يَا صَاحِبِيَّ ذَرَا السُّوَيْعَةَ نَعْقِلُ
نَبْكِي وَذَلِكَ لِي أَجَلُّ وَأَفْضَلُ
جِيئَا عَلَيَّ فَإِنْ حُرِمْتُمْ عَبْرَةً
لِلْبَيْنِ لَا تَهِمَا فَدَمْعِيَ يَكْفُلُ
إِنِّي لَأَنْزِعُ لِلضِّيَاعِ كَأَنَّنِي
لِلْمَنْزِلِ الْخَالِي بِهَجْرِيَ مَنْزِلُ
وَلَقَدْ وُلِدْتُ إِلَى الْحَيَاةِ وَرَاحَتِي
فِي الدَّمْعِ وَاسْأَلْ لَا يُخِيبُكَ تَسْأَلُ
مَهْلًا فَدَاؤُكُمَا الَّذِي لَا يَأْتَلِي
يَعْلُو الْمَدَى عَنْ شُغْلِهِ لَا يَغْفُلُ
أَعْطَى الذِّمَامَ لِفَتْكِهِ وَجَفَا الْكَرَى
حَذِرًا يَرُوقُ لَهُ الذَّكِيُّ الْأَبْسَلُ
لَا تَنْسَيَا تَتَزَوَّدَا إِنَّ الْفَتَى
إِنْ مَاتَ وَهْوَ مُزَوَّدٌ لَا يُعْذَلُ
مَاذَا أُؤَمِّلُ بَعْدَكُمْ وَلَدَيْكُمْ
قَلْبِي وَمَا يَحْوِي حَوَتْهُ الْأَرْحُلُ
مِنْ غَادَةٍ نَسَجَ الْجَمَالُ خُيُوطَهُ
كَرَمًا عَلَيْهَا فَهِيَ أَجْمَلُ أَجْمَلُ
خُلِقَتْ بِهِ مَا كَانَ إِلَّا رُوحُهَا
مَعْرُوضَةً تَسْعَى وَتَنْظُرُ تَقْتُلُ
نَظَرَتْ إِلَيَّ وَطَرْفُ قَلْبِي مُغْمَضٌ
وَغَدَتْ وَهَا هُوَ نَاظِرٌ يَتَأَمَّلُ
حُبِسَتْ عَلَى الْأَنْفَاسِ خَيْرَ حَبِيسَةٍ
لَوْ كَانَ مِنْهَا مَخْرَجٌ مُتَحَلَّلُ
مَا أَقْتَرِي نَفَسًا سِوَى بِصَبَابَةٍ
فِيهِ الْبُرُودُ وَمِنْهُ نَارٌ تُرْسَلُ
خَفَّتُ عَلَى مَنْ سَارَ يَحْمِلُهَا وَقَدْ
ثَقُلَتْ عَلَى قَلْبِي بِمَا لَا يُحْمَلُ
وَلَوْ أَنَّهَا وَصَلَتْ صَبَرْتُ لِعَاذِلِي
وَعَذَرْتُهَا لَكِنَّهَا لَا تُوصِلُ
إِنِّي لَآنَسُ بِالْهِلالِ لِأَنَّهُ
مِثْلِي نَحِيلٌ وَالْمُشَّوَقُ يَنْحَلُ
هَلْ كَانَ يَعْشَقُ مِثْلَمَا أَنَا عَاشِقٌ
أَوْ عَاشَ يُخْذَلُ مِثْلَمَا أَنَا أُخْذَلُ
نِلْنَا مِنَ الْإِظْلَامِ نُورًا لَا يَفِي
نَظَرِي وَرَاحِلَتِي نُزُولِيَ تَأْمُلُ
تَمْشِي وَيُوقِفُهَا تَأَوُّهُ فُرْجَةٍ
مِنِّي وَيُعْجِبُهَا غَدَاةَ نُضَلَّلُ
وَالطَّيْرُ نَائِمَةُ الْجُفُونِ وَسَمْعُهَا
مُسْتَيْقِظٌ يَصْغِي إِلَى مَا يُقْبِلُ
أَرْهَبْتُهَا وَأَرَاعَنِي لُمَّتْ عَلَى
حَذَرٍ لِيَجْمَعَهَا الْأَذَلُّ الْأَعْزَلُ
خَوْفٌ بَدَا فِي الْقَلْبِ قَبْلَ فَعَالِهَا
تَعْلُو وَيُلْزِمُهَا النُّزُولَ الْحَسْكَلُ
فِي بَاسِقَاتٍ أَطْلَقَتْ أَغْصَانَهَا
فَتَشَابَكَتْ وَتَعَرَّضَتْ تَسْتَقْبِلُ
فَكَأَنَّهَا جَعْدًا ذَوَائِبُ غَادَةٍ
نَامَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ شَعْرٌ مُهْمَلُ
أَطَأُ الْحَضِيضَ كَسَتْهُ مِنْ أَوْرَاقِهَا
جَفَّتْ تُحَدِّثُهَا بِذَاكَ الْأَرْجُلُ
لَيْلٌ عَلَى لَيْلٍ بِتِلْكَ كَثِيفَةٍ
يَزْجِى الظَّلَامَ عَلَى الظَّلَامِ الْأَوَّلُ
ظُلُمَاتُهُ مُمْتَدَّةٌ مِنْ عُرْيِهَا
كُسِيَتْ وَغَارَتْ فِي غَيَاهِبَ تَرْفُلُ
وَغَدَتْ تَزَوَّدُ كُلَّمَا جِئْنَا عَلَى
وَادٍ وَأَيْنَ نَزَلْتُ مَالَتْ تَنْزِلُ
حَتَّى إِذَا اتَّسَعَ السَّبِيلُ بَدَا لَنَا
جَمْعٌ مِنَ السِّيدَانِ فِيهِ مُمَوَّلُ
بِالسَّمْعِ رَاقَبَنَا وَبِالْعَيْنِ الْتَهَى
عَنَّا يُشَاغِلُهُ عَشَاءٌ مُطْفِلُ
يُرْضِي الشَّهِيَّةَ بِالْحِرَاكِ وَإِنَّمَا
لَا يَأْكُلُ الْإِنْسَانُ مِمَّا يَأْكُلُ
وَقَوِيُّهُمْ بِالنَّابِ يُنْفَلُ وَالَّذِي
ضَعُفَتْ شَرَاسَتُهُ بِعَيْنٍ يُنْفَلُ
مِنْ سَبْعَةٍ وَالْغَدْرُ ثَامِنُ جَمْعِهِمْ
وَكَأَنَّهُمْ وَبِمَا عَلَيْهِمْ عُزَّلُ
مَا قَدْ دَرَوْا أَنَّ النَّهَارَ مِلَاكُنَا
وَاللَّيْلُ مُلْكُهُمُ الَّذِي لَا يُنْقَلُ
وَرِثُوا الطَّبَاعَ فَنُبِّئُوا أَنَّ الدُّجَى
حِصْنٌ لِذَاكَ الطَّبْعِ لَوْ هُوَ أَطْوَلُ
فَزِعَ الصِّحَابُ وَقَدْ أَشَارَ عَمَلَّسٌ
الْآنَ مَوْعِدُكُمْ فَمَنْ يَسْتَرْجِلُ
وَعَوَى لِيَجْمَعَ حِلْفَهُ فَتَلَاحَقَتْ
لِلْحِلْفِ أُمَّةُ غَادِرٍ يَتَغَوَّلُ
وَيَدِي عَلَى السَّمْرَاءِ مَعْدِنُهَا اللَّظَى
تَحْتَ الْحَدِيدِ غَرِيبَةٌ لَا تَعْقِلُ
غَازَلْتُهَا حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَيْنُهَا
بِالْأُفْقِ ثُمَّ نَطَقْتُهَا تَتَقَوَّلُ
فَتَكَلَّمَتْ عُجْمِيَّةً فَأَجَابَهَا
عِرْنِينُ رَاسِيَةٍ كَأَنْ تَتَزَلْزَلُ
نُطْقٌ تَقَادُ بِهِ الدَّوَاهِي وَالصَّدَى
ذِكْرٌ بِمَا كَانَ الدَّوَاهِي تَفْعَلُ
أَنْطَقْتُ أَلْسِنَةَ الْجِبَالِ وَلَيْتَنِي
أَنْطَقْتُ عَصْرِي أَيْنَ فِيكَ الْمَأْمَلُ
زَمَنٌ مَقَامِي فِيهِ صَارَ أَذَلَّ مِنْ
ذِئْبٍ لَهُ بَطْنُ الْأَيَائِلِ مَنْزِلُ
أَمْشِي بِهِ أَقْضِي اللَّبَانَةَ نَاظِرًا
عِزًّا يَطِيرُ وَمُعْدَمًا يَتَرَجَّلُ
وَكَأَنَّ أَقْدَامِي تَشُكُّ إِذْ مَشَتْ
بِثَبَاتِ يَابِسَةٍ تَسِيرُ تَمَهَّلُ
لَوْ زِيدَ فِي عَدَدِ الْمَكَانِ زَمَانُنَا
لَرَأَيْتَ جِيلًا فِي التَّزَاحُمِ يَأْكُلُ
وَرَأَيْتَ أَفْقَرَنَا يَمُوتُ مُعَلَّقًا
لَا أَنْ يَمُوتَ كَمَا نُشَاهِدُ يُقْتَلُ
لِي مِنْ سُرُورٍ مَا لِمَيْتٍ مِنْ رِضًا
يَغْشَاهُ وَهْوَ مُمَدَّدٌ أَوْ مُحْمَلُ
يَعْلُو عَلَيَّ بِمَالِهِ مَنْ لَوْ أَتَى
فَرْدًا وَجِئْتُ لَتُقْعِدَنْهُ الْأَرْجُلُ
أَعْطَاكَ دَهْرُكَ يَا أَخِي فَاصْدِمْ عَلَى
مَنْ تَسْتَطِيعُ وَسُدْ عَلَى مَنْ يُرْذَلُ
وَهِيَ الْحَيَاةُ كَمَا عَلِمْتَ وَإِنَّمَا
عِنْدِي رَقِيبٌ مِنْ حَيَائِي يَخْذُلُ
قَدْ مَاتَ أَخْيَارُ الشَّبَابِ وَلَا غِنَى
أَنْ يُقْطَفَنَّ مِنَ الْوُرُودِ الْأَجْمَلُ
وَلَئِنْ هَلَكْتُ عَلَى ضِيَاعِي لَاحِقًا
فَالْيَوْمَ أَبْصَرُكُمْ إِزَائِيَ أَحْوَلُ
لَا يُبْتَلَى إِلَّا الَّذِي عَرَفَ الْبَلَا
إِنَّ الْجَهُولَ بِجَهْلِهِ مُتَظَلِّلُ
وَالْمَوْتُ مِغْزَلُ مَرْحَمَاتٍ إِنَّمَا
لِلْعَارِ إِنْ شِئْتَ التَّذَلُّلَ يَغْزِلُ
لَا يَنْفَعُ الْإِنْسَانُ إِلَّا نَفْسَهُ
وَالنَّفْسُ عَنْهُ لَدَى الْمَنَافِعِ تُشْغَلُ
وَالْعَيْنُ تَبْكِي لِلتَّذَكُّرِ وَحْدَهُ
فَإِذَا غَفَلْتُ فَدَمْعُهَا لَا يَغْفُلُ