أَرَى رَسْمَ سُعْدَى فِي فُؤادِيَ راسِمَا
لَها وَلَهُ رَسْمٌ وَلَمْ يَكُ طاسِمَا
وَمُذْ أَقْفَرَتْ مِنْهُ المَعالِمُ غادَرَتْ
لَها بَيْنَ أَثْناءِ الضُّلُوعِ مَعالِمَا
وَقَفْتُ بِهِ مِنْ بَعْدِ قُطَّانِهِ فَما
عَرَفْتُ بِهِ إِلاَّ الثَّلاثَ الجَواثِمَا
رَأَيْتُ وُقُوفِي بِالرُّسُومِ فَرِيضَةً
فَكُنْتُ بِفَرْضِي مُدَّةَ العَيْشِ قائِمَا
فَكَمْ نُحْتُ فِي أَطْلالِ عَرْصَتِها وَكَمْ
أَقَمْتُ بِها بَعْدَ الخَلِيطِ مَآتِما
وَأَسْقَيْتُ ظَمْآنَ الثَّرَى فَيْضَ أَدْمُعِي
وَأَبْكَيْتُ مِنْ فَوْقِ الغُصُونِ الحَمائِما
عَشِيَّةَ بانَتْ مِنْهُ سُعْدَى فأَسْعَرَتْ
بِسَوْداءِ قَلْبِي مِنْ لَظَى الوَجْدِ جاحِمَا
وَقَدْ أَوْجَبَ البَيْنُ المُشَتِّتُ بَيْنَنا
وَداعاً بِنارِ البَيْنِ لِلقَلْبِ واسِمَا
تُصافِحُنِي بِالكَفِّ مِنْها وَلَمْ أَزَلْ
أُقَبِّلُ مِنْها راحَةً وَبَراجِما
بَرَهْرَهَةٌ تَشْكُو الخَلاخِلُ ساقَها
كَما يَشْتَكِي مِنْها الإِزارُ المَآكِمَا
وَقَدْ ظَلَمَتْ مِنْها الرَّوادِفُ خَصْرَها
كَما كانَ لِي مِنْ هَجْرِها الحُكْمُ ظالِمَا
تَثَنَّتْ قَضِيباً فِي ضُحَىً فَوْقَهُ دُجَىً
وَدِعْصاً وَأُنْبُوباً مِنَ السَّاقِ فاعِمَا
أَطَعْتُ هَواها مُذْ كَلِفْتُ بِوَجْهِها
وَخالَفْتُ فِيها عُذَّلِي وَاللَّوائِمَا
وَحَكَّمْتُهُ فِي ذاتِ نَفْسِي وَإِنْ يَكُنْ
عَلَيَّ بِحُكْمِ الجَوْرِ فِي الحُكْمِ حاكِمَا
أَبَحْتُ لَها قَتْلِي وَتَعْذِيبَ مُهْجَتِي
فَأَصْبَحْتُ فِي نَفْسِي بِذلِكَ آثِما
وَها أَنا فِي أُرْجُوحَةٍ بِأَكُفِّها
تَمُورُ بِعَقْلِي أَنْجُداً وَتَهائِما
وَلا زِلْتُ مَشْغُوفَ الفُؤادِ بِحُبِّها
مَدَى الدَّهْرِ يَقْظانَ الجُفُونِ وَنائِما
وَكانَتْ رِياضُ القَلْبِ مِنْ قَبْلِ ذا صَدَى
فَصارَتْ سَوامُ الشَّوْقِ فِيها سَوائِما
أَحُومُ إِلَى بَرْدِ الرُّضابِ فأَنْثَنِي
بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ كُلَّما جِئْتُ حائِمَا
كَتَمْتُ الهَوَى فانْصَبَّ واكِفُ عَبْرَتِي
فَباحَ بِما قَدْ كُنْتُ فِي القَلْبِ كاتِما
فَرَعْياً لأَيَّامٍ مَضَتْ بِشَبِيبَتِي
بِها كانَ مِنَّا شَمْلُنا مُتَلائِما
زَمانٌ تَقَضَّى ما أَلَذَّ مَشارِباً
بِشَرْخِ الصِّبا فِينا وَأَحْلَى مَطاعِما
سَقَى اللهُ أَطْلالَ الأُبَيْرِقِ بارِقاً
هَتُوناً وَأَزْجَى لِلغَمِيمِ غَمائِمَا
وَأَلْبَسَها مِنْ رَفْرَفِ الوَشْيِ حُلَّةً
مُكَلَّلَةً دُرًّا تَفُوحُ لَطائِمَا
يَبِيتُ عَلَيْها المُزْنُ يَهْمَعُ باكِياً
فَيُضْحِي بِها النُّوّارُ يَضْحَكُ باسِما
فَيُشْرِقُ فِي رَفْرافِها النَّوْرُ كُلَّما
تَساجَلَ فِيها مَدْمْعُ الغَيْمِ ساجِما
إِذا ما سَرَى سارِي النَّسِيمِ رأَيْتَهُ
يُصافِحُ مِنْها زَهْرَها وَالكَمائِمَا
أَلا ما لِهذا الدَّهْرِ لا زالَ حُكْمُهُ
يُحَرِّمُ حِلاًّ أَوْ يُحِلُّ مَحارِما
مَتَى يَبْنِ يَهْدِمْ ما بَناهُ وَلَمْ يَزَلْ
لِما قَدْ بَناهُ مِنْ مَبانِيهِ هادِما
وَإِنْ ساغَ عَذْباً طَعْمُهُ مالَ بَعْدَها
إِلَى العَكْسِ حَتَّى يَسْتَحِيلَ عَلاقِما
عَمِي ناظِراً دأْباً وَحَصَّ خَوافِياً
وَقَطَّعَ أَوْداجاً وَقَصَّ قَوادِما
رُوَيْدَكَ لَمْ أَحْمَدْكَ يا دَهْرُ واهِباً
وَلَمْ أَنْقَلِبْ مُسْتَعْتِباً لَكَ حارِما
فَلَسْتُ جَزُوعاً حَيْثُ كُنْتَ مُحارِباً
وَلا مُطْمَئِنًّا حَيْثُ كُنْتَ مُسالِما
وَدُرٍّ نَفِيسٍ جَوْهَرِيٍّ مِنَ الثَّنا
لَهُ كُنْتُ فِي سِلْكِ البَدِيهَةِ ناظِمَا
ضَنَنْتُ بِهِ عَنْ كُلِّ لَحْزٍ وَلَمْ أَكُنْ
أُقَلِّدُهُ فِي النَّاسِ إِلاَّ الأَكارِمَا
سَتأْنَفُ نَفْسِي أَيْنَما كُنْتُ أَنْ أُرَى
عَلَى طَمَعٍ لِلأَرْذَلِينَ مُنادِمَا
لَعَمْرُكَ إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى خَصاصَةً
وَلا فُرْضَةً ما دامَ سالِمُ سالِمَا
فَتىً أَخْصَبَتْ أَنْواءُ كَفَّيْهِ مَرْبَعِي
فأَضْحَتْ بِهِ الآمالُ مِنِّي سَوائِمَا
وَأَحْسَنَ حَتَّى جاءَ دَهْرِيَ تائِباً
إِلَيَّ مِنَ الذَّنْبِ العَظِيمِ وَنادِما
سَأَشْكُرُهُ ما دُمْتُ حَيًّا وَأَعْظُمِي
سَتَشْكُرُهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمائِما
جَرَى فِي مَيادِينِ المَحامِدِ يافِعاً
فَعَقَّبَ أَهْلِيها عُلاً وَمَكارِمَا
فَسادَ وَلِيداً غَيْرَ بالِغِ حُلْمِهِ
أَعارِبَها فِي فَضْلِهِ وَالأَعاجِما
أَنامِلُهُ تَحْكِي إِذا ما تَبَعَّقَتْ
سَحائِبُها وُطْفَ السَّحابِ السَّواجِمَا
تَرَقَّتْ فُوَيْقَ القَلْبِ هِمَّةُ قَلْبِهِ
وَقَدْ طاوَلَتْ نَعْما يَدَيْهِ النَّعائِمَا
أَلا أَيُّها الغَيْثُ الَّذِي لَيْسَ شَيْمُهُ
بِذِي خُلَّبٍ أَضْحَى لِمَنْ جاءَ شائِمَا
وَمَنْ جَعَلَ المَعْرُوفَ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ
عَلَى نَفْسِهِ فَرْضاً مِنَ اللهِ لازِمَا
لَقَدْ جاشَ مِنْ كَفَّيْكَ لِلْجُودِ خِضْرِمٌ
لَهُ لُجَجٌ قَدْ يَغْتَرِقْنَ الخَضارِما
أَقَمْتَ بِسَمْكِ المَجْدِ مِنْكَ قَواعِداً
وَأَسْمَكْتَ مِنْهُ فِي السِّماكِ الدَّعائِمَا
وَعَقَّبْتَ قَعْقاعَ بنَ شَوْرٍ وَخالِداً
وَمَنْ قَدْ حَمَى رِجْلَ الجَرادِ وَحاتِمَا
لَكَ الفَلَكُ الدَّوَّارُ فِي الأُفْقِ لَمْ يَزَلْ
لِما رُمْتَ مِنْ أَمْرِ السِّياسَةِ خادِما
وَقَدْ كادَ وَجْهُ البَدْرِ مِنْ أُفُقِ السَّما
يَخِرُّ إِلَى تَقْبِيلِ نَعْلَيْكَ لاثِمَا