إذا كنت لم أبرح من الدهر شاكيا
فما زلت عن دهري بجبران راضيا
وإن كان لم يبرح زامني يخونني
كفاني به من وجه جبران وافيا
إذا ما تبدّى لي غنيت عن الغنى
وليس الغنى إلاً إذا ما بدا ليا
وما وجه باريسٍ وإن شاق حسنه
يعوّض عندي وجهه المتواريا
قربنا من اللقيا فأهلاً بوجهه
أعانق منه الكوكب المتلاليا
على أرض باريس السّلام فأنني
أبلغها عمّا قريب وداعيا
يئست من الدار التي كنت أرتجي
وما كنت أرجو غير ما كنت خاشيا
أبلغها مني السلام ولم أزل
على تربها الزاكي أقول القوافيا
وأوطان باريسٍ تشوقك قبلما
تفارقها أو حين تنوي التّنائيا
إذا شعرت نفسي بأني مفارقٌ
تبادر لولا الصبر دمعي هاميا
عرفت المنايا قبل تعدو بهجرها
وألفيت هجريها المنايا العواديا
أودّع باريساً وأبقي لحسنها
توجّع مفتون على الهجر باقيا
فراقك يا باريس ليس بهيّنٍ
وهان لديه كلّ ما كان قاسيا
وأنت التي بين البلاد سبيتني
وعزّ علينا هجر ما كان سابياً
ستشمت أقمارٌ عشقت جمالهم
كأني عليهم كنت في العشق جانيا
يعزّ علينا أن تدوم وجوههم
تلوح ور نبقى نراعي الدّراريا
نقاسي اللظى في البعد عنهم ودوننا
يجرّون ذيلاً من نعيمك صافيا
أهيم لأني لم أزل في شبيبتي
وأغنم في وقت الشباب التّصابيا
فما استحسنت عيني الصبّابة بعد ما
تولّى الصّبى أو بدره بات خابيا
وأطيب لذّات الفتى عشقه وما
وجدت للذّات الغرام مضاهيا
ولم أر مجداً في البرية آتياً
ولم أر فيه للجمال الأياديا
ولم أر مقداماً يقاسي مشقةً
وما كان من أجل الجمال مقاسيا
أودّع يا باريس أرضك باكياً
عليك بجفن ليس بعدك باكيا
وإن كنت أفنى في نواك صبابةً
فأنت التي أبقيت من كان فانيا
وإن قلت شعراً في الفراق فإنه
يكون على هذا الفراق مراثيا
أضيع رشادي في مكان سواك لو
ذكرتك يوماً أو خطرت بباليا
وباريس لا تنسى ويلزم ذكرها
كأن اسمها من مهجتي ولسانيا
فلا تشمت الأعداء لا بدّ أنها
تعود كما فارقتها لي مغانيا
وهل وسعتني بعد باريس بلدةٌ
تضيق بلاد الله من بعدها بيا
منازل من أهوى على كل حالةٍ
محاسن ألقى منهم أو مساويا
منازل من اقلو أعاديهم وإن
أتى البعض منهم مشمتاً بي الأعاديا
وألبس إن أبلى الزمان مطارفي
مطارف خزٍ من بياني زواهيا
ولا خير في عيش النعيم ولم أجد
نجوم الدّياجي سجّداً لمقاميا
أفضّل عيش البؤس إن لم أر السّهى
يخر لدى مجدي ويسجد عانيا
يعزّ علينا أن نفارق قبل أن
تحوك لنا أيدي المعالي المراثيا
ومن هو أولى أن يحوز معالياً
إذا كان قومي يجهلون مكانيا
أكرّر يا باريس ذكرك من هوى
به ليس يخفى بعض ما في فؤاديا
نويت بك المستقبل الزاهي الذي
بإذوائه غادرت عمري ذاويا
أنوح على حرمان وجهك مرّةً
وأخرى على حرمان ما كنت ناويا
وأبكي على نفسي لأني فقدتها
بفقدان ما قد كنت عندك راجيا
نسيت بلاد الله بعدك كلّها
أأرجع أجري ذكر ما كنت ناسيا
ولم أنسها إلاّ لأنني رأيتها
لديك طلولاً عافياتٍ بوالياً
أراني إذا أحسست أني نازلٌ
بدارٍ سوى باريس في النوم رائيا
وأطبق أجفاني سريعاً لأنني
أعاف ربوعاً غيرها أن أراعيا
وتكبر أجفان رنون إليك أن
يكنّ إل دار سوزاك روانيا
ولكن إذا ما كنت قد عدت خائباً
لمصر وما أدركت فيك الأمانيا
سأغزو بشعري العالمين لأنه
تقلّد سيفاً من جمالك غازيا