يَا مُتْلِفَ الرُّوحِ بِالْغِيَابِ
أَمْعَنْتَ بِالْبُعْدِ في عَذَابي
سَارَعتَ بِالْهَجْرِ في فَنَائِي
وأَفْرَطَ النَّأْيُ في خَرَابِي
أَنَّى لَنَا العِشْقُ دُونَ عَتْبٍ
ولَذَّةُ الْعِشْقِ في الْعِتَابِ
إِلَيْكَ عُتْبَى الْفُؤَادِ؛ فَاعْتُبْ
عَلَى مَلُومٍ بِلَا حِسَابِ(١)
أَرَيْتَكَ الْآنَ مَا نَمَا بي
ومَا نَمَا بي سِوَى اغْتِرَابي(٢)
ذَبَّحَني في الجَفَاءِ حُزْنٌ
بِسَيْفِهِ قَاطِعِ الرِّقَابِ
آهٍ لِوَجْهٍ إِذَا جَفَانِي
لَذَّ لَهُ في الْهَوَى اجْتِنَابِي
هَرِمْتُ في خَلْوَتي، وَقَلْبي
مِنَ اعْتِكَافٍ إِلَى احْتِجَابِ
لَجَّ بِهِ الشَّوْقُ ذَابَ وَجْدًا
بِأَنَّةِ النَّايِ، وَالرَّبَابِ(٣)
يَشْتَاقُ وِرْدًا لِمَنْ تَجَلَّى
كَالْبَدْرِ في دُهْمَة الْحِجَابِ(٤)
أَوَّاهُ مِنْ دَهْشَةِ التَّجَلِّي
في لَمَّةِ الْأُنْسِ، والصِّحَابِ
وتِيهِ سُكْرٍ بِغَيْرِ خَمْرٍ
وأَعْيُنُ الصَّحْبِ في ارْتِيَابِ
يَا لَهْفَ قَلْبِي عَلَى اجْتِلَاءٍ
لِبَدْرِ تِمٍّ لَهُ انْجِذَابي
دَارَاتُهُ أَحْدَقَتْ بِوَجْهٍ
مُكْتَمِلِ الْحُسْنِ، وَالنِّصَابِ(٥)
يَنَامُ أَعْلَى بَنَاتِ مَخْرٍ
بِيضٍ رِقَاقٍ مِنَ السَّحَابِ(٦)
يَمْشِي عَلَى هَوْنِهِ رَشِيقًا
في شَفَفِ الليْلِ، وَالرَّبَابِ(٧)
اسْتَنْظَرَ العَاشِقُ احْتِرَاقًا
وأَعْتَقَ الشَّوْقَ بِارْتِقَابِ
خَارَ لُهَاثًا فَمَنْ سَيَهْدِي
هَيْفَانَ عِشْقٍ إِلَى الْمَنَابِ؟(٨)
لَابَ عَلَى الوَهْمِ دُونَ نَهْلٍ
يَا وَيْلَ صَادٍ مِنَ اللُّوَابِ(٩)
يَرْقَى مَقَامَاتِهِ رُوَيْدًا
ويَخْفُقُ القَلْبُ بِاضْطِرابِ
عَيْنُ يَقِينٍ، وَعَيْنُ وَهْمٍ
قَدْ فَرَّ صِدْقٌ مِنَ الْكِذَابِ(١٠)
نَوْبَةُ صَحْوٍ غِيَابُ وَعْيٍ
ذِهَابُ عَقْلٍ بِلَا ذِهَابِ
حَبُّ غَمَامٍ أَزَاحَ سِتْرًا
أَبَانَ بِالْكَشْفِ أَلْفَ بَابِ(١١)
ضَاءَ سَنَا في دُجَى سَدِيمٍ
فانْقَشَعَتْ هَالَةُ الضَّبَابِ(١٢)
وشَعَّ ضَوْءٌ مُلَأْلَأٌ مِنْ
قِنْدِيلِ نُورٍ مَعَ اقْتِرَابِ
في حَضْرَةِ النُّورِ ذَابَ غَيْمٌ
ورَاهَ كاللمْعِ في السَّرَابِ(١٣)
يَطُوفُ نُورٌ يَطُوفُ ظِلٌ
ويَرْتَعُ الْعِطْرُ في التُّرَابِ
تَدُورُ رُوحٌ بِفُلْكِ طَيْفٍ
كَالْهَدْجِ في مِغْزَلِ الثِّيابِ(١٤)
فَمَاثَلَ الصَّبُّ في خُضُوعٍ
طَوَافَ خُدَّامِهِ الْعِجَابِ
ولَذَّ للمُسْتَهَامِ قُرْبٌ
بِمَهْنَأٍ مِنْهُ مُسْتَطَابِ(١٥)
مَا فَاقَ مِنْ لَذَّةٍ، وَسُكْرٍ
مَا مَلَّ مِنْ مُتْعَةِ اصْطِحَابِ(١٦)
يَسْرَحُ في حُسْنِهِ هَوًى في
هَوًى مَعَ الْمَأْلَكِ الْمُهَابِ(١٧)
لَفِيفُهُ الخِدْنُ حُورُ عِينٍ
فَتَاهَ في الأَعْيُنِ الرِّحَابِ(١٨)
لِخَدِّ حُسْنٍ هَفَا اشْتِيَاقًا
لِلْوَردِ في مُلْتَوَى الْهِضَابِ(١٩)
يَا شَفَقًا مِنْ أَخِدَّةٍ يَا
سَمَاءَ خَمْرِيَّةِ الْقِبَابِ
يَا غَرْفَةً مِنْ فَمٍ، وَحَوْضٍ
في شَفَهَاتِ الْفَمِ الرِّطَابِ(٢٠)
يَا شَفَهَاتٍ تَلَجْلَجَتْ مِنْ
وحَى ارْتِبَاكٍ عَلَى ارْتِعَابِ(٢١)
كَأَنَّ في بُرْهةِ التَّدَنِّي
أَقْبَاسَ عُودٍ مِنَ الثِّقَابِ(٢٢)
اشْتَعَلَتْ قُبْلَةٌ بِها مِنْ
ثَوْرَةِ حُرَّاسِها الْغِضَابِ
خَافَتْ لَهِيبًا، وَنَارَ قُرْبٍ
خَوْفَ الْمُذَكِّي مِنَ الْتِهَابِ(٢٣)
نَادَتْ شِفَاهٌ عَلَى شِفَاهٍ
واسْتَنْصَرَتْها عَلَى الصِّعَابِ
مَالَتْ شِفَاهٌ إِلَى شِفَاهٍ
وأَرْشَدَتْها إِلَى الصَّوَابِ
وطَمْأَنَتْها بحُزْمَةٍ مِنْ
مُضَاعَفِ الأَجْرِ، والثَّوَابِ
حَلَّتْ عَلَيْها سَكِينَةٌ مِنْ
بَعْدِ صِرَاعٍ مَعَ الرُّهَابِ(٢٤)
لانَتْ شِفَاهٌ لَهُ، وَغَضَّتْ
سُهُولُ وِدْيَانِهَا الرَّغَابِ(٢٥)
رَخَتْ، وَحِمْلَانُهَا تَدَنَّتْ
دَدًا، وَلَهْوًا إِلَى الذِّئَابِ(٢٦)
فَاضَتْ رَخَاءً عَلَى وَلُوعٍ
بِهَا انْتَهَى عَصْرُ شَرْعِ غَابِ
هَمَتْ بِقَطْرٍ إِذَا تَشَهَّتْ
تَبُضُّ طلًّا بِلَا انْصِبَابِ(٢٧)
كَأَنَّهَا في جِنَانِ عَدْنٍ
نَمَارِقُ اللينِ، وَالزَّرَابِي(٢٨)
ابْنَةُ رِيقٍ دَوَاءُ قَلْبٍ
غَوْثُ العَطَاشَى مِنَ اللُّهَابِ(٢٩)
مَقْصُورَةٌ في خِيَامِ نُورٍ
دَجَّتْ حِجَابًا مِنَ انْتِقَابِ(٣٠)
رَخِيَّةُ الْغُصْنِ، وَالثَّنَايَا
كَنَاهِدِ القَدِّ، وَالْكَعَابِ(٣١)
أُمْلُودَةٌ قَلْبُهَا الْخُزَامَى
ورِيقُها أَنْجَعُ الطَّبَابِ(٣٢)
يَاقُوتَهٌ في بِساطِ رَاحٍ
زِينَتْ بِنَقْشٍ مِنَ الْخِضَابِ(٣٣)
لَهْبَى، وَتَكْوِي المُريدَ كَيًّا
أَمِيرَةُ النَّارِ، وَاللِّهَابِ(٣٤)
حَنَّتْ عَلَى عَاشِقٍ مُصَابٍ
بِالجَدْبِ في حَوْضِهِ الْيَبابِ(٣٥)
ثَرَّتْ، وَخَرَّتْ بِقَطْرِ رِيقٍ
كَحَبِّ مُزْنٍ عَلَى الرَّوَابِي(٣٦)
تَدَفَّقَ النَّبْعُ سَالَ سَيْلًا
وانْفَجَرَتْ فَوْرَةُ انْسِرَابِ(٣٧)
عُصَارُهَا مُضْمَرٌ بِخَتْمٍ
نَخْبٌ دَفِينٌ مِنَ الرُّضابِ(٣٨)
مِنْ عَسَلٍ مُنْتَقَى مُصَفًّى
مُنْتَخَبٍ أَمِثَلَ انْتِخَابِ
فَمٌ سَكُوبٌ هَرَاقَ خَمْرًا
والشَّهْدَ مِنْ رَائِقِ اللُّعَابِ(٣٩)
وصَبَّ مَا رَاقَ في كُؤُوسي
كَالشَّهْدِ في فِتْنَةِ اصْطِبَابِ
فَذُقْتُ مِنْ خَمْرِهِ رَوَاءً
وتُهْتُ مِنْ لَذَّةِ الشَّرَابِ(٤٠)
يَا لَذَّةَ الرَّشْفِ مِنْ رَحِيقٍ
يَا لَذَّةَ السُّكَّرِ المُذَابِ
يَا سَعْدَ مَنْ ضَمَّهُ وَلِيفٌ
يَنْعَمُ في عَيْشِهِ اللُّبَابِ(٤١)
يَا شَرْبَةً يَمَّمَتْ غَلِيلًا
مِنْ كَوْثَرِ الرِّيقِ بِانْسِيَابِ
يَسْقِيهِ سَيْلًا لَهُ رُغَاءٌ
أَسْقَى رَوِيًّا مِنَ الْعُبَابِ(٤٢)
ولَّى؛ فَدَلَّى خُيُوطَ غَزْلٍ
لَمَّا تَنَدَّى مَعَ انْسِحَابِ
فَضُعْتُ مِسْكًا مِنَ انْتِشَائِي
بِفَوْحِ رَيَّاهُ، وَالْأَنَابِ(٤٣)
مَلَاكُ حُسْنٍ، وَعَبْقَرِيٌ
يَحْتَالُ بِالْمَكْرِ في اسْتِلَابي
أيَّانَ يَأْتِي لِحِضْنِ صَبٍّ
يَحْنُو عَلَى قَلْبِهِ الْمُصَابِ
قَلْبِي حَزِينٌ مَرِيضُ عِشْقٍ
بِالْخَرْفِ، وَالْوَهْنِ، وَالْقُلَابِ(٤٤)
مُعَمِّرٌ مُكْوَهِدُّ نَبْضٍ
مُرَاهِقٌ سَيِّدُ التَّصَابي(٤٥)
هَمَى شَرِيدًا غَوَى وَحِيدًا
قَدْ زَاغَ في غَامِضِ الشِّعَابِ(٤٦)
يَمْشِي بِلَا وِجْهَةٍ ضَلُولًا
يَتِيهُ في صُحْبَةِ الرِّكَابِ(٤٧)
يَسْأَلُني بَاكِيًا كَطِفْلٍ
مَتَى سَنَنْجُو مِنَ الْعِقَابِ
يَسألُ لَا يَنْتَهِي سُؤَالًا
عَنْ نَبْعِ عِشْقٍ بِهِ انْتِحَابِي
يَا خَيْرَ لِصٍّ سَقَى مُرِيدًا
مِنْ عَجَبِ الْفِتْنَةِ الْعُجَابِ
تَلَاعَبَتْ بِي صُرُوفُ دَهْرِي
غَرِقْتُ في شِدَّةِ اكْتِرَابي
تُحِيطُنِي لَوْثَةٌ بِعِشْقِي
تُصِيبُني جِنّةُ الْخِلَابِ(٤٨)
سَرَقْتَ مِنِّي سِنِينَ عُمْرِي
في الْعِشْقِ أَضْحَى لَكَ انْتِسَابِي
واسْمُكَ في جَلْسَتي رَفِيقِي
وفِي ذِهَابي، وَفي إِيَابي
وفي صُرَاخِي مِنَ اعْتِلَالي
وفي شِفَائِي مِنَ اكْتِئَابي
وفي مَنَامِي، وَبُؤْسِ صَحْوِي
وفي سُكُوتي، وَفي خِطَابي
تَلَهَّفَ النَّبْضُ مِنْكَ سُكْرًا
تَلَهُّفَ الْكَهْلِ لِلشَبَابِ
تَلَهُّفَ الْخُلْدِ يَوْمَ تَهْفُو
يَمِينُ أَيْدٍ إِلَى الْكِتَابِ
يَا وَيْلَ قَلْبي عَذِيرَ قَلْبي
مِنْ مُسْتَقِرٍّ عَلَى انْتِهَابي(٤٩)
يَغِيبُ دَهْرًا عَلَى شَغُوفٍ
يَرْجُو، وَيَضْنَى مِنَ الطِّلابِ(٥٠)
كَأَنَّهُ بَعْدَ غَيْثِ سُقْيَا
يَرْمِيهِ في التِّيهِ، والجِبَابِ(٥١)
يُذِيقُهُ الشَّهْدَ ثُمَّ يَنْأَى
يُلْقِيهِ في أَعْمَقِ السِّهَابِ
أَنْقِذْ لِأَجْلِي أَيَا حَبِيبي
حِبَالَ وِدٍّ مِنَ انْقِضَابِ(٥٢)
أَلَمْ تَرَ القَلْبَ مِنْ غِيَابٍ
يَهْذِي، وَيَلْتَاعُ مِنْ مُصَابي
بُعْدُكَ جَمْرٌ، وَنَارُ خُلْدٍ
أُرْمَى لَهَا رَمْيَةَ الكِلابِ
أَوْقَعْتَ قَلْبي بِسَهْمِ لَحْظٍ
والرِّمْشِ مِنْ شُرْفَةِ النِّقَابِ
مَهَرْتَ في قَنْصِ حُرِّ طَيْرٍ
بَرَعْتَ في الطَّعْنِ، وَالضِّرَابِ(٥٣)
مَا صَحَّ لي مَوْضِعٌ بِجِسْمي
مِنْ طَعْنَةِ السَّيْفِ، وَالْحِرَابِ
إِنْ كُنْتَ تُدْنِي إِلَيَّ قَتْلِي
فَاقتُلْ بِذَا السَّهْمِ مِنْ جِرَابي
أَدْعُو بِسِرِّي عَلَى فِرَاقٍ
ومَا دُعَائِي بِمُسْتَجَابِ
رُحْمَاكَ هَبْ لي هَوًى، وَهَدِّئْ
في القَلْبِ سِرَّ الْفَتَى الشُّغَابِ(٥٤)
واجْمَعْ قَريبًا جَنَانَ صَابٍ
بِفَرْحَةِ الْمَطْلَبِ الْمُجَابِ