُ الداءا

لا يبتغي صَبٌّ سُلُوًّا عن هَوىً

إلّا إذا اسْتَسْقَى الغريقُ الماءا

عهدُ الجَآذِرِ رَمْيُنا ، وعهودُنا

ألّا تُغادرَنا السهامُ ظِماءا

يا أمَّ مارِيَّا لَوِ اسْتَجْلَيْتِنِي

لَعَلِمْتِ أنِّي كالغمامِ غَناءا

ولقد عَلِمْتِ وقد أقمتُ على الهَوَى

أنْ لستُ مُبتغيًا سواكِ نِساءا

إنْ تَجْهَلِي يا بِنْتَ مِصْرَ مَكانَتِي

فَسَلِي الضياءَ وسَائلي الظَّلْماءا

قد سِرتُ بينهما ، ولمْ أجْمَعْهُما

إلّا لأَجْزِيَ بالمِثالِ جَزاءا

فأنا النعيمُ لِمَنْ أرادَ تَنَعُّمًا

وأنا الشَقاءُ لِمَنْ أرادَ شقاءا

وأنا الذي إنْ شَدَّ هَدَّ ، وإنْ مَضَى

أمْضَى ، وإنْ قَصَدَ المَنِيعَ أفاءا

ولقد بُلِيتُ بدهرٍ اخْتَلَّتْ بِهِ

فِطَرُ الأنامِ فأصبَحَتْ عَرْجاءا

إنّي بَرِمْتُ بقومِ سُوءٍ حُسَّدٍ

يَتَنَافَسُونَ تَقَلُّبًا ورِياءا

وَيَرَوْنَ في الصِّدْقِ القَلِيلِ حماقَةً

وَيَرَوْنَ في الكَذِبِ الكثيرِ دهاءا

وَيَروْنَ قُبْحًا في الرَّقيقةِ نَفْسُهُ

وَيَرَوْنَ في القاسِي الغَليظِ بَهاءا

لم ينجُ منهمْ غيرُ ساترِ رأيِهِ

ويُضامُ مَنْ أبدَى لهمْ آراءا

قد يقتلونكَ ظالِمِينَ ويُنكِرو

نَ معَ احتِضارِكَ أنْ تقولَ بَذاءا

وأنا امرؤٌ لا يستطيعُ لفكرهِ

دفعًا ، ولا لشعورهِ إخفاءا

وَجْهي لِقَلْبي صاحبٌ لا يَرْعَوِي

عَنْ أنْ يُذيعَ لِسِرِّهِ الأنباءا

يُفشِي لسانِي ما بقلبِي غافِلًا

حتى لَكِدْتُ أجُزُّهُ استحياءا

إني امرؤٌ عَسِرُ الحَفِيظَةِ ، هِمَّتِي

ألّا أُبادِئَ مَنْ كَرِهتُ عَداءا

ولقد أُقِرُّ علَى المَودَّةِ كارهِي

إمّا يَخَفْ لِكَراهَتي إبداءا

أجِدُ التغابيَ راحَةً ، وَلَوَ انَّهُ

في حِقْبَتي هذِي يُعَدُّ غباءا

وأُشِيحُ عنْ أهلِ المِراءِ بناظِرِي

ضَنًّا بعُمْرِيَ أن يَضيعَ هُراءا

وَلَقَدْ أصَبْتُ من الحَياةِ ، فَلَمْ أَجِدْ

كالعقلِ أرضًا ، والفؤادِ سماءا

وَمَجالِسٍ خَلَّيْتُها ، ومَلاعِبٍ

خَلَّفْتُها ، والبَيْتُ نِعمَ صَفاءا

إني لَأكْرَهُ بالنفاقِ تعلُّلاً

إني لآبَى في الضِّرارِ إخاءا

ما إنْ أخالِطُ غَيرَ نفسيَ عِزَّةً

وكفَى بنفسِي وحدَها خُلَطاءا

أنا أمّةٌ وحدِي وإنْ لمْ أنْتَثِرْ

ولَوِ انْتَثَرْتُ لما لقيتُ فَناءا

لا أرتضي إلا كِفاءِيَ صاحِبًا

وأمِيلُ عمَّنْ لا أراهُ كِفاءا

ومُحاوِلٍ قِمَمَ الكرامِ بلؤْمِهِ

كالشيخِ إذْ يَتعشَّقُ العَذْراءا

ومُنَعَّمٍ أعلاهُ مالُ جُدودِهِ

في عينِ قومِي فاشترَى الجُهلاءا

قد غَرَّهُ أنْ لستُ بَالِغَ حظِّهِ

بِفَضائِلِي ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُ عَناءا

لا عشتُ يوْمًا فيهِ يَعلُو هامَتِي

بالمالِ مَنْ لا أرتضيهِ حِذاءا

ويُقالُ لي : إنَّ الحياةَ ثمينةٌ

أيَّ الحياةِ قَصَدْتُمُ الإطراءا ؟

فمِنَ الحياةِ بأنْ نعيشَ جَبابِرًا

ومِنَ الحياةِ بأن نعيشَ إماءا

وأنا ابْنُ أسلافٍ أماجِدَ ، لِلْعُلا

عاشُوا ، وماتُوا للفَخارِ فِداءا

قَهَرُوا المُلوُكَ تَسَلِّيًا ، وتَحَرَّشُوا

بالمَوتِ ، واتَّخذوا الجَلالَ رِداءا

أُغْنِيتُ عَنْ صبْرِ العبيدِ بخَلَّةٍ

في النفسِ كلّلَها الزمانُ إباءا

لا خيرَ في صبرٍ إذا لم يُبْدِهِ

قَبْلِي مَنِ ابتدَأ الأذَى وأساءا

والصبرُ أَقْبَحُ لِلْفَتى عِنْدَ الأذَى

وأشدُّ مِنْ أسبابِهِ إيذاءا

ما الصبرُ قبلَ الثأرِ إلّا ذِلّةٌ

والثأرُ أعظمُ ما عَرفْتُ عَزاءا

ما لِلفتَى دونَ البَلاءِ مِجَنَّةٌ

حتى يكُونَ علَى البلاءِ بلاءا

إنّي إذا نَزَلَ الطُغاةُ بساحَتِي

أَعْلَيْتُ للجهلِ القديمِ لِواءا

فَلَئِنْ غَلَبْتُ لأُغْنِيَنَّ نَوائِحًا

يُجْرينَ مِنْ أَجْفَانِهِنَّ دِماءا

وَلَئِنْ غُلِبْتُ لأَتْرُكَنَّ لِغالبِي

قَرْحًا يُعَذِّبُهُ صباحَ مساءا

يَبكِي فؤادِي وحدَهُ ، ويغيظُهُ

أنِّي يغيظُ تَبسُّمِي الأعداءا

لا أُسْمِعُ الأعداءَ منّي صرخةً

حتَّى نكونَ علَى الصُّرَاخِ سَواءا

ولَرُبَّ نائبَةٍ هَتَكْتُ حِجابَها

أَنَفًا ، ولَمْ أَكُ بالمُريدِ نَجاءا

وأنا المَنُونُ فما أهابُ مَنِيّةً

وأنا القَضاءُ فما أخافُ قَضاءا