تخطَّ إلى المحتوى

ركب الصعاب وجازها وتغلبا

غير معروف

٣٧ بيت

المتفرقات

رَكِبَ الصِّعابَ وجازَها وتَغلَّبا

وعَلا بسَمْكِ سَمائِهِ وتقلَّبا

وبدا كما البَدْرُ المُنيرُ بظلْمَةٍ

جَلَّى بطلْعَتِهِ الفضاءَ الأرْحَبا

إنِّي افْتَقَدْتُ على الطريق قصِيْدَتي

ووجَدْتُها بيْنَ النجوم لِتُكْتَبا

فكأنَّما مِرْآةُ نفسي في السَّما

وكأنَّني قَدْ حِزْتُ فيه المَأْرَبا

مرَّتْ ليالٍ كُنْتُ قَدْ ساهَرْتُها

والبدْرُ كانَ لِيَ البعيد الأقْرَبا

فسألْتُهُ والنَّجْمُ في عَلْيائِهِ

مَنْ قَدْ أضاءَ لَكَ الهِلالَ وأنْجَبَا؟

فأجابَني... إنِّي وَليْدُ دُجُنَّةٍ

ووُلِدْتُ وضَّاءً أشُقُّ الغَيْهَبا

حمَلَتْ بِيَ الظَّلْماءُ في رَحِمِ الدُّجى

أُمِّي هِيَ واللَّيْلُ كانَ لِيَ الأبا

ووجَدْتُ مِنْ حَوْلِي السَّماءَ بِظُلْمَةٍ

فأضأتُها وجَعَلْتُها لِيْ مَلْعَبا

وتقلَّبَتْ فِيَّ اللَّيالي... تارَةً

أبْدُو هِلالاً تائِهًا مُتَحَدِّبا

أوْ تارَةً أبْدُو كبَدْرٍ نَيِّرٍ

قدْ صارَ في ثَبَجِ السَّماءِ المَطْلَبا

حتَّى إذا ما حانَ آخِرُ عَهْدِنا

كنتُ السِّرارَ مُوَدِّعًا مُتَرَقِّبا

ولَكَمْ تُحاصِرُني الغُيومُ تَلُفُّني

وتَلُفُّ هَالَةَ مَطْلَعي كَيْ أُحْجَبا

فأُمَزِّقُ الغَيْمَ الَّذي غالَبْتُهُ

وأُطِلُّ مِنْ خَلْفِ السَّحابِ مُنَقَّبا

قالَ السَّميرُ وكَمْ أنِسْتُ لِقَوْلِهِ

وتَكَلَّمَ البَدْرُ المُنيرُ وأسْهَبا

عِشْتُ الحياةَ مُنَوِّرًا في ظُلْمَةٍ

أجْلو السَّماءَ مُشَرِّقاً ومُغَرِّبا

وأطَلْتُ مِنْ سَمْعي حِيالَ كلامِهِ

وكَتَبْتُ ما أمْلى عَليَّ وغَيَّبا

ما ضرَّني أنَّ الظَّلامَ يَلُفُّني

ما عِشْتُ لَنْ أخْشَى الظَّلامَ وأرْهَبا

كَمْ دُونَ هَالةِ بَدْرِهِ مِنْ رِحْلَةٍ

أضْنَتْ لَياليْهِ وأَعْيَتْ مَنْكِبا

أنا ما شَكَوْتُ عَناءَ دَرْبي إنَّما

بَدْرٌ يُسامِرُني وشَدْوٌ أطْرَبا

وحديثُ مِرْآتي وبَوْحٌ صادِقٌ

وشَّى ليالِينا فطابَ وطَيَّبا

إنِّي رَضيْتُ مِنَ الحياةِ صِعابَها

ورَضيْتُ مِنْها ذا الطَّريقَ الأصْعَبا

فنَشَرْتُ أشْرِعَتي بوَجْهِ رِياحِها

وأبَيْتُ أنْ أخْشاهُ أوْ أتَنَقَّبا

تَجْري على اليّمِّ المُحيطِ مَراكِبي

تَعْلُو وتَهْبِطُ لا تَخافُ المَرْكَبا

إنِّي صَبَرْتُ على جِراحاتي الَّتي

ضَمَّدْتُها وَرَضيتُ أنْ أتَعَذَّبا

ليْسَتْ بأوَّلِ غُرْبَةٍ عايَشْتُها

فَلَكَمْ طَوَى زَمَنُ الحَنينِ وأتْعَبَا

زَخَرَتْ بِنَفْسِي الأُمْنِياتُ وَلَمْ أكُنْ

مُتَثاقِلاً يَوْماً ولا مُتَهَيِّبَا

فكِبارُهُنَّ على المَناكِبِ حُمِّلَتْ

وصِغارُهُنَّ على الأكُفِّ تَحَبُّبَا

وبَذَرْتُ مِنْ عُمْري بُذورَ نَباتِها

وسَقَيْتُها مِنْ نُسْغِهِ كَيْ تُعْشِبَا

وصَنَعْتُ مِنْ بَسَماتِ ثَغْري بَلْسَمًا

وسَكَبْتُ مِنْ زِقِّي الشَّرابَ الأطْيَبَا

هَذِي الحَياةُ وَلَسْتُ أوَّلَ ناكِرٍ

لِوِدادِها بَلْ لَسْتُ أوَّلَ مَنْ أَبى

تَقْتَاتُ مِنْ أعْمارِنا بِشَراهَةٍ

وتَسُحُّ مِنْ ماءِ العُيونِ لِتَشْرَبا

لَسْتُ الَّذي يَرْجُو ويَطْلُبُ وُدَّها

فوِدادُها صَعْبٌ على مَنْ قَدْ صَبا

إنِّي لتُغْريني الرِّعانُ شَوامِخًا

وتَرُدُّني إنْ كُنْتُ أرْجو السَّبْسَبا

كَمْ سَلْسَلَتْ لِيْ مِنْ جَبينِي مَاءَها

فَوَجَدْتُهُ مَاءً ألَذَّ وأعْذَبَا

عِشْتُ الحَياةَ بِحُلْوِها وبِمُرِّها

وبِنُورِ شَمْسٍ إنْ أضاءَ وإنْ خَبا

ودَّعْتُهُ وتَرَكْتُ عِنْدَ سِرارِهِ

فَجْراً يُطالِعُني وَصُبْحًا أقْرَبَا