الغرفةُ موصَدةُ الأحلامِ،
والنافذةُ عمياءُ
لا تُبصرُ إلّا صمتًا يتهدَّلُ
من سقفٍ متصدّعٍ،
كأنَّ الليلَ قد علَّقَ قلبَهُ هناك،
وتركني رهينةَ نبضي،
أعدُّ ارتجافاتِ الجدران،
كأنَّها أصداءُ جنازةٍ
لم يأتِ لها أحد.
أُصغي…
فإذا بالظلِّ يتقدَّم نحوي،
كطفلٍ ضائعٍ في سوقٍ منسيّ،
يمدُّ يده المرتجفةَ نحو كتفي،
ويقول:
"هنا كان آخرُ أُنشودةٍ
تُسكِتُ أنينَ الجدران.
فلماذا عدتي وحيدة؟"
ستائري مرخاةٌ
كجفونِ أرملةٍ سُلبتْ منامَها،
وأثوابي على الكرسيِّ
ترتعشُ كأشجارٍ بلا طيور،
تهتزُّ مع كلِّ نفَسٍ يتسلَّل من الشقوق،
كأنَّها تستعدُّ لرحلةٍ لا عودةَ منها.
أرى البابَ العتيقَ يحنو على عتبةٍ باردة،
كشيخٍ يمسحُ دمعةَ ذاكرةٍ،
ثم يهمسُ بي:
«لم يطرُقْك صديقٌ الليلة،
فالليلُ طويلٌ،
وأنتَ غريبة عن قلبِ العالم،
فمن يُنقذك؟»
أرتدي أوهامي،
أمشي على سجادةٍ من رماد،
وأفتحُ ممرًّا بين حلمٍ وجدار،
لأجدَ أمّي بانتظاري،
واقفةً عند المقبرةِ المبتلَّةِ بالندى،
وجهُها قمرٌ غائرٌ في حفرةٍ من السنين،
وعيناها سراجانِ يتقاطعانِ مع دمعي.
تقول:
"أتقتحمين الليلَ بلا رفيق؟
أما شبعت من التيه؟
هلمّي، كلي من زادي:
فتاتُ خبزٍ لم يتآكلْ في يدِ الريح،
وخرُّوبُ مقبرةٍ عطشى.
واشربي ماءكَ من صدر الأرض،
ففي تربتي نهرٌ لم يجفْ،
وفي لحْدي مائدةُ غرباءٍ
ينامونَ على وسائدَ من غياب.
ألْقِي عنك ثيابَ الفانين،
والبَسي من كفَني
ما حاكهُ عزريلُ بخيطٍ من صمت،
فهو لا يبلى،
وهو لا يشيخ.
تعال، لقد فرشتُ لكَ مكانًا
بين ضلوعي اليابسة،
بين عظامي التي لم تنسَك يومًا،
يا أغلى من أنفاسي للهواء،
يا أطهرَ من هتافِ ديكٍ
يبشّرُ بيوم الحشر."
أمدُّ يدي نحوها،
فيلتفُّ حول أصابعي غبارُ القرون،
وتصير يدي خفيفةً
كريشةٍ في مهبّ ريح،
أخطو… فلا أرضَ تحملني،
أسيرُ على وهمٍ ممتدٍّ،
تتساقطُ تحتي المدنُ
كقطعِ زجاجٍ مكسور،
ولا يبقى إلّا وجهُها
يناديني.
أمّي…
يا آخرَ ما تبقّى لي من حكاية،
ها أنا أجيءُك محمولة
على أكتافِ صمتي،
ممزَّقَة الثياب،
غريبَة الملامح،
مفتّتَة الحلم.
سأضعُ رأسي عند ركبتكِ،
وأنامُ،
علّني أستفيقُ في غدٍ آخر،
لا يُغلقُ بابُه،
ولا يصدُّ عنّي الأصدقاء.