يا نيلُ قُل لي هل وُلِدتَ جليلا
أمْ خَيلُ مصرٍ أرضَعَتْك صَهيلا
فلقدْ سُقيتَ منَ الكِنانةِ فِتنةً
خلعتْ عليكَ الحُسْنَ والإكليلا
وغدوتَ نهرًا للجِنانِ مُمَثِّلًا
نقلَ الجِنانَ لأرضِنا تَمْثيلا
فُتِنتْ بكَ السُيّاحُ حتّى أقبلوا
منْ حبِّ مصرٍ ذاهِلينَ عُقولا
فسَقَيْتَهمْ ماءً نميرًا صافيًا
جعلَ البعيدَ بحُبِّنا موصولا
ما ذاق ماءَكَ زائِرٌ أو سائِحٌ
إلّا وعادَ على الهوى محمولا
يامنْ أخذْتَ منَ الحِسانِ عرائسًا
لِيَفيضَ ماؤكَ مُنعِمًا ونَبيلا
هاميسُ آخِرُ مَنْ عَشِقْتَ وعُرسُها
مازالَ مِثْلَكَ مُمْتِعًا وَجميلا
ثمَّ امتَثلْتَ لِأمرِ ربِّكِ طائعًا
ورضيتَ بالهادي الأمينِ رَسولا
ألقى لكَ الفاروقُ خيرَ رِسالةٍ
فَعَدَلْتَ عنْ قتلِ الحِسانِ عُدولا
يا نيلُ قل لي لو عَلِمت فصاحةً
لغَلَبْتَ كلَّ العالَمينَ مَقيلا
لوَصفْتَ كُلَّ الأنبياءِ إذا أتوْا
يبنونَ مصرَ حَضارَةً وَعُقولا
ووصَفْتَ مُفْتَخِرًا تَقَدُّمَ أَحْمُسٍ
نحوَ الفتوحِ مُتَوَّجًا وجليلا
طَرَدَ الغُزاةَ ووحَّدَ البلدَ الذي
سَيَظَلُّ حِصْنًا لِلبُغاةِ مُزيلا
ووصفتَ آباءَ الحَضارةِ إذ بَنَوْا
هَرَمًا يَشُقُّ إلى الخلودِ سبيلا
ووصفتَ أسطولًا يُحَصِّنُ ماءَنا
ووصفتَ جيشًا يدْعمُ الأُسْطولا
ووصفتَ نهضَتَنا الحديثَةَ راضيًا
بِبِناءِ جيلٍ لا يزالُ أصيلا
أخذَ الحضارةَ منْ جدودٍ علَّموا
كلَّ البلادِ وأوْقَدوا قِنْديلا
واستخدمَ العلمَ الحديثَ مُجَدِّدًا
وأقامَ منْ شَمْسِ العقولِ دليلا
يا نيلُ أنتَ غِذاؤنا وكِساؤنا
أبقاكَ رَبّي مُحْسِنًا وَفَضيلا