شَرَابُ التُّفَّاحِ كَمَا كَانَ يَا أَيَّامُ
يُذَكِّرُنِي بِكِ وَبِالصَّحْبِ وَالأَحْلَامِ
رَشَفْتُهُ فَجَاءَ الغِيَابُ يَطْرُقُ صَدْرِي
وَعَادَتْ وُجُوهٌ تَوَارَتْ خَلْفَ الظَّلَامِ
وَجْهُكِ يَا بَدْرِي يَسْبِقُ كُلَّ ذِكْرَى
كَأَنَّكِ لَمْ تَغِيبِي لَحْظَةً عَنْ مَقَامِي
وَوُجُوهُ الصَّحْبِ تَعُودُ تَمْلَأُ الصَّدْرَ
كَأَنَّهُمْ لَمْ يَمْضُوا فِي طُرُقِ الزِّحَامِ
كُنَّا نَسِيرُ عَلَى الدُّرُوبِ ضَاحِكِينَ
وَلَيْلُنَا فَوْقَنَا كَسَقْفِ الخَيَامِ
وَكُنَّا نَصْحُو عَلَى الفَجْرِ قَبْلَ أَذَانِهِ
وَنَمْشِي فِي الدُّرُوبِ سَادَةَ الزِّمَامِ
وَكَانَتِ اللَّيَالِي لَا تَكْفِيهَا الضَّحِكَاتُ
وَكَانَ الصَّبَاحُ يَأْتِي قَبْلَ الاهْتِمَامِ
فَهَلْ يَعُودُ زَمَانٌ مَضَى بِلَا وَدَاعٍ؟
وَهَلْ تَجْمَعُنَا الدُّرُوبُ بَعْدَ طُولِ الانْصِرَامِ؟
شَرَابُ التُّفَّاحِ مَا زَالَ بِنَفْسِ الطَّعْمِ
لَكِنَّ أَيْدِيَ الأَحِبَّةِ بَعِيدَةُ الْمَرَامِ
يَا بَدْرِي أَنْتِ وَحْدَكِ مَنْ يَبْقَى فِي الرُّوحِ
وَوَجْهُكِ فِي الذَّاكِرَةِ لَا يَعْرِفُ الإِظْلَامِ
فَكُلَّمَا شَرِبْتُ رَأَيْتُ وَجْهَكِ فِي الكَأْسِ
يَطْفُو كَالضَّوْءِ فَوْقَ مَاءِ الغَمَامِ
أَتُرَى تَعُودُ تِلْكَ اللَّيَالِي يَا بَدْرِي؟
أَمْ غِبْتِ كَمَا يَغِيبُ الْبَدْرُ بَعْدَ التَّمَامِ؟