وقفَ الغريبُ وما الوقوفُ الأغربُ
إلا لأمْرٍ بالحُشاشةِ يَذْهَبُ
رجَفَتْ يداهُ وصارَ أصفَرَ لونُهُ
ودموعُهُ مسجورةٌ تتَصَبَّبُ
ذهَبَ الجميعُ وظلَّ يندبُ وحدَهُ
لا شيءَ ينفعُ إنْ جفاكَ الأقْرَبُ
ورَقٌ هيَ الدُنيا بلونٍ أسْوَدٍ
وتُنيرُها الأقلامُ فيما تَكْتُبُ
يا كلَّ شيءٍ لي وأعْذَبَ مَا مضى
إنْ لم تَعُدْ فالمَوتُ عندي الأعْذَبُ
دَقّاتُ قلبِي في الوصالِ تلاصَقَتْ
حتى وكادَ العُمْرُ صُبْحاً يَغْرُبُ
أنا يا وحيدُ أنا فؤادُكَ زِدْتَني
ثقْلاً وإنِّي قبلَ ذلكَ أحْدبُ
وقفَ الحبيبُ وكانَ أوّلَ ناكِثٍ
عَهْدَ الوفاءِ أخوهُ بلْ حتى الأبُ
ومِنَ الوضاعَةِ في الجماعةِ قولُهُم
نصْفُ الشجاعَةِ في القِتالِ المَهْرَبُ
وعَرَفْتُ والأيامُ آخِرُ شاهِدٍ
أنَّ الشُجاعَ مِنَ الرِّجالِ الأعْزَبُ
كانَتْ مؤامَرةً عليَّ وإنَّما
يبقى الكتابُ إذا تولّى المَكْتَبُ
ولقدْ كَسَبْتُ مِنَ المُسيءِ بأنّني
حتى النِّهايةِ مُحْسِنٌ ومُؤَدَّبُ
للهِ أنتَ وفيكَ قلبٌ صارِخٌ
ذابَ الحديدُ وأنتَ قلبُكَ أصْلبُ
ولقدْ صبَرتَ وكنتَ ناقةَ صالحٍ
ذبحوا الفصيلَ وأنتَ ضَرْعٌ يُحْلَبُ
زَهِدَ الأحبَّةُ بي فجئتُ مُعاتِباً
وزَهِدْتُ بالدُنيا فمالي أعْتِبُ
وجَلَسْتُ في الصَحْراْءِ أنْطُرُ ركْبَهُمْ
حتى سَمِعْتُ الريحَ مِثْلي تنْدُبُ
ووقفتُ أذْكُرُ كلَّ شَخْصٍ ضاحِكٍ
يوماً وأذكرُ كلَّ شخْصٍ يلْعَبُ
ولقدْ شرِبْتُ الماءَ شُرْبَ مُصارِحٍ
فإذا الترابُ هوَ الصديقُ الأنْسَبُ
وأقولُ أينَ الأصْدِقاءُ وكُلُّهُمْ
كَذِبٌ كما أنَّ الصداقةَ أكْذَبُ
هذا الزَّمانُ نَدِمْتُ منذُ عرَفْتُهُ
ما عُدتُ مِنْ أفعالِهِ أتَعَجَّبُ
خذ مِن فَمي عسَلَ الزّمانِ وطَعْمَهُ
واسْألْ دَمِي المَبْعوثَ عمَّنْ جرَّبوا
إنّ الدّليلَ على صديقٍ مُبْغِضٍ
هُوَ في قليلٍ مِنْ عتابِكَ يَغْضَبُ
سأصيحُ ما بقي الزمانُ لزينبٍ
يا زينبٌ وأُعيدُها يا زينبُ
قد نالتِ الزهراءُ حُبّاً مثلَما
أخَوَاكِ قد نالاهُ مِنّا والأبُ
سألَ الرسولُ موَدَّةَ القُربى فمَنْ
عاداكُمُ إسلامُهُ لا يُحْسَبُ
فإذا بكم شخصٌ تقرَّبَ صادِقاً
فإذنْ لربِّ العالمينَ مُقرَّبٌ
وشهادةُ الإسلامِ بعدَ جفائِكمْ
منقوصةٌ بشروطِها لا تُكْتَبُ
اللهُ يرضى لي أبيتُ مناجياً
أنهارَ أحبابي ويرضى أشربُ
ولوِ الرجالُ تنوحُ نوحَ يمامَةٍ
فأنا أنوحُ وظَهْرُ قلبي أحدَبُ
وقفَ الحسينُ وليسَ إلاّ زينبٌ
وأنا وقفتُ وليسَ إلاّ زينبُ