مَرَرْتُ بِطَلْحٍ فِي البَسَاتِينِ عُمِّرَا
سِنِينَ مِنَ الدَّهْرِ على لون اخضرا
بِأَخْصَابِ نَجْدٍ لاجْتَمَعَ فِيهَا وَادِيَا
عَلَى صَفْحَةِ الدَّهْنَاءِ جَالاً وَمَحْجَرَا
ظِلَالٌ لَهُ فِي كُلِّ غَيْضٍ وَنَاحِيَةٍ
غُصُونٌ كَسَقْفٍ فِي الذُّرَى قَدْ تَصَوَّرَا
تُمَاسُكُهُ فَيَّاضُ رَوْضٍ وَأَشْعَبُ
يُشَابِهُ قَوْماً مِنْ بَنِي بَيْتِ عَامِرَا
وَفِي طَلْحِهِ القُمْرِيُّ زَوْجاً وَمُفْرَدَا
يُرِيحُ بِظِلٍّ بَعْدَ جَمْعٍ تَنَاشَرَا
وَفِيهِ مِنَ الصُّفَّارِ طَيْرٌ مُزَوَّجٌ
يُضِيفُ جَمَالاً كُلَّمَا حَلَّ قَاطِرَا
وَأَسْرَابُ طَيْرٍ دُخَّلٍ فِي شُكَالِهِ
يُطَرِّبُ جُلَّاساً وَيُضْفِي نَوَادِرَا
وَمَا مَرَّ فِي ذَاكَ المَكَانِ مُسَافِرٌ
يُلاقي مَقِيلاً فِي الفَلا قَدْ تَكَوَّرَا
وَيَرْتَاحُ فِيهَا عَابِرُوهَا بِسُبْلِهِمْ
وَتَهْدِي لَهُمْ بَرْداً نَسِيماً مُعَطَّرَا
عَلَى مَدِّ عَيْنَيْكَ مِنَ السِّدْرِ سَاتِرٌ
يُمَاسِحُ طَلْحاً فَوْقَ رَمْلٍ تَبَهْجَرَا
ويصنعُ واحاتٍ من الروضِ ملهماً
كجناتِ أغمياتٍ زادت تبخترا
فَيُمْسِكُ فِيهَا المَاءَ دَهْراً يَسَاقُهَا
وَيُنْبِتُ فِيهَا الوَرْدَ فِيهَا لِفَنْدَرَا
رَوَابٍ تَسَاقِيهَا مِنَ المَاءِ أَوْسُمٌ
بِسَيْلٍ ضَفَاهَا فِي شِعَابٍ مُسَيَّرَا
عَلَى مَنْشَأِ الخَيْرِ العَمِيمِ تَهَلَّلَتْ
عَلَى صُورَةِ الأَرْضِ الجَلِيَّةِ نُورَا
إِذَا مَا السَّمَاءُ أَسْكَبَتْ مِنْ وَدَائِقٍ
تُسَاقِي قَرَارَاتٍ مِنَ الأَرْضِ مُمْطَرَا
كَأَنَّ الصُّحُونَ الغُرَّ فِي أَرْضِ جَالِهَا
تُحَاكِي شُعَاعَ الشَّمْسِ لَمْعَ الخَنَاجِرَا
عَلَى جَمْعِ مَاءٍ تَرْتَوِي كُلُّ نَبْتَةٍ
وَيَمْلَأُ مِنْهُ الجِذْعُ لِلغُصْنِ عَابِرَا
يُشَعْشِعُ مِنْهَا كُلُّ ضَوْءٍ يُشَاكِلُ
جَمَالاً رَسَى مِنْ فَوْقِ جَالٍ مُحَجَّرَا
وَجَالٌ لَهَا حِصْنٌ لِمَنْ بَاتَ يَحْتَمِي
كَطَيْرٍ لِيَسْتَعْدَّ فِي الرَّوَاحِ مُهَاجِرَا
كَأَنَّ الصُّخُورَ تَسْبَحُ وَسْطَ مَنْقَعٍ
عَلَامَاتُ قَصْرٍ فِي سَرَابِ الهَوَاجِرَا
إِذَا مَا شَرِبْنَا مِنْ عُلَاهَا بِرَشْفَةٍ
كَأَنَّ المِيَاهَ السَّلْسَبِيلَا تَقَطَّرَا
وَإِنْ تَرْفَعِ المَاءَ زُلَالاً وَطُهْرَةً
يَفِيضُ نَقَاهُ مِنْ بَنَانٍ وَأَظْفُرَا
كَأَنَّ الصَّفَاءَ بَيْنَ كَفَّيْكَ يَجْمَعُ
قِطَارَ النَّدَى مِنْ بَيْنِ وَرْدٍ وَأَثْمُرَا
وَلِلْعَيْنِ مَرْأَى مِنْ سَرَاهَا وَمَوْئِلٌ
عَلَى كُلِّ نَظْرَاتٍ غَشَاهَا وَأَكْبَرَا
فَحَتَّى إِذَا سِرْتُ الشَّمَالَ مُيَمِّماً
عَلَى رَمْلَةِ الدَّهْنَا كَثِيباً وَأَصْفَرَا
تُحَاكِي عَلَى مَوْجِ البُحُورِ تَرَاكُباً
فَقَدْ يَجْمَعُ الِاثْنَيْنِ رِيحٌ شَوَادِرَا
رِيَاحٌ تُثِيرُ المَوْجَ وَهْيَ بِدَوْرِهَا
تُثِيرُ الرِّمَالَ الكُثْبَ مِنْ وَقْتِ لآخَرَا
وَتَنْقُلُهَا عَبْرَ الأَثِيرِ تَوَاجُداً
عَلَى شَكْلِ هِلَالٍ مِنَ الرَّسْمِ صَاغِرَا
غَرَامِيلُ رَمْلٍ تَبْتَدِيهَا وَتُسْبِلُ
رِدَاءً مِنَ الرَّمْلِ مَعَ كُلِّ ثَائِرَا
وَتُضْفِي عَلَى النَّفْسِ بَهَاءً وَمَنْعَماً
وَتُنْشِي مِنَ القَلْبِ صَفَاءً مَشَاعِرَا
تُرَاكِبُ أَلْوَانًا مِنَ الخَلْقِ أُكْمِلَتْ
تَدَاخُلُ أَحْجَارٍ بِرَمْلٍ وَأَشْجُرَا
وَيَكْسِرُ مِنْهَا شِعْبُ خَيْلٍ وَبِرْكَةٍ
تَفِيضُ بُحُوراً فِي رِمَالٍ غَمَائِرَا
يُحَانِي عَلَيْهَا مِنْ شَمَالٍ وَيَحْرُسُ
كَأَنَّ المُحَامِي عَنْ صَدِيقٍ مُقَاصِرَا
بِمَغْمِيَّةِ الطَّلْحِ الحُسَيْنَةِ سِيلُهُ
يُحَاكِي رَضَاعاً مِنْ وَفَا الأُمِّ بَاكِرَا
فَإِنْ يَرْتَوِي مِنْهَا خَوَالٍ وَمَرْتَعٌ
يُعَاوِدُ سَيْراً فِي الشَّغَايَا تَوَاتَرَا
عَلَى جَانِبِ الدَّهْنَا أَغْصَانُ عُشَّرٍ
يَمِينٌ لَهَا سَهْلٌ وَيُسْرَى مُعَسِّرَا
يَسُودُ مِنَ الزُّرَّاعِ نَخْلٌ وَحِنْطَةٌ
وَيَغْشَاهُ حُسْناً مَعْ نَبَاتٍ ذَرَائِرَا
يَحِيرُ عَلَيْهِ مِنْ سُيُولٍ تَحَدَّرَتْ
وَيُرْكِي عَلَى الدَّهْنَا يَمِيناً وَمَعْبَرَا
يَفِيضُ مِنَ اليَنْبُوعِ سِيحٌ وَمَنْبَعٌ
مِنَ الأَرْضِ مَاءٌ مِنْ زُلَالٍ مُقَنْطَرَا
عَدِيدٌ مِنَ الآبَارِ قِدْماً وَمُحْدَثاً
عَلَى شِعْبِهَا الوُسْطِيِّ فِيهِ المَشَاجِرَا
وَبِئْرٌ عَلَى دَرْبِ الحَجِيجِ مِنَ القِدَمْ
عَلَى جَانِبِ الشِّعْبِ الأَخِيرِ مُشَرْشَرَا
عَلَى مَرِّ دَهْرٍ مِنْ حَيَاةٍ تَقَدَّمَا
عَلَى مَرِّ أَلْفٍ مِنْ سِنِينَ وَأَكْثَرَا
يَرُوحُ وَفَاءً مَعْ صَبَاحٍ وَمُمْسِيَا
طُيُورٌ عَلَيْهَا مِنْ حَمَامٍ خَوَاضِرَا
وَفِي فَيْضَةِ الرَّمْلِ القَصِيَّةِ تَكْمُلٌ
عَلَيْهَا تَبَاجِيلٌ مِنَ الرَّبِّ صَادِرَا
تُلاحِفُ مِنْهَا كَثْبُ رَمْلٍ كَوَاثِبٍ
كَأَنَّ رُسُوماً فِي خَيَالٍ مُسَطَّرَا
وَتَسْكُنُهَا غَرْباً شَمَالاً مَنَارَةٌ
مِنَ الطَّلْحَةِ الكُبْرَى إِمَاماً وَنَائِرَا
عَلَيْهَا وُكُورٌ لِلطُّيُورِ كَبِيرَةٌ
وَأَوْرَاقُهَا مِنْ غُصْنِهَا كَالخَوَافِرَا
وَتَنْشُرُ بَيْنَ الغُصْنِ ظِلّاً مُظَلَّلاً
لِمَنْ جَاءَ بِالأَوْرَاقِ حُسْناً مُحَافِرَا
كَأَنَّ الرُّجُومَ السُّودَ لَوْنٌ لِقَادِمٍ
تُلَوِّحُ لِوَاءً فِي سَلَامِ المُسَافِرَا
إِذَا مَا المَسَاءُ حَلَّ لَيْلٌ وَأَظْلَمَا
وَزَانَتْ بِنَا مِنْ جَوِّهَا وَالتَّسَامُرَا
وَبَانَتْ نُجُومٌ فِي جَمَالٍ وَأَشْهُبٍ
وَأَضْفَى نَسِيمُ الجَوِّ لَحْنَ الحَوَائِرَا
وَطَابَ نَسِيمٌ مِنْ عَلَى الكَوْنِ رَاشِحٌ
يُبَارِي تَعَاطِيرَا مِنَ الوَرْدِ صَادِرَا
نَرُوحُ عَلَى صَفْوٍ مِنَ الحَالِ جَامِعٍ
لِكُلِّ المَعَانِي فِي صَفَاهَا وَمَخْبَرَا
وَيَغْشَى مِنَ الْعَيْنِ نُعَاسٌ وَغَفْوَةٌ
مَعَ الطَّالِعِ الْمُبْدِي نُجُومًا بَوَادِرَا
عَلَى فَيْضَةِ الوُسْطَى جَلَسْتُ مُفَكِّراً
وَأَشْعَلْتُ نَارِي مِنْ رَفَاهَا وَأَصْغَرَا
تُلَاعِبُنِي مِنْهَا طُيُورٌ مَخَامِصٌ
وَتُطْرِبُنِي نَغْمًا مِنَ الوُدِّ مُعْطَرَا
إِذَا مَا شَجَانِي مِنْ لِحَانٍ بِنَبْرَةٍ
تَخَيَّلْتُ أَنِّي فِي رُبَا الحُبِّ مُجْبَرَا
أَسِيرُ عَلَى فُرْشٍ مِنَ القَزِّ مُورَثٍ
وَفَوْقِي قِبَابٌ فِي قُصُورٍ وَمِنْبَرَا
عَلَى النَّايِفَةِ حَوْلِي وَقَارٌ وَهَيْبَةٌ
تُحَاكِي عُيُونَ الحُبِّ مِنِّي كَوَاسِرَا
عُيُونٌ عَلَيْهَا مِنْ وَفَا القَلْبِ صَامِتٌ
كَأَنَّ المَقَامَ مِنْ خَفَاهَا سَوَاهِرَا
عَلَى جَانِبٍ مِنْهَا مَصَابِيحُ أَذْرُعٍ
ثَمَانٍ مِنَ اليُمْنَى وَأُخْرَى تَيَاسُرَا
تَدُوسُ بِأَقْدَامٍ حَرِيراً وَكَادِيَا
وَيَدْنُو عَلَيْهَا كُلُّ زُخْرُفِ سَادِرَا
وَيَعْلُو جَبِينَ البَدْرِ عِقْدٌ وَهَامَةٌ
عَلَى شَكْلِ تَاجٍ كَانَ فِي الرَّأْسِ دَائِرَا
تَلَأْلَأَ صُفراً مُذْهَبًا شَكْلَ بَارِقٍ
يُشَكُّ بِهِ الْيَاقُوتُ زُرْقًا وَأَحْمَرَا
تَصُفُّ عَلَى شَكْلٍ مِنَ الكُتْبِ مُفْتَحٍ
وَفِي وَاسِطٍ مِنْهَا زُمُرُّدُ مُحَرَّرَا
كَأَنَّ الجَمَالَ مِنْ عَلَى القَامِ مُقْبِلٌ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ حَوَالَي مَحْضَرَا
وَعِنْدَ الْمُقَامِ بَيْنَنَا رَسْمُ حَاجِزٍ
يُرَاعَى عَلَى صَوْتِي رِفَادًا سَوَاتِرَا
عَلَى كُلِّ مَا أَمْشِي إِلَيْهَا يَعُوقُنِي
مَسَافَاتُ تُبْعِدُهَا عَلَى بُعْدِ نَاظِرَا
تُبَاعِدُ عَنِّي قَاصِياً مِنْ مَكَانِيَا
وَتُبْقِي عَلَيْهَا مَجْلِسَ العِزِّ مَا انْبَرَا
فَحَتَّى إِذَا مَا رَاحَ طَيْفٌ وَجَافَنِي
صَحَوْتُ مِنَ الْخَيَالِ مَا كَانَ دَائِرَا
وَرَاحَتْ غِشَاوَاتٌ مِنَ النَّوْمِ تَالِيَا
وَرُحْتُ أُمَاشِي فِي طِلَاحٍ نَوَادِرَا
كَأَنِّي أُؤَاخِيهَا جَلَالاً وَصُحْبَةً
كَأَنَّ الطِّلَاحَ الجُمْدَ لِلنُّطْقِ قَادِرَا
كَأَنَّهَا تَحْكِي لِي سَلَامًا وَنِشْدَةً
تُسَائِلُ عَنْ أَحْوَالِيَ مِنْ كُلِّ بَادِرَا
فَتِلْكَ حَيَاةٌ مِنْ عَلَى كُلِّ لَحْظَةٍ
تُغَافِيكَ يَوْماً وَالتَّوَالِي سَوَافِرَا
تَدُولُ بِنَا الأَيَّامُ فِي كُلِّ غَارِبٍ
وَيُقْضَى بِأَيَّامٍ عَلَى عَصْرِ غَابِرَا
وَيُعْطَى أُنَاسٌ مِنْ حَلَاهَا وَمَحْفَلٍ
وَيَقْصُرُ عَنْهَا نَاشِدٌ فِي كَوَادِرَا
وَأَرْزَاقُهَا قَسْمٌ مِنَ اللهِ مُكْمَلٌ
خَفَايَا مِنَ المَكْتُوبِ مِنْ عِنْدِ غَافِرَا