أَلِضِّيَاءُ أَنْوَارٌ بِقَلْبِي مُوَقَّدِ
تُضِيءُ دُجَى أَيَّامِيَ الْمُتْعَبِ الْكَدِ
إِذَا مَا اْسْوَدَّتِ الدُّنْيَا وَأَطْبَقَ صَمْتُهَا
تُنَادِينِي الْأَيَّامُ: قُمْ وَاْسْتَهْدِ
هِيَ الشَّمْسُ لَا تُخْفَى وَإِنْ غَابَ نُورُهَا
تَعُودُ عَلَى رُوحِي بِأَلْفِ تَجَدُّدِ
كَأَنِّي بِهَا فِي الْحُلْمِ تَزْهُو جَبِينُهَا
وَتَزْرَعُ فِي صَدْرِي حُقُولَ تَوَقُّدِ
وَتَبْسِمُ عَنْ فَجْرٍ تَلَأْلَأَ وَاْرْتَقَى
كَأَنَّ بَهَاءَ اللَّهِ فَاضَ بِأَوْدَدِ
إِذَا غَابَتِ الْأَنْوَارُ مِنْ كُلِّ وَاحَةٍ
تَظَلُّ هِيَ الدِّفْءَ الْمُقِيمَ بِأَبْرَدِ
أَيَا زَهْرَةَ الْآمَالِ فِي كَفِّ مُرْهِبٍ
هَجِيرٍ، وَلَكِنَّكِ نَدَى الْمُتَجَلِّدِ
رَأَيْتُكِ فِي عَيْنِي مَلَاكًا مُوَشَّحًا
بِأَسْرَارِ رُوحِ الْحُسْنِ لَا بِالْمُقَلَّدِ
إِذَا صَاحَتِ الْأَقْدَارُ فِينَا بِفُرْقَةٍ
صَبَرْتِ، وَلَمْ تَرْكَعِي لِلْمُرْصَدِ
وَفِيكِ رَأَتْ أُمِّك اْبْتِسَامَةَ صَبْرِهَا
وَفِيكِ دُعَاءُ الْوَالِدِ الْمُتَوَدِّدِ
وَتَمْشِينَ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ كَأَنَّمَا
تُدَثِّرِينَ الْحُلْمَ بَرْدًا مُبَرَّدِ
وَقَدْ تُسْعِدُ الْأَيَّامَ جُمْلَةَ غَيْرِهَا
وَتَحْزَنُ إِنْ تَغْضَبِينَ مِنْ غَيْرِ مَقْصِدِ
وَإِنْ حَدَّثُونِي عَنْ مَلَاكٍ نَقِيَّةٍ
فَأَنْتِ الْجَمَالُ الْخَالِدُ الْمُتَفَرِّدِ
قَدَحْتِ بِقَلْبِي مِنْ حَنَانِكِ شُعْلَةً
تُضِيءُ إِذَا مَا الْعَالَمُ الْمُرُّ جَهَّدِ
تُعَانِقُنِي الْأَيَّامُ لَمَّا أَرَاكِ لِي
وَفِيكِ أَرَى عُذْرَ الْحَيَاةِ لِمَوْلَدِ
أَيَا شَمْسَ هَذَا الْقَلْبِ، صَبْرِيَ إِنْ نَأَتْ
دِيَارُكِ عَنِّي، فِي اللَّيَالِي الشِّدَادِ
كَأَنَّكِ فِي صَدْرِي وُجِدْتِ مَنَازِلِي
فَمَا لِيَ إِنْ غِبْتِ الدُّرُوبُ بِمُسْرَدِ
وَإِنْ سَأَلُونِي: هَلْ تُحِبُّ مَلِيكَتَكَ؟
أَجَبْتُ: هِيَ الرُّوحُ الَّتِي لَمْ تُبَدَّدِ
تَغِيبُ الْوُجُوهُ مِنَ الزَّمَانِ وَتَنْطَوِي
وَوَجْهُكِ لَا يُمْحَى، وَلَا هُوَ مُرْغَدِ
رَأَيْتُ جَمَالَ الْكَوْنِ فِيكِ مُجَسَّدِ
وَفِيكِ مَدَى سِرِّ الْجَمَالِ الْمُفَرَّدِ
كَأَنَّكِ وَرْدٌ فَوْقَ خَدِّ صَبَاحِهِ
نَدَى الطُّهْرِ مِسْكٌ فِيهِ لَمْ يَتَبَدَّدِ
عُيُونُكِ آيَاتُ الْبَرَاءَةِ كُلُّهَا
تُضِيءُ، وَإِنْ صَمَتَ الْجَمَالُ الْمُرْصَدِ
وَفِي ضَحْكَتِكِ اللَّحْنُ الَّذِي لَا يُشْتَرَى
وَتَسْكُبُ فَوْقَ الْقَلْبِ مَاءَ الْمُورِدِ
إِذَا مَا نَظَرْتِ، اْسْتَحْيَتِ الشَّمْسُ ضَوْءَهَا
وَخَافَ ضِيَاءُ الصُّبْحِ مِنْكِ تَجَمُّدِي
شِفَاهُكِ نُورٌ، وَالْبَسَمَةُ فَيْضُهَا
كَأَنَّكِ مِنْ أَنْدَاءِ جَنَّةِ أَحْمَدِ
وَفِيكِ صَفَاءُ الْخَيْرِ لَمْ يَتَلَطَّخِ
بِنَظْرَةِ مَكْرٍ، أَوْ نَوَازِعِ مُفْسَدِ
وَلَا فُحْشَ فِي نُطْقٍ، وَلَا طَيْشَ خَطْرَةٍ
وَلَكِنَّ فِيكِ الْفِكْرُ، وَالرَّأْيُ سَيِّدِ
تَمْشِينَ فِي سَعْيِ السَّكِينَةِ خَاشِعًا
كَأَنَّكِ فِي فِرْدَوْسِ رُوحٍ مُعَبَّدِ
وَلَا مَمْشَطَتْ كَفَّاكِ شَعْرَكِ مَرَّةً
إِلَّا وَغَارَ اللَّيْلُ مِنْ حُسْنِ الْأَسْوَدِ
وَفِي طَرْفِكِ الْمُلْقَى حَيَاءُ نَبِيَّةٍ
تُبَاعِدُ مَا بَيْنَ الْخُطَا وَالْمُفْسَدِ
كَأَنَّكِ فِي الْخَلْقِ الْأَنِيقِ مَلَائِكِي
تُزَيِّنِينَ هَذَا الْعُمْرَ دُونَ تَجَهُّدِ
وَلَيْسَ كَجَمَالِكِ الْمُمَزَّجِ بِالْمُنَى
جَمَالٌ، وَلَا صَوْغٌ لِعَيْنٍ تُنَقِّدِ
وَفِيكِ إِذَا تَكَلَّمْتِ صَوْتٌ كَأَنَّهُ
تَرَنُّمُ حُسْنٍ مِنْ رُبَى الْمُتَوَرِّدِ
تُهَادِينَ وَالْعِطْرُ الْمُقَدَّسُ نَفْحَةٌ
مِنَ اللَّهِ، لَا مِنْ مِسْكِ عِطْرٍ مُهَنَّدِ
تُغَنِّي مَلَامِحُكِ الْجَمَالَ كَأَنَّمَا
تَجَسَّدَ مَا قِيلَ فِي مَيْسَاءَ غَيْدِ
وَفِي رِقَّةِ الْقَلْبِ الْحَزِينِ تَعَجُّبٌ
كَأَنَّكِ مِنْ مَاءِ الْمَحَبَّةِ وُلِدِ
لَكِ الْحُسْنُ حَتَّى فِي بُكَائِكِ مَوْعِظٌ
يُذَكِّرُنِي بِالدَّهْرِ، وَالْمَوْتِ الْمُرَدِّدِ
أَيَا شمسَ الْحُلْمِ الْمُعَلَّقِ فِي دَمِي
بِكِ اللَّهُ زَيَّنَنِي، وَلَسْتُ بِمُفْنَدِ
أَرَقُّ مِنَ الْغَيْمَاتِ شَمْسُ وَ إِنْ بَدَتْ
وَفِي فِكْرِهَا نُبْلُ الطُّفُولَةِ وَالْجِدِّ
تُطِيفُ عَلَى أَهْلِ الْبُيُوتِ كَأَنَّهَا
رُقَيَّةُ طِبٍّ فِي يَدَيْهَا مَقْصِدِ
إِذَا لَامَسَتْ كَفٌّ لَهَا وَجَعَ اْمْرِئٍ
أَفَاقَ مِنَ الْأَلَمِ الْقَدِيمِ الْمُرْصَدِ
لَهَا نَظْرَةٌ تُشْفِي، وَلَمْسٌ رَقِيقُهُ
يُعِيدُ إِلَى الْأَرْوَاحِ بَعْضَ التَّجَدُّدِ
تَفِيضُ حَنَانًا لَا يُقَاسُ بِوَصْفِنَا
كَأَنَّ فُؤَادَ اللَّهِ فِيهَا تَجَسَّدِ
وَتَبْكِي لِجُرْحِ الْغَيْرِ قَبْلَ دُمُوعِهَا
كَأَنَّ فُؤَادَ النَّاسِ فِيهَا مُوصَّدِ
إِذَا مَا رَأَتْ طِفْلًا تَلَوَّى جُوعُهُ
تَنَاهَدَ قَلْبُ الْكَوْنِ، ثُمَّ تَنَهَّدِ
وَفِي وَجْهِهَا نُورُ الصَّبَاحِ إِذَا بَدَا
تُغَنِّي بِهِ الْأَرْوَاحُ لَحْنَ التَّوَدُّدِ
وَتَسْقِي بِسَمْتِ الصَّالِحَاتِ بَرَاءَةً
كَأَنَّ بِهَا أَسْرَارَ طِفْلٍ مُعَبَّدِ
وَتَمْشِي كَمَا يَمْشِي النَّقَاءُ عَلَى الثَّرَى
وَتَحْمِلُ حُزْنَ الْغَيْرِ دُونَ تَرَدُّدِ
تُرَاعِي شُعُورَ النَّاسِ، تَخْشَى أَذَاهُمُ
وَتُلْبِسُهُمْ ثَوْبَ الْعُذُوبَةِ وَالسَّنَدِ
وَإِنْ قِيلَ: مَنْ فِي النَّاسِ أَرْحَمُ قَلْبَهَا؟
قُلْنَا: فَتَاةٌ فِي صِبَاهَا تُقْتَدَى بِيَدِي
بِهَا الطُّهْرُ، وَالْإِشْفَاقُ، وَالْعَفْوُ، وَالتُّقَى
كَأَنَّ حَنَايَاهَا تُسَبِّحُ فِي الْغَدِ
تَحِنُّ عَلَى الْأَيْتَامِ قَبْلَ حَنِينِهَا
لِأَلْعَابِهَا، أَوْ لِحُلْمٍ عَادٍ مُورِدِ
وَفِي كُلِّ حِينٍ تَسْأَلُ: "هَلْ ضَرَّنِي؟
كَلَامِي؟"، وَتَبْكِي مِنْ خُفُوقِ التَّرَدُّدِ
فَلَوْ قِيلَ: مَنْ قَلْبُ الْمَلَاكِ عَلَى الثَّرَى؟
لَأَشَارَ إِلَيْهَا كُلُّ صِدْقٍ مُوَحِّدِ
وَمَا رِقَّةُ الزَّهْرِ النَّدِيِّ بِمِثْلِهَا
وَلَا نَغْمَةُ الْأَنْهَارِ فِي صَوْتِ مُنْشِدِ
لَهَا قَلْبُ أُنْثَى مَاْجَدَتْ فِي حَنَانِهَا
شُعُوبٌ، وَلَمْ تُبْدِ اْحْتِجَابًا أَوْ صَدَدِ
أَيَا شَمسُ ، الطُّهْرُ الْمُقِيمُ بِظِلِّهَا
وَفِي وَجْهِهَا سِرُّ الطُّفُولَةِ وَالرُّشْدِ
تَقُولُ صَدُوقًا، لَا تُلَوِّنُ قَوْلَهَا
وَلَا تَتَّقِي فِي صِدْقِهَا أَيَّ مُنْتَقِدِ
إِذَا خَادَعَ الْأَقْوَامُ أَوْ ضَلَّتِ الرُّؤَى
رَأَيْتَ بِهَا نُورَ الْهُدَى غَيْرَ مُنْكَدِ
وَفِي جَفْنِهَا وَعْدُ السَّكِينَةِ صَادِقٌ
كَأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ يُتْلَى عَلَى يَدِ
تُرَاوِغُهَا الدُّنْيَا، فَتَعْصِمُ قَلْبَهَا
عَنِ الزَّيْفِ، لَا تُغْرِيهِ دُنْيَا وَلَا مَدِ
كَأَنَّ بِهَا طُهْرَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِي
تَخَافُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ إِنْ لَمْ يُوَسَّدِ
إِذَا الْكَاذِبُونَ اْسْتَحَلُّوا مَرَامَهُمُ
تَأَنَّفْتَ أَنْ تُلْقِيَ بِسَهْمٍ مُسَدَّدِ
تُصِيبُ بِرَمْشِ الصِّدْقِ مَا لَمْ تُصِبْهُ
سِهَامُ الْمُنَى أَوْ خُدْعَةُ الْمُتَفَنِّدِ
تُطِيلُ سُكُوتَ الْحَقِّ لَا عَنْ وَجَلٍ
وَلَكِنْ لِرُشْدِ الصَّمْتِ فِي فِكْرٍ مُسَدَّدِ
وَتَرْنُو إِلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ مِثْلَمَا
يَرُومُ غَرِيبٌ ضَوْءَ شَمْعٍ مُوقَدِ
كَأَنَّ النَّقَاءَ اْسْتَقَرَّ بِدَمْعِهَا
فَلَا يَنْحَدِرْ إِلَّا لِعُذْرٍ مُعَضَّدِ
لَهَا قَسَمَاتُ الصِّدْقِ، لَا يُخْطِئُ الْفَتَى
إِذَا مَا بَدَتْ، رَحْبَ الْجَبِينِ الْمُفْرَدِ
وَفِي صَدْرِهَا قَلْبٌ نَقَاوَتُهُ الْعُلَا
كَأَنَّ بِهِ عَرْشَ الطَّهَارَةِ مُشَيَّدِ
إِذَا نَطَقَتْ، نَطَقَتْ كَأَنَّ حَدِيثَهَا
سُلَافُ بَيَانٍ مِنْ فَصِيحٍ مُعْرِبِ
تُبَاهِي بِهَا الْأَيَّامُ صِدْقَ لِسَانِهَا
وَتَفْخَرُ أَنَّ الطُّهْرَ فِيهَا تَجَسَّدِ
وَلَوْ مِلْتُ عَنْ دَرْبِ الْحَقِيقَةِ لَحْظَةً
لَرَدَّتْنِيَ الْأَيَّامُ فِيهَا إِلَى الرُّشْدِ
فَمِنْهَا تَعَلَّمْتُ الْمُرُوءَةَ، وَالصَّفَا
وَمِنْهَا حَمَلْتُ النُّورَ فِي كَفِّ مُجْتَهِدِ
وَيَا مَنْ سَأَلْتَ الشِّعْرَ: مِنْ أَيْنَ يُرْتَقَى؟
أَجَبْتُكَ: مِنْ طُهْرِ الْحَبِيبَةِ نَبْتَدِي
هِيَ الصَّخْرَةُ الصَّمَّاءُ فِي وَجْهِ الْمَدَى
وَلَا تَنْثَنِي مَهْمَا دَهَتْهَا الْهوَاجدِ
تُكَافِحُ بَأْسَ الْحَرِّ، لَا تَخْشَى الرَّدَى
إِذَا كَبَتَ الدَّهْرُ الْأَبِيَّ تَصَاعَدِ
وَتَمْضِي كَأَنَّ الْأَرْضَ تَحْتَ خُطَا بِهَا
تُجَلْجِلُ مَا بَيْنَ السُّهُولِ وَتُقَلِّدِ
تَرَى فِي الْبَلَايَا فُرْصَةً لِصُعُودِهَا
وَفِي كُلِّ ظُلْمٍ جَذْوَةً كَيْ تُوقَدِ
يُنَازِلُهَا خَصْمُ النَّوَائِبِ فَاْنثَنَتْ
عَلَيْهِ كَرِيحِ الْمَوْتِ لَا تَتَقَيَّدِ
تَمُرُّ كَأَنَّ الصَّبْرَ ضَوْءٌ فِي دَمِ
وَفِي جَلْدِهَا أُسُّ الرَّجَاحَةِ مُرْصَدِ
فَإِنْ حَاقَ خَطْبٌ لَا تَئِنُّ لِعَزْمِهِ
وَلَا تُظْهِرُ الْجَزَعَ الْمَهِيضَ الْمُقَيَّدِ
وَإِنْ وَقَعَتْ قَامَتْ، كَأَنَّ نُكُوصَهَا
أَذًى، لَا يَلِيقُ بِمِثَالٍ مُمَجَّدِ
تَشُقُّ الدُّجَى تَمْضِي، تُغَالِبُ حُزْنَهَا
كَأَنَّ بِهَا صَخْرَ الْجِبَالِ مُقَلَّدِ
إِذَا اْسْتَنْهَضَ الْأَحْرَارُ فِي سِرِّ صَبْرِهِمُ
رَأَيْتَ بِهَا مَنْ يُرْتَجَى وَيُسْنَدِ
لَهَا عَزْمَةٌ كَالسَّيْفِ، لَا تَتَكَسَّرُ
وَلَوْ مَرَّ دَهْرٌ بِالْخُطُوبِ مُرَدَّدِ
فَإِنْ جُرِّدَتْ لِلْحَرْبِ، أَلْقَتْ قَلْبَهَا
كَأَنَّ بِيَدِهَا الْمَنَايَا تُفْرَدِ
وَلَا تَسْأَلُ النُّصْرَةَ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا
تُذِلُّ لِظَالِمٍ جَنَاحًا أَوْ يَدِ
تُبَاهِي بِهَا السَّبْعُ الطِّبَاقُ شُمُوخَهَا
إِذَا اْشْتَدَّ خَطْبٌ وَاْسْتَطَالَ الْمُهَنَّدِ
كَأَنَّ بِهَا نَارَ الْعَقِيدَةِ إِذْ سَرَتْ
فَمَا خَمَدَتْ، لَا لَمْ تَضِعْ، لَا وَلَمْ تَخْدِ
تُصَارِعُ هَذَا الدَّهْرَ لَا عَنْ سَذَاجَةٍ
وَلَكِنْ بِرُوحٍ كَالْحَدِيدِ الْمُقَلَّدِ
وَإِنْ شِئْتَ مِنْهَا أَنْ تَهُونَ، فَإِنَّمَا
تَرُومُ مُحَالًا فِي السَّمَاوَاتِ يُرْصَدِ
تُحِبُّ الْحَيَاةَ، لَا لِرَخَاوَةِ عَيْشِهَا
وَلَكِنْ لِصَوْتِ الْحَقِّ فِيهَا تُغَرِّدِ
وَتَمْضِي، كَأَنَّ الْمَجْدَ يَعْرِفُ خَطْوَهَا
وَيَحْنُو لَهَا التَّارِيخُ إِنْ لَمْ يُحْمَدِ
تَفِيضُ حَنَانًا إِنْ رَمَتْهَا خَطِيئَةٌ
فَلَا تُبْغِضُ الْخِلَّانَ رَغْمَ التَّجَرُّدِ
كَأَنَّ بِهَا عَفْوَ السَّحَابَةِ إِنْ دَنَتْ
فَلَا تُمْسِكُ الْأَحْقَادَ فِي قَلْبِ مَوْقِدِ
إِذَا مَا رَأَتْ دَمْعَ الضَّعِيفِ تَهَزَّهَا
رَعَاشَاتُ وَجْدٍ فِي ضَمِيرٍ مُوَحَّدِ
وَتُعْطِي السَّلَامَ الْغَامِرَ الْمُبْتَهَى
لِمَنْ كَانَ بِالْأَمْسِ الْعَدُوَّ الْمُهَدِّدِ
تَهُبُّ عَلَى الْأَرْوَاحِ نَسْمَةُ قَلْبِهَا
فَتَسْكُنُ آهَاتُ الزَّمَانِ الْمُجَهَّدِ
تُصَافِي وَتُرْضِي كُلَّ مَنْ ضَلَّ أَوْ غَوَى
وَتَسْقِي جِرَاحَ الْغَدْرِ صَبْرًا مُبَرَّدِ
تُدَارِي صَدِيقًا قَدْ أَسَاءَ وَتَحْتَفِي
بِمَنْ هَجَرَ الْمَعْرُوفَ فِي فَجْرِ مَرْقَدِ
تُسَامِحُ فِي الدُّنْيَا، كَأَنَّ حَيَاتَهَا
رَسُولُ صَفَاءٍ لَا يَمِيلُ لِمُفْسِدِ
وَقَدْ خُلِقَتْ لِلنُّبْلِ، تُهْدِي بِعِطْرِهَا
رُبَى الْحُلْمِ لِلْأَرْوَاحِ فِي اللَّيْلِ الْأَرْمَدِ
تُحِبُّ وَلَا تَرْجُو جَزَاءً، فَإِنَّهَا
تُقِيمُ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ مَقْصِدِ
إِذَا أَقْبَلَتْ كَانَتْ يَمِينُكَ فِي النَّدَى
وَكَانَتْ لِجَمْعِ الْقَوْمِ ظِلًّا يُحْفَدِ
تُعْطِي، وَلَا يُبْقِي الزَّمَانُ لَهَا سِوَى
رُسُومِ يَدٍ بَيْضَاءَ فِي الْعُرْفِ تُحْمَدِ
تَفِيضُ، وَإِنْ كَانَتْ يَدَاهَا ضَنِينَةً
فَمِعْطَا الْكِرَامِ، الْجُودُ عِنْدَ التَّجَرُّدِ
كَأَنَّ نَوَالَ الْبَرْقِ مِنْ رَاحَتَيْنِهَا
إِذَا مَرَّ سُؤَّالٌ غَدَا غَيْرَ مُطَّرِدِ
تُوَاسِي، وَتُغْنِي، لَا تُكَدِّرُ وَجْهَهَا
إِذَا جَاءَهَا الْمُحْتَاجُ يَشْكُو لِتَسْعَدِ
وَإِنْ مَسَّهَا جُوعٌ، وَأَسْرَفَ حَرُّهَا
فَهَيْهَاتَ تُخْفِي خُبْزَهَا فِي الْمَسْغَدِ
تَمُدُّ ذِرَاعًا لِلْغَرِيبِ، وَتَبْتَغِي
رِضَا اللَّهِ فِي عَوْنِ الرَّفِيقِ الْمُمَجَّدِ
وَتَسْكُبُ مِنْ كَفِّ الْعَطَاءِ مَبَاهِجًا
تُعِيدُ عَلَى الْأَرْوَاحِ عِيدًا مُجَدَّدِ
إِذَا مَا أَتَاهَا السَّائِلُونَ تَحَفَّزُوا
لِمَا بَيْنَ جَنْبَيْهَا مِنَ الطُّهْرِ الْمَوْرِدِ
فَلَا الْمَالُ يُبْقِيهَا، وَلَا الْبَذْلُ يُفْنِي
يَدًا طَالَمَا جَادَتْ وَلَمْ تَتَرَدَّدِ
إِذَا قَامَ ظُلْمٌ فِي الدُّنَا صَدَّتْ لَهُ
بِأَلْفِ اْعْتِزَازٍ لَا تُهَادِنُ مُعْتَدِ
لَهَا فِي عُيُونِ الْقَوْمِ نُورُ مَهَابَةٍ
تُزَلْزِلُ أَقْوَامًا وَتُرْهِبُ مُفْسِدِ
فَمَا هَابَهَا بَاغٍ وَقَدْ قَامَ نَخْوَةً
وَلَا خَانَهَا رَأْيٌ، وَلَا خَابَ مَوْعِدِي
تُصَارِعُ نَارَ الظُّلْمِ حَتَّى تَخْمَدَتْ
وَتَفْدِي دُعَاةَ الْحَقِّ بِالدَّمِ الْمُبَدِّدِ
تُقَارِعُ بِالْمَنْطِقِ السَّاطِعِ الْهُدَى
وَتَصْغَى لَهَا الْآرَاءُ فِي الْجَمْعِ الْمُحْتَدِ
إِذَا خَطَبَتْ كَانَتْ مَهِيبَةَ مَنْطِقٍ
كَأَنَّ لَهَا فِي الْفَصْلِ سَيْفًا مُجَرَّدِ
وَتَزْجُرُ إِنْ أَبْصَرَتْ خِدَاعًا أَوْ هَوًى
كَأَنَّ بِهَا نَارَ الْحَقِيقَةِ تُوقَدِ
فَلَيْسَتْ تُجَامِلُ فِي مَوَاقِفِهَا وَلَا
تُعِيرُ الْخَطَايَا أَيَّ عُذْرٍ مُسَوَّدِ
وَتَمْضِي إِلَى الْعُلْيَا، وَلَوْ عَزَّ نَيْلُهَا
كَأَنَّ لَهَا فِي الْمَجْدِ إِرْثَ الْمُؤَيِّدِ
وَتَرْفُضُ مَا يُملَى عَلَيْهَا بَاطِلًا
وَتَرْكُلُ أَهْوَاءَ التَّمَلُّقِ بِالْيَدِ
حَيَاءٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ ضَعْفًا أَوْ خَفَرْ
هُوَ الْوَرْدُ فِي خَدَّيْ مَهَاةٍ تَوَرَّدِ
كَأَنَّ بِهَا نُورَ الْقَمَرْ فِي طَلْعَةٍ
إِذَا أَقْبَلَتْ خَجَلًا كَأَنْفَاسِ مُسْهَدِ
تُطَأْطِئُ جَفْنًا إِنْ رَآهَا عَاشِقٌ
فَيَسْكُنُ جَمْرُ الشَّوْقِ بالْقَلْبِ الْمُرَدَّدِ
يُضَلِّلُهَا سِتْرُ الْوَقَارِ و كَأَنَّهُ
سَحَابُ نَقَاءٍ فِي الصَّبَاحِ الْمُرْصَدِ
فَلَا تَنْظُرُ الْعَيْنَ الْغَرِيبَةَ إِنْ بَدَتْ
وَلَا تُبْدِي عَنْ سِرِّ الْحَيَاءِ الْمُفْرَدِ
وَلَمْ تَسْمَعِ اللَّغْوَ الْمُهَانَ، وَلَمْ تَزَلْ
تُزَكِّي حَدِيثَ الْعِفَّةِ الْمُتَجَسِّدِ
فَيَا أَيُّهَا الْجَهْلُ اْنحَنِي عِنْدَ حُسْنِهَا
فَفِي صَمْتِهَا خَطْبُ الْبَيَانِ الْمُجَلَّدِ
تُسَلِّمُ إِنْ مَرَّتْ كَأَنَّ سَلَامَهَا
نَدَى فَجْرِ صَيْفٍ فِي الزُّهُورِ الْمُوَرَّدِ
وَتَغُضُّ طَرْفًا عَنْ فُضُولِ مَجَالِسٍ
وَتَصْغَى لِذِكْرٍ كَالنَّسِيمِ الْمُوَحَّدِ
إِذَا مَا مَشَتْ قَالَتْ نُجُومُ الدُّجَى لَهَا:
رُوَيْدًا، فَمِثْلُكِ لَا يُشَابُ بِمُفْسِدِ
رَأَيْتُ بِهَا نَفْحَ السَّمَاوَاتِ الطُّهَى
تَنَزَّلَ مِنْهَا النُّورُ فَوْقَ التَّجَعُّدِ
تَرَاهَا فَتَنْسَى الْغَدْرَ يَوْمِيَّاتِهِ
وَتَنْسَى غُبَارَ الْقَلْبِ عِنْدَ التَّفَقُّدِ
تَفِيضُ كَمَاءِ الْغَيْثِ طُهْرًا وَرِقَّةً
كَأَنَّ بِهَا سِرًّا مِنَ الْحُسْنِ مُولَدِ
فَإِنْ ضَحِكَتْ هَبَّتْ نُسَيْمَاتُ الرُّبَى
وَإِنْ سَكَتَتْ شَجَرًا يُجِيدُ التَّغَرُّدِ
وَلَمْ أَدْرِ مَا مَعْنَى الْمَهَاةِ سِوَى الرُّؤَى
الَّتِي اْنْبَثَقَتْ مِنْهَا بِلَا مُتَجَلِّدِ
بِكِرِّ الْمَدَى قَلْبٌ كَنَبْعٍ لَمْ يُخَنْ
وَمِسْكَ الرُّؤَى فِي لَحْنِهِ لَمْ يُبَدَّدِ
فَلَا كَذِبٌ مَأْلُوفٌ، وَلَا نَفْسٌ غَوَتْ
وَلَا فِكْرَةٌ فِي الطَّيْشِ حَتَّى تُسَدَّدِ
وَمَا خَالَطَتْهَا شُبْهَةٌ فِي مَسِيرِهَا
وَلَا ظَنَّةٌ فِي سِحْرِهَا الْمُتَعَبِّدِ
فَكَيْفَ يُدَانَى نَبْعُهَا مَنْ تَعَفَّنُوا؟
وَكَيْفَ يُسَامَى طُهْرُهَا الْمُتَجَدِّدِ؟
وَمَنْ ذَا يُضَاهِيهَا نَقَاءً وَرِقَّةً؟
وَأَيُّ بِنَاءٍ صَادِقٍ لَمْ تُشَيِّدِ؟
تَعِيشُ كَمَا النَّهْرِ الَّذِي لَمْ يُعَكَّرِهُ
زَبَدٌ وَلَا لَوْثٌ، وَلَا قَوْلُ مُفْتَدِ
فَصَوْتُ ضَمِيرِ الشَّوْقِ فِيهَا صَادِقٌ
يُبَشِّرُ بِالصِّدْقِ الْقَوِيمِ الْمُؤَيَّدِ
تُجَافِي رِدَاءَ الزَّيْفِ حَتَّى ظِلُّهُ
وَتَسْخَرُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ الْمُرَقَّدِ
تُبَاهِي بِنَفْسٍ لَمْ تَذُقْ كِذْبَ الْخَنَا
وَلَمْ تَتَلَوَّنْ فِي مَقَامٍ وَمَشْهَدِ
كَزَهْرَةِ وَرْدٍ فِي رُبَى الشَّمْسِ نَشَأَتْ
فَلَا الشَّوْكُ يُغْوِيهَا، وَلَا طَيْشُ مُنْقَدِ
فَمَا نَطَقَتْ إِلَّا صَرَاحَةَ مُوقِنٍ
وَمَا نَظَرَتْ إِلَّا بِقَلْبٍ مُوَحَّدِ
وَمِنْهَا تَجَلَّى فِي الطِّبَاعِ نَقَاوَةٌ
تُسَامِي بِهَا عَنْ كُلِّ زَيْفٍ مُبَعَّدِ
فَإِنِّي إِذَا رُمْتُ الْفِدَاءَ لِقَلْبِهَا
رَأَيْتُ فِدَاهَا الْعُمْرَ، بَلْ وَالتَّجَلُّدِ
تُجَنِّبُ نَفْسَ الطَّيْشِ وَالْكَيْدِ وَالْأَذَى
فَمِنْهَا يَلُوحُ النُّبْلُ فِي كُلِّ مَرْصَدِ
وَلَوْ كَانَ فِي الْبَشَرِ اْمْتِحَانٌ لِعِفَّةٍ
لَكَانَتْ بِهَا أَسْمَى النُّفُوسِ وَأَرْشَدِ
أَبِيتُ أُقَلِّبُ فِي الْمَدَى أَسْرَارَهَا
فَأَلْقَى الْجِبَالَ الشُّمَّ فِي فَضْلِ مَوْقِدِ
رَأَيْتُ الْقُلُوبَ تَمِيلُ رُعْبًا إِنْ نَأَتْ
وَتَثْبُتُ إِنْ لَاحَتْ كَمَرْجِعِ مَعْهَدِ
تُطِلُّ كَأَنَّ الْعِزَّ نَامَ بِعَيْنِهَا
فَأَيْقَظَ جَفْنَ الرُّوحِ فِيَّ مُتَصَيِّدِ
إِذَا الرِّيحُ نَاحَتْ فِي الدُّجَى لَا تَئِنُّهَا
بَلِ اْرْتَدَّ مِنْهَا الصَّوْتُ كَالسَّيْفِ الْمُصَدِّدِ
تَمُرُّ عَلَى الْأَحْدَاثِ صَفْوًا كَأَنَّهَا
مَدَى الطَّوْدِ لَا يُشْقَى بِمَسِّ الْمُوقِدِ
فَمَا الرِّيحُ إِنْ لَاقَتْ صُعُودًا بِقَدْرِهَا
سِوَى نَفَسٍ فِي الصَّدْرِ ضَاقَ بِمُرْتَدِي
تَقُومُ عَلَى حَقٍّ كَأَنَّ جُذُوعَهَا
غَدَتْ سِنْدِيَانًا فِي ثَبَاتِ الْمَوْقِدِ
إِذَا قِيلَ هَذَا الْحَزْمُ قَالَتْ زِيَادَتِي
هُوَ اللِّينُ فِي طَبْعٍ أَدِيبٍ مُرْشَدِ
فَيَا لَيْتَ قَوْمِي يَقْرَؤُونَ خَطَوهَا
لَعَلَّهُمُ يَرْقَوْنَ مَرْقَى تَصَعُّدِي
تُسَامِحُ مَنْ أَسْدَى الْقُبَاحَةَ مُبْتَدَا
كَأَنَّ بِهَا عَيْنَ الْمُسَامِحِ أَحْمَدِ
تُؤَاخِي الزَّمَانَ عَلَى جَفَائِهِ بِالْوَفَا
وَتَكْسُو قُلُوبَ الْقَوْمِ أَثْوَابَ مُهْتَدِ
إِذَا النَّاسُ غَشُّوا فِي الْقُلُوبِ مَرَامَهُمْ
تَظَلُّ كَنُورِ الْبَدْرِ فِي اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ
وَتَحْنُو عَلَى الدُّنْيَا كَأَنَّ يَدَيْهِمَا
جَنَائِنُ عِطْرٍ مِنْ نَدَى الْمُتَوَرِّدِ
تُبَاهِي رُقِيَّ النَّفْسِ إِنْ مَرَّ جَهْلُهُمْ
كَأَنَّ الْحِجَا فِي خُطْوِهَا غَيْرُ مُنْكَدِ
تُعَلِّمُنِي أَنَّ الْعُلَا فِي تَوَاضُعٍ
وَأَنَّ التُّقَى تَاجٌ عَلَى رَأْسِ سَيِّدِ
فَيَا نَفْسُ خُذِي مِنْ بَنَاتِي عِبَارَةً
كَأَنَّكِ طِفْلٌ فِي يَدَيْهَا تَتَهَدَّي
إِذَا قِيلَ فِيهَا الْخَيْرُ، خِلْتُكَ سَامِعًا
صَدَى الْأَنْبِيَاءِ فِي حَدِيثٍ مُؤَكَّدِ
فَمَا لَامَهَا اللَّوْمُ، وَلَا زَلَّ نُطْقُهَا
وَلَا طَغَتِ الْأَهْوَاءُ فِي نَفْسِ مُرْشِدِ
وَرَأَيْتُهَا تَهَبُ الْحَنَانَ لِمُحْتَاجِهِ
كَمَا الشَّمْسُ تُعْطِي الضَّوْءَ دُونَ تَرَدُّدِ
تُجَاذِبُنِي لُطْفًا كَأَنِّيَ مِنْهُمَا
يَدَيْنِ تَفِيضَانِ الْحَنَانَ لِمُوْفَدِ
فَإِنْ أَوْجَعَتْنِي الدَّاهِيَاتُ، وَرَدَّهَا
نُهَى الطِّفْلِ تَجْلُو الْهَمَّ عَنِّي وَتَسْتَدِي
تُقَاسِمُنِي شَهْقَاتِ دَمْعِيَ كَيْ تَرَى
إِذَا مَا بَكَيْتُ الدَّمْعَ يُجْهِشُ فِي يَدِي
وَتَرْقُبُ وَجْهِي فِي السُّرُورِ وَغَيْرِهِ
كَمَنْ يَسْتَبِينَ الْغَيْثَ فِي جَوٍّ نَدِي
فَطِيبَتُهَا كَالطِّفْلِ يَسْكُنُ بَيْنَنَا
وَلَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ صَوْتَ التَّوَعُّدِ
تُقَبِّلُ خَدِّي إِنْ تَعِبْتُ، وَفِي يَدِي
تُقْرَأُ سُوَرُ الْعِطْفِ، بَلْسَمُ مُتَجَدِّدِ
وَإِنْ جَاءَكَ السُّؤَّالُ فَاسْأَلْ عَنْ يَدٍ
لَهَا جُودُهَا، كَالْمُزْنِ، لَمْ يَتَبَلَّدِ
فَلَا تَسْتَثِيرُ النَّفْسَ حِينَ تُعِينُهَا
وَلَا تَسْأَلُ الْمَحْرُومَ: هَلْ مِنْ تَرَدُّدِ؟
تُسَابِقُ فِي الإِحْسَانِ نَفْسًا طَمُوحَةً
تُرِيدُ نُهَى الدُّنْيَا وَلَيْسَتْ بِمُرْتَدِ
وَتَسْقِي غَرِيبَ الدَّارِ فَوْقَ طَلَبِهِ
وَتَكْسُو يَدًا عُرْيَانَةً لَمْ تُبَسَّدِ
كَأَنَّ يَدَيْهَا مِنْ جَنَانٍ تَفَجَّرَتْ
فَلَمْ تَحْصِ عَيْنِي فَضْلَهَا فِي التَعَدُّدِ
تُعَلِّمُنِي أَنَّ السَّخَاءَ شَمَائِلٌ
وَأَنَّ الكَرِيمَ إِلَى السَّمَاءِ تَصَعَّدِ
وَإِنِّي رَأَيْتُ النُّورَ يَسْطَعُ وَجْهُهَا
كَشَمْسٍ إِذَا مَا شَقَّ ظُلْمَتَنَا الْغَدَدِ
تَبُثُّ بِيَ الْأَمَلَ الَّذِي لَمْ أَلْقَهُ
بِصَمْتِ الدُّجَى، أَوْ بِنَحِيبِ الْمُسَهَّدِ
فَكَمْ فَجْرَةٍ، كُنْتُ أَظُنُّ ضِيَاءَهَا
خُدَاعَ السَّرَابِ، وَهِيَ طَلْعَةُ سَارَدِ
تُحِبُّ كَمَا تَهْوَى النُّجُومُ مَجَالَهَا
وَتَرْقَى كَمَا يَرْقَى النُّسُورُ إِلَى السَّدَدِ
إِذَا مَا تَفَتَّحَ فِي صُدُورِ النَّاسِ وَجْدٌ
تَنَفَّسَ أَمَلٌ مِنْ عُيُونِكِ يَفْتَدِي
وَإِنْ خَانَنِي الدَّهْرُ الْجَسُورُ بِسَوْطِهِ
فَصَبْرِي لَهُ بِنُعُومَةِ الْكَفِّ الزُّهَدِ
تُجَدِّدُنِي حَتَّى أَكَادُ أُقَاتِلُ الْ
بُكَاءَ، وَأَحْبُو فَوْقَ جُرْحٍ مُنْكَدِ
تُعَلِّمُنِي أَنَّ الْحَيَاةَ كَرَامَةٌ
وَأَنَّ الرَّجَاءَ بِمِثْلِهَا لَمْ يُقْتَدِ
فَيَا شَمْسَ آمَالِي وَرَوْضَ تَفَكُّرِي
وَيَا مَنْكِبِي الْعَلْوِيَّ إِنْ سَقَطَ الْجَدِي
سَأَكْتُبُ فِي الْجَوْزَاءِ مِنْهَا قِصَّتِي
وَأَزْرَعُ مِنْ ضَوْئِكِ سَنَابِلَ مَوْعِدِي
وَمَا الْبُرْءُ إِلَّا مِنْ طُفُولَتِهَا اْنْبَثَقْ
كَمَاءِ السَّحَابِ النَّقِيِّ الْمُتَجَدِّدِ
كَأَنَّ صِبَاهَا لَمْ يُخَالِطْ خَاطِرًا
مِنَ الْعَالَمِ الْمَكْدُودِ أَوْ نَفْسٍ تَئِدِ
تَخُطُّ خُطَاهَا فِي الزُّهُورِ كَأَنَّهَا
رَسُولٌ مِنَ الْأَيَّامِ لِلْقَلْبِ الْمُرَدِّدِ
تُسَلِّمُ بَسَمَاتٍ كَنَشْرِ يَدِ السَّنَا
عَلَى غِرَّةٍ مِنْ مُقْلَةٍ لَمْ تَسْهَدِ
فَمَا ذَاقَتِ الْأَوْهَامُ مِنْهَا مَدْخَلًا
وَلَا شَابَهَا زَيْفٌ وَلَا دَنَسٌ يَدِي
فَيَا زَهْرَةً حُفَّتْ بِعَيْنِ كَرَامَةٍ
وَسِرًّا مِنَ الْإِنْسَانِ لَمْ يَتَبَدَّدِ
تَنَامُ عَلَى الْإِشْرَاقِ فِي حُلْمِ أَبِيهَا
وَتَسْقِيهِ مِنْ نَبْعِ السَّنَا كُلَّ مَوْرِدِ
تَرَى الْعَالَمَ الْغَاشِي كَفَصٍّ مُزَخْرَفٍ
وَلَمْ تَلْمَحِ الْمَخْفِيَّ فِي السِّرِّ الْأَكْبَدِ
فَلَا تَسْأَلُوا عَنْ سِرِّ نُورٍ وَحَيْرَةٍ
تُقِيمَانِ فِي عَيْنَيْ مَلَكٍ مُوَحَّدِ
فَهِيَّهْ طُفُولَتُهَا الَّتِي لَمْ تُلَوَّثِ
بِخُبْثِ الزَّمَانِ وَبِسُوءَاتِ الْمُرَدِّدِ
عَيْنَاكِ مِرْآةُ السَّمَا إِنْ أَقْبَلَتْ
بِبَرِيقِهَا يَهْوِي السُّرُورُ بِمَسْنَدِ
كَالْغَيْمِ تَهْمِسُ فِي الْغَدِيرِ بِنُعْمَةٍ
فَيَبْتَسِمُ الْغُصْنُ النَّضِيرُ لِمَوْرِدِ
تَرْنُو كَنَسْمَةِ صُبْحِ عِيدٍ نَاعِمٍ
فِيهَا الْبَشَائِرُ لَا تُغِيبُ بِمَوْعِدِ
وَإِذَا رَمَقْتِ فَقَدْ سَكَبْتِ لَوَاعِجِي
فِي كَفِّ رُوحِي لَا تَمِيلُ بِمَقْصِدِ
كَالدُّرِّ فِي بَحْرِ الصَّفَاءِ تَأَلَّقَتْ
لَمْ تُمْسِ تَأْسِرُ بِالرِّيَاءِ الْمُفْسِدِ
بَرْقٌ بِنُورِ الْقَلْبِ يَسْرِي مُشْرِقًا
يَبْكِي الْمُحِبُّ لِصِدْقِهِ الْمُتَجَدِّدِ
فِيكِ الطُّفُولَةُ لَمْ تَزَلْ مُتَنَزَّهًا
عَنْ كُلِّ دَنَسٍ أَوْ هَوًى مُتَرَدِّدِ
لَا تُخْدَعِينَ بِعَالَمٍ مُتَلَوِّنٍ
فَالصِّدْقُ فِيكِ كَمِثْلِ طُهْرِ الْمَسْجِدِ
يَا وَرْدَةً فِي مُقْلَتَيَّ تُضَمَّخُ
بِالضَّوْءِ مِثْلَ السِّرِّ فِي الْمُتَعَبِّدِ
أَبْصَرْتُ وَجْهَ النُّورِ فِيكِ مُبَارَكًا
فَعَلِمْتُ أَنَّكِ دَعْوَةُ الْمُسْتَنْجِدِ
أَبْصَرْتُ فِيكِ صَلَابَةً لَمْ تُهْتَكِ
مِنْ مَوْجَةٍ أَوْ زِلْزَلٍ مُتَعَنِّدِ
كَالسُّفْنِ تَمْضِي فِي الْمُحِيطِ مَهَابَةً
لَا تَنْثَنِي رَغْمَ الرُّعُودِ الْمُرْجِدِ
تَقِفِينَ فِي وَجْهِ الْخُطُوبِ كَمِنْجَنٍ
لَا يُسْتَثَارُ بِنَظْرَةٍ أَوْ تَهَدُّدِ
مَا كُنْتِ تَضْعُفِينَ حِينَ مُصِيبَةٍ
أَوْ تَنْحَنِينَ لِرَمْيَةٍ مِنْ مُرْصَدِ
بَلْ كُنْتِ كَالطَّوْدِ الْمُشَيَّدِ بِصَخْرِهِ
لَا يَهْتَزِمْ عِنْدَ الْوَغَى أَوِ الْمَوْعِدِ
شَخْصِيَّةٌ فِي طُهْرِهَا مُتَجَذِّرٌ
تَأْبَى الْخُنُوعَ وَتَسْتَعِيذُ بِمَبْدَئِ
فَإِذَا رَأَيْتُكِ فِي الرُّجُوعِ جَبَّارَةً
عَلِمْتُ أَنَّكِ مِنْ طِرَازِ الْمِقْوَدِ
يَا دُرَّةً فِي الْقَيْدِ حُرَّةَ فِكْرَةٍ
كَالْمَاءِ فِي كَفِّ السَّرَابِ الْمَوْرِدِ
لَا تُفْتَنِينَ بِبَهْرَجٍ مُتَهَافِتٍ
فَلَكِ الْعَزِيمَةُ كَالصَّوَارِمِ فِي الْيَدِ
إِنِّي أَرَاكِ إِذَا الْهِيَاجُ تَلَبَّدَتْ
شَمْسًا تُبَدِّدُ ظُلْمَةَ الْمُتَوَعِّدِ
شمسُ يَا نَبْعَ السَّمَاحَةِ وَالنَّدَى
يَا نَغْمَةً فِي دَهْرِنَا لَمْ تُنْشَدِ
تُعْطِينَ حَتَّى تَنْزِفِينَ مَوَدَّةً
وَيَفِيضُ قَلْبُكِ بِالْعَطَاءِ الْمُوقَدِ
لَا تَسْتَجْدِينَ الثَّنَاءَ بِصَدَقَةٍ
أَوْ تَطْلُبِينَ مِنَ السُّيُوفِ تَأَيُّدِ
أَنْتِ السَّخِيَّةُ لَا تُعَدُّ كَفُّهَا
مَا أَنْفَقَتْ أَوْ مَا سَكَبَتْ لِمَقْصِدِ
كَمْ جَائِعٍ شَبِعَتْ يَدَاهُ بِخُبْزِكِ
وَكَمْ اْفْتَقَرْتِ لِتُغِيثِي الْمَوْلَدِ
كَأَنَّكِ السُّحْبُ الْكَثِيفُ تَكَرُّمًا
تَهَبُ الرُّبَى نَبْعَ السِّقَاءِ الْمُجْتَهِدِ
يَا بِنْتَ مَنْ جُبِلَ السَّخَاءُ بِرُوحِهِ
لَا يَنْثَنِي يَوْمًا عَنِ الْمُتَجَسِّدِ
تَأْتِينَ لِلْبُؤَسَاءِ مِثْلَ قَنَادِسٍ
مِنْ مُقْلَتَيْكِ تَفِيضُ نَهْرَ الْمَرْفَدِ
سَخَاؤُكِ الْمَمْدُودُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ
مِيزَانُ تَقْدِيرٍ وَلَا حَدٌّ مُحَدَّدِ
مَا أَنْبَلَ الْمُعْطِي إِذَا وَهَبَ الَّذِي
لَوْ شَاءَ قَدْ أَبْقَى عَلَيْهِ لِيَسْعَدِ
حَنَانُكِ دِفْءُ الْقَلْبِ إِنْ عَزَّ السَّنَدِ
وَمِنْكِ غَمَامُ الْوَصْلِ فِي جَفْنِ الرَّمَدِ
إِذَا ضَاقَ صَدْرِي جِئْتِ تَمْسَحِينَهُ
كَمَا يُمْسِكُ الظَّمْآنُ ظِلًّا فِي الْبَدِ
حَنَانُكِ مَا هَبَّتْ نَسَائِمُ عِطْرِهَا
إِلَّا وَذَابَ الْكَوْنُ مِنْ لُطْفِ الرَّغَدِ
تَحِنِّينَ حَتَّى فِي السُّكُوتِ وَإِنَّنِي
أُصَابُ بِحُسْنِ الصَّمْتِ لَا نُطْقِ الرَّدِ
يُرَاوِدُنِي حُزْنِي فَأَحْضُنُكِ الَّذِي
يُزِيلُ جِرَاحَ الْبَوْحِ عَنْ صَدْرِ الْوَجْدِ
كَأَنَّكِ فَجْرُ الْحُبِّ مَا إِنْ لَاحَ لِي
تَبَدَّدَ لَيْلُ الْهَمِّ عَنِّي وَاْنطَرَدِ
تُرَوِّينَ أَعْمَاقِي كَغَيْثٍ أَوَّلٍ
عَلَى جَدْبِ قَلْبٍ كَالْحَجَرِ إِذَا اْبْتَعَدِ
وَلَوْ أَنَّنِي فِي الْقَفْرِ وَحْدِي سَائِرٌ
حَنَانُكِ دَرْبِي وَالضِّيَاءُ الْمُعْتَمَدِ
أَرَاكِ إِذَا مَا السُّهْدُ آوَى مُقْلَتِي
تُلَامِسِينَ جُفُونِي بِنَوْمٍ مُنْشِدِ
فَمِنْكِ حَنَانٌ لَيْسَ يُدْرِكُ سِحْرَهُ
سِوَى مَنْ أُصِيبَ بِكِ عِشْقًا لِلْأَبَدِ
أَيَا طِيبَةَ الْأَرْوَاحِ إِنْ مَرَّتْ يَدِ
عَلَى جُرْحِ مَنْ ظَلُّوا بِعَالَمِهِمْ وَحْدِ
سَمَاحَتُكِ الْبَيْضَاءُ تَاجُكِ بَيْنَنَا
كَأَنَّكِ فَجْرٌ لَا يُدَنِّسُهُ حَسَدِ
تُسَامِحِينَ النَّاسَ حَتَّى مَنْ جَفَا
وَمَنْ جَرَحُوا قَلْبًا طَهُورًا لَمْ يَكِدِ
إِذَا ثَارَ بَحْرُ الْحِقْدِ كُنْتِ سُكُونَهُ
وَكُنْتِ هَوَاءَ الطُّهْرِ فِي رِيحِ الْكَمَدِ
فَمِنْكِ اْبْتِسَامُ الْعَفْوِ إِنْ لَاذَ الْخَطَا
بِمَرْفَأِ نَدْمٍ وَاْعْتِذَارٍ مُعْتَمَدِ
تُقَابِلُكِ الْآهَاتُ بِالرِّفْقِ الَّذِي
يُطَهِّرُ دَمْعَ الْخَوْفِ مِنْ وَقْعِ الْغَدِ
تَمُرِّينَ فِي الدَّرْبِ النَّقِيِّ كَأَنَّمَا
يُغَنِّي لَكِ الطَّيْرُ الْهَوَى الْمُتَّقِدِ
لَأَنْتِ دَلِيلُ الْخَيْرِ فِي كُلِّ الْوَرَى
وَقَلْبُكِ مِرْآةٌ لِصِدْقٍ لَمْ يُفَدِ
بِكِ الطُّهْرُ، لَا حِقْدٌ، وَلَا شَيْءٌ سِوَى
نَقَاءُ اللَّيَالِي فِي مَدَارِكِ مُشْهَدِ
فَسِيرِي عَلَى نَهْجِ السَّمَاحَةِ دَائِمًا
فَأَنْتِ مِثَالُ الطُّهْرِ فِي كُلِّ الْبَلَدِ
ذَكَاؤُكِ نُورٌ لَا يُضَاهِيهِ أَحَدِ
تُضِيئِينَ دَرْبِي حِينَ يَعْشَى بِي الرُّشْدِ
إِذَا نَطَقَتْ شَفَتَاكِ نَثَرْتِ جَوَاهِرًا
كَأَنَّكِ بَدْرٌ فِي عُيُونِ الْمُرْتَدِ
فَهْمُكِ يُحْيِي الْعَقْلَ إِنْ خَمَدَ الضِّيَا
وَتُبْصِرُ فِي قَوْلِكِ حِكْمَةَ مُعْتَبِدِ
كَأَنَّكِ قَارِئَةُ النُّجُومِ، وَمَنْ رَأَى
كَلَامَكِ حَسِبَ الْفِكْرَ دُرًّا مُنْجَدِ
تُجِيبِينَ بِالسَّهْلِ الْبَدِيعِ بِعُمْقِهِ
فَمَا قَالَهُ أَرْبَابُ فِكْرٍ لَمْ يَزِدِ
وَكَمْ مِنْ سُؤَالٍ مَا وَجَدْتُ جَوَابَهُ
وَجِئْتِ بِعِلْمٍ يُفْصِحُ عَنْ قَصَدِ
تَفُوقِينَ مَنْ فَاقُوا سِنِينًا سَابِقًا
وَتَسْبُقُكِ الْأَعْمَارُ دُونَكِ فِي الْمَدِ
إِذَا حَارَ عَقْلُ النَّاسِ فِي مَا يَشْتَهُوا
أَتَيْتِ كَفَجْرٍ وَاضِحِ الْأُفْقِ مُعْتَدِ
فَهَذِي سَجَايَاكِ الَّتِي لَا تَنْطَوِي
وَفِيكِ اْرْتَقَى الْفَهْمُ الذَّكِيُّ الْمُتَّقِدِ
تُطِيلُ السُّكُوتَ، وَفِي سُكُوتِكِ مَوْعِدُ
كَأَنَّكِ سِرُّ الصَّمْتِ إِذْ يَتَأَنَّدِ
إِذَا مَرَّ طَيْفُكِ فِي الدُّجَى مُتَبَسِّمًا
تَهَادَتْ رِيَاحُ اللَّيْلِ كَيْ لَا تُوقِدِ
وَقَارُكِ بَحْرٌ لَا تَرَاهُ عُيُونُهُمْ
وَلَكِنَّهُ فِي النَّفْسِ دَوْمًا مُرْصَدِ
أَرَاكِ مَلِيكَةً دُونَ تَاجٍ ظَاهِرٍ
وَلَكِنْ عَلَى الْأَرْوَاحِ مُلْكُكِ يُشْهَدِ
كَأَنَّكِ مِنْ نُسْغِ السَّمَاءِ وَقَارُهَا
تَفِيضِينَ حِلْمًا وَالزَّمَانُ مُجَدَّدِ
إِذَا نَطَقَتْ عَيْنَاكِ، خَرَّتْ حُجَجُ الْوَرَى
وَلَاذُوا بِصَمْتٍ مِنْ جَلَالٍ مُؤَيَّدِ
فَكَمْ مِنْ جَبِينٍ حِينَ مَرَّ هَدِيلُكِ
تَطَامَنَ حَيًّا، وَاْسْتَقَامَ الْمَسْجِدِ
حَدِيثُكِ لَا يُلْقَى كَسِجْعِ مُجَامِلٍ
وَلَكِنَّهُ يُرْوَى كَذِكْرَى مُعَبَّدِ
تُطَالِعُكِ الْأَنْظَارُ وَهِيَ حَنِيفَةٌ
كَأَنَّكِ آيٌ فِي الْمَهَابَةِ تُشْهَدِ
فَلَا عَجَبٌ إِنْ قِيلَ: ذِي بِنْتُ النُّهَى
بِصَوْتِ وَقَارٍ كَالنَّسِيمِ الْمُوَحَّدِ
تَمْشِينَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَالْخَطْوُ سَيِّدُ
كَأَنَّكِ فَوْقَ الدَّرْبِ سَهْمٌ مُرْصَدِ
ثَبَاتُكِ صَخْرٌ لَا يُزَحْزِحُ عَزْمَهُ
وَلَا يَرْتَضِي بِالْخَوْفِ ظِلًّا يُرْعِدِ
تَقُولِينَ لِلْأَنْوَاءِ إِنْ هِيَ زَمْجَرَتْ:
أَنَا بِنْتُ إِيمَانٍ عَلَى الْحَقِّ أُهْتَدِ
يُجَاوِرُكِ الشَّكُّ، وَلَكِنْ مَا اْسْتَطَاعَ
إِلَى عَزْمِكِ الْمَضْرُوبِ شَكٌّ يُقْعِدِ
ثِيَابُكِ مِنْ عِزِّ النُّفُوسِ مُنَسَّجٌ
وَحُسْنُ الْبَيَانِ الْوَاثِقِ الْمُتَشَدِّدِ
لَدَى كُلِّ نَاصٍ قَدْ تَلَأْلَأَ نَبْضُكِ
كَأَنَّكِ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ مُسَوَّدِ
تُرَبِّينَ طَيْفَ الْمَجْدِ فِيكِ كَأَنَّهُ
سَلِيلُ الْأُلَى لَمْ يَسْتَكِنْ أَوْ يُجْهَدِ
إِذَا نَطَقُوا، فَالْحَقُّ يُؤْنِسُ صَوْتَهُمْ
وَإِنْ غَابَ صَوْتُكِ، الصَّدَى لَا يُجْمَدِ
تَعَوَّدْتِ أَنْ تَلْقَي الْجِرَاحَ مُبَاشِرًا
فَتُبْرِئُهَا بِالصَّبْرِ وَالنَّهْجِ الْمُسَدَّدِ
فَبُورِكْتِ يَا مَنْ بَاتَ فِيكِ تَفَرُّدٌ
كَأَنَّكِ فِي عُلْيَاءِ ذَاتِكِ تُولَدِ
تُغَيِّرُ فِي الْقُلُوبِ مَشَارِبًا وَجِفَانَدِ
وَتَبْعَثُ مِنْ رَمَادِ الْعُمْرِ مَا قَدْ بَانَدِ
وَتَسْرِي مِثْلَ لَحْنِ الْعُودِ فِي نَبَرَاتِهِ
فَتُحْيِي صَخْرَةً قَدْ يَئِسَتْ وَتَجْتَانِدِ
وَتَهْمِسُ فِي الْجِرَاحِ فَيَلْتَئِمُ النَّزْفُ
كَأَنَّ يَدَيْهَا رَاقِيَةٌ تَسْتَمِدُّ يَدِي
إِذَا نَطَقَتْ تَرِنُّ الْكَائِنَاتُ لِقَوْلِهَا
كَأَنَّ لَهَا مِنَ الْإِعْجَازِ مَا لَا يُنْتَدِي
لَهَا فِي الْقَلْبِ طَيْفٌ لَا يُفَارِقُ نَبْضَهُ
وَفِي الْأَرْوَاحِ ظِلٌّ نَاعِمٌ مُتَجَدِّدِ
تُبَدِّلُ حَالَ مَنْ ذَاقَ الْجَفَاءَ وَأَظْلَمَتْ
لَيَالِيهِ، فَإِذَا الدُّنْيَا لَهُ تَتَجَدَّدِ
يَطِيبُ لِقُرْبِهَا كَرْبٌ، وَيُزْهِرُ مُوحِلٌ
وَتَضْحَكُ ذِكْرَيَاتٌ فِي الْحَشَا تَتَرَدَّدِ
فَهِيَ الْمَرَايَا فِي الصَّفَاءِ، وَنُورُهَا
يَسِيرُ بِغَيْرِ حَدٍّ أَوْ مَدَارٍ مُحَدَّدِ
تَفِيضُ عُذُوبَةً، وَتَفِيضُ سَكِينَةً
إِذَا مَا قَالَتِ الْأَيَّامُ: لَا تَتَجَلَّدِ
لَهَا الْأُفُقُ الْبَعِيدُ، إِذَا رَنَتْ تَتَسَاعَدِ
كَأَنَّ رُؤَاهَا زَهْرُ نَجْمٍ فِي السَّدَدِ
تَمُدُّ جَنَاحَهَا فَوْقَ السَّحَابِ، وَتَبْتَغِي
ذُرًى لَا يُدْرِكُ الْعَادُونَهَا بِالْأَيْدِ
تُذِيبُ الْمُسْتَحِيلَ، وَتَكْشِفُ السِّرَّ الَّذِي
غَفَا فِي صَمْتِ هَذَا الدَّرْبِ مُنْذُ الْأَبَدِ
إِذَا قَالَتْ: "أُرِيدُ"، تَشَمَّرَ الْمُمْتَنِعُونَ
وَكَانَ الصَّعْبُ طَوْعَ الْبَذْلِ وَالْمَقْصَدِ
تَمْشِي فِي الزَّمَانِ كَأَنَّهَا نَبْضُ الْمَدَى
تُجَدِّدُ حُلْمَهَا فِي كُلِّ صُبْحٍ مُرْصَدِ
تُجَارِي الشَّمْسَ فِي الْأَنْوَاءِ، إِنْ غَضِبَتْ
وَتَرْقَى إِنْ دَعَاهَا الشَّوْقُ لِلْمُرْتَقَدِ
إِذَا أَغْلَقَتْ عَلَيْهَا الْأَرْضُ أَبْوَابَ الْمُنَى
فَكَّتْهَا بِالْفِكْرِ، وَالْعَزْمِ الْمُؤَيَّدِ
تَحُفُّ خُطَاهَا الْأُمْنِيَاتُ، وَتَنْتَشِي
بِمَا فِي قَلْبِهَا مِنْ قُدْرَةٍ لَا تَنْفَدِ
تَجُوبُ حُدُودَ الْمُمْكِنَاتِ كَأَنَّهَا
بِنْتُ الْمَعَانِي، لَا تَخَافُ مِنَ الْغَدِ
أَنَا وَالِدُهَا، وَمَا فِي الْقَلْبِ مِنْ فَخَرٍ بِدِ
يَفُوقُ حَدِيثَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِنْ تَرْصُدِ
حَمَلْتُ عَلَى جَبِينِي طَلْعَةً مِنْ نُورِهَا
كَأَنِّي مِنْ جَلَالِ الْحُسْنِ قَدْ تَجَلَّدِ
وَيَا لِلَّهِ مِنْ قَلْبٍ إِذَا نَادَيْتُهَا
أَجَابَ النُّورُ فِي أَعْمَاقِهَا بِتَوَدُّدِ
كَبِرَتْ أَمَامَ نَاظِرِي، وَفِيهَا فِتْنَةٌ
كَأَنَّ الدَّهْرَ يَنْمُو بَيْنَ كَفَّيْ مَوْلَدِ
وَقَدْ زَانَتْ لِيَ الْأَيَّامُ حِينَ رُزِقْتُهَا
فَمَا عُدْتُ أَطْلُبُ شَيْئًا مِنَ التَّرَدُّدِ
تُطَاوِلُ فِي الْفَخَارِ النَّجْمَ إِنْ خَطَبَ الْعُلَا
وَلِلْأَمْجَادِ مِنْ خُطَاهَا أَلْفُ مُرْشَدِ
إِذَا ذَكَرْتُهَا، فَالْمُزْنُ فِي وَجْهِي ضَحْكُهُ
وَفِي عَيْنَيَّ يَسْكُنُ فَجْرُهَا الْمُتَوَقِّدِ
هِيَ الدَّارُ الَّتِي مَا فَارَقَتْنِي لَحْظَةً
وَلَوْ نَامَ الْحَنِينُ بِجُرْحِهِ الْمُتَجَدِّدِ
فَفِيهَا لَذَّةُ الدُّنْيَا، وَسَلْوَى مُوحِشِي
إِذَا مَا ضَاقَتِ الْأَيَّامُ بِي بِتَعَنُّدِ
لَهَا أَكْتُبُ التَّارِيخَ عِشْقًا صَادِقًا
وَأَبْنِي فَوْقَ أَمْجَادِ الْهَوَى مُتَأَبِّدِ
دُعَائِي أَنْ تَكُونِي فِي حِمَى الرَّحْمَنِ
تُظَلِّلُكِ السَّمَاوَاتُ، السَّخَاءُ، السُّؤْدُدِ
وَأَنْ تَمْضِيَ اللَّيَالِي دُونَ هَمٍّ أَوْ أَذَى
وَتَضْحَكَ فِيكِ أَيَّامٌ بِهَا لَمْ تُسْهَدِ
سَقَيْتُكِ مِنْ حَنَانِي كُلَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ
وَصَايَا النُّورِ، أَوْ سُؤْلِي، وَمَاءِ التَّوَدُّدِ
فَكُونِي أَنْتِ مَا كُنْتُ أُحِبُّ وَأَرْتَضِي
عَلَيْكِ شَذَايَ، إِنْ أَزْهَرْتِ، لَا تَتَبَدَّدِ
أُحِبُّكِ لَا يُحَدُّ الْوَصْفُ مَا بِي مِنْ نَوَى
فَأَنْتِ رِسَالَتِي الْأُولَى، وَنَبْضُ الْمَوْلِدِ
أَيَا شمسُ ، إِنِّي فِي خِتَامِ مَوَدَّتِي
أُقَبِّلُ جَفْنَ ذِكْرَاكِ الْفَتِيِّ الْمُؤَيَّدِ
فَكُونِي الْخَيْرَ فِي أَيَّامِ مَنْ قَدْ عَاشَهَا
رَجَاءً أَنْ تَكُونِي نُورَهَا الْمُتَوَقِّدِ
سَأُهْدِيكِ الْحَيَاةَ قَصِيدَةً لَا تَنْتَهِي
وَحُبًّا لَا يُطْوَى رَغْمَ دَهْرٍ مُسْرِدِ
وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ، فَذِكْرُكِ فِي الْحَشَا
يُغَنِّي كُلَّ لَيْلٍ بِالْجَوَى الْمُتَرَدِّدِ