يا حبيبًا قد جفاني وارتحلْ
عن دياري بعد عشقٍ رائقِ
إنَّ طرفي من سهادي مكتحِلْ
صار يكوى من لهيبٍ حارقِ
مذْ سقاني الحِبُّ كأسًا مترعا
بالأسى والبينِ والحزنِ الدفينْ
حاز همِّي في فؤادي موقعا
واعتلى صرح المآسي والشجون
صار صوتي من بكائي مفزعا
هذه الأطْيَارَ في دوْحِ الغصون
كنت أحيا في حبورٍ وانشراحْ
بين أحضان الحبيب العاشق
أعزف الألحان في هذي البطاحْ
مثل شحرور الرياض الشائق
في بحار التِّيهِ والأنسِ الهني
كُنْتَ يا صاحي خليلاً مؤنسا
لاح من مصباحك النور السَّنِيْ
صار كل الكون طُرًّا مشمسا
بات هذا القلب ميسورًا غنيْ
مذ سقيت الحبَّ شهدًا أكْؤُسَا
في صفاء عاش قلبي هائما
غارقًا في بحر عشق دافقِ
ونسيم الوصل يسري ناعما
بيننا.. والوقت مني سارقي
كم قطفنا الزهر في هذي الربى
كم رشفنا خمرةً تبري السِّقامْ
كم أعدنا من تلاحين الصِّبَا
كم رقصنا في هدوء وانسجامْ
كم شربنا من رحيق مجتبى
وسكرنا في انتعاش واصطلامْ
وصحوْنا بعد سكْرٍ وانتشاءْ
وانحدرنا من علوٍّ شاهقِ
وافترقنا بعد عشق واحتفاءْ
ورجعنا للصدود السابقِ
إن هذا الليل محزون طويلْ
قد ملاه الدمع من جفني انسكابْ
والفؤاد المضنى مكْلُومٌ عليلْْ
في الْتياعٍ عاش فقدًا واغترابْ
إن هذا الجسمَ منهوك نحيلْ
والمحيا شاحبٌ يبدي اكتئابْ
عن سمائي غاب نجمي واختفى
وظلام الكون أَضْحَى خانقي
زال عني البشرُ والفرْحُ انتفى
صار هذا الليل يغزو خافقي
كم عذول بات يروي بيننا
قد حكى ما راقه في كلِّ نادْ
هل يزور الخلُّ يومًا حيَّنا
كي يزيل القيدَ عني والصفادْ
هذه الأشعار تروي حبَّنَا
من مزيج الدمع شعري والمدادْ
يا زمان الوَصْلِ يا حلمًا مضى
إنَّ هجْرَ الحِبِّ أمسى عائقِي
تاركًا في القلبِ سرًّا غامضا
قَدْ غدا منه كليلًا عاتقي