نغماتُ الليلِ الخالدِ والخمرةُ والبحرُ
وماذا في الخمرةِ والبحرِ
وشطآن شقائي ؟
ومغاربُ مترعةٌ بمصائرِ أربابِ الحزنِ الرحّلِ
ماذا في المغرب
وطواحينِ القلقِ الجوعى ،
وتعاقبِ أعوامي ؟
ماذا غير عذاباتي ، وسآمة أيامي ؟
ومرارةُ هذي الذكرى المحفورةِ في قلبي
تعتصرُ الروحَ
وماذا في الرقصِ الموحشِ للروحِ ،
وآلافِ الصرخاتِ المجروحةِ
في حنجرةِ الريحِ ،
وترجيعاتِ رثائي ؟
أتطلّعُ مجروحاً في الأفقِ المقفرِ للأرضِ
فلا أبصرُ غيرَ البحرِ الموحشِ
ينداحُ أمامي ،
والمطرِ المهجورِ يموتُ ورائي !
يا قمرَالصبّارِ الغاربَ
خلفَ نحيبِ المطرِ الغامضِ
يقفُ الوجهُ الباكي لعناقٍ مفقودْ !
خلفَ نحيبِ المطرِ الغامضِ
يجلسُ شخصٌ منحوتٌ من طينِ الليلِ
وينحلُّ إلى حسراتٍ ..
شخصٌ مكدودٌ مكدودْ!
ووراءَ الصخرِ المنصوبِ أمامَ البحرِ الصامتِ
ينتصبُ الموتُ بشيخوختهِ الجبّارةِ
كالعرّافِ
ويحدسُ بالأقدارِ السودْ !
فبأيّ مغاربَ مترعةٍ بمصائرِ أربابِ الحزنِ
سيخلقُ قلبُ الشاعرِ جوَّ أمومتهِ المفقودْ ؟
يا قمرَ البحرِ الغاربَ
أغوارُ البئرِ كأغوارِ الراهبِ غارقةٌ
بأحاسيسِ اليأسِ الثكلى ، وسماواتِ الإشفاقْ !
تتنزّلُ فيها الصورُ المرئيّةُ لليلِ الأبيضِ
في ساعاتِ الإقمارِ المسكرِ
للأفقِ الرقراقْ !
تتنزّلُ فيها صورُ المرتحلينَ
وقد ذابوا مع تيارِ الموسيقى
في إيقاعٍ رقراقٍ .. رقراقْ .
أغوارُ البئرِ كأغوارِ الراهبِ
ترهقها صفقاتُ الريحِ
فتهبطُ قبراً قبراً
غائرةً في الأعماقْ ..
يتقطّرُ فيها كلُّ سكونِ البحرِ ،
وكلُّ هدوءِ الليلِ
كما تقطرُ نغمةُ موسيقى
في موجةِ إرهاقْ .
فانزلْ بشفافيّةِ روحي في البئرِ
لأروي مائكَ من مائي !
واصعدْ بالنفسِ إلى صومعةِ الليلِ
إلى أعلى أحلامي !
فأنا أتطلّعُ مجروحاً في الأفقِ المقفرِ للأرضِ
فلا أبصرُ غير البحرِ المتوحّشِ
يمتدُّ أمامي ،
ونحيبُ المطرِ المهجورِ يموتُ ورائي
لكأنَّ الشطآنَ هي المأوى
للباكينَ فراقَ أحبّتهم
والرائينَ رحيلَ مراكبهم
تحت أماسي الحسراتْ!
ها أنا ذا كغريبٍ أجلسُ قدّامَ البحرِ
وأقرأُ فيه سطور المرثياتْ ...
أترقرقُ مخمورَ الروحِ على شبّاكِ الليلِ
كما تترقرقُ في أقداحِ الدمعِ
مئاتُ التنهيداتْ !
تبكي شتواتُ الليلِ على داليةِ الدارِ
البردانةِ غربةَ روحي
وتسيلُ على صدري ساخنةً خيطانُ الدمعاتْ !
أعطاني القمرُ المرهقُ حصةَ روحي
من رقراقِ مراثيهِ
وحصةَ حزني من إيقاعِ الليلِ الأسودِ
أعطانيها الصمتُ
وغير مرارتهِ تذرافُ العبراتِ
المتعبُ ما أعطاني !
أغفاني رجعُ أغاني المهدِ على تغريبةِ أمّي
ومراثي الشيخوخةِ أيقظتِ الروحَ
على ما أبكاها في الخسرانِ
وأبكاني
تحت أماسي الحسراتْ !
لكأنَّ البحرَ كتابُ الأيّامِ المهجورُ
يقلّبُ أوراقَ سآمتهِ
موسيقارُ الريحِ الغارقُ في حزنِ الوترياتْ !
يا قمرَ الصبّارِ الغاربَ
بينَ اللونِ الأبيضِ للغيمِ العابرِ
واللونِ الأسودِ للغيمِ الماطرِ
رحلتْ أحلاميْ !
أبكي ما ضاعَ من الأيامِ على مجرى الجدولِ
كلَّ خريفٍ
وأغنّي أغنيةَ المهجورِ على طولِ الشاطىءِ
كلَّ شتاءْ !
كلُّ فصولِ الوحشةِ ترقدُ هادئةً في قلبي
الآنَ
وكلُّ جذوعِ الأشجارِ المقطوعةِ
تملأُ بالصرخاتِ مسائي !
فاليومَ تفارقني
ببكاءِ الموسيقى المكسورةِ آخرُ أنغامي
واليومَ يودعني في موسمهِ الميّتِ
مزمارُ رثائي !
آهٍ من آهاتِ البحرِ المتنهّدِ والخمرةِ والليلِ
وماذا في الخمرةِ والبحرِ
وشطآنِ شقائي؟
ماذا في تفكيرِ العقلِ الخاشعِ قدّامَ مغيبِ الشمسِ ،
ومغربِ آلامي ؟
مرتدياً جلبابَ العزلةِ أنظرُ في أرجاءِ الأرضِ
فلا أبصرُغيرَ البحرِالشاحبِ ينداحُ أمامي،
ونحيب المطرِ المهجورِ يموتُ ورائي .