أَبنائي أنتمْ في فُؤادي ومُهجَتي..
مِنِّي سلامي عليكمو وتَحِيَّتي
أنتُمْ عَبيرُ الرُوحِ بَينَ نَسَائِمي..
وشَذَى الزُهورِ إذا تَوارتْ زَهرتي
أوصِيكموا بالخَيرِ إنَّي ناصحٌ..
بالرِفقِ والإحسانِ تِلكَ وَصيَّتي
لا تقطعوا حَبْلَ الوُدادِ فإنَّهُ..
رُوحُ الأُخوةِ إنْ أردتمْ صُحبَتي
ولتَلزموا الدِينَ الحَنيفَ وشَرْعَهُ..
ولتحفظوا نصَّ الكِتَابِ وذِكْرَتي
وإذا المَشِيبُ أتَى يُهَروِلُ غازيًا..
فَلتَرحموا وَهْنَ العِظامِ وشَيْبَتي
وإذا المَنايا أقْبَلَتْ في غُصَّةٍ..
فَتَذَكَّروا عِندَ المَنِيَّةِ مِحنَتي
مُسْتَفتِحًا باللهِ أرجو عَفوَهُ..
مُستَغْفِرًا كُلِّ الذُنُوبِ وذِلَّتي
يا رَبِّ فارحَمْ أنتَ تَعلَمُ مَقْصِدِي..
إنِّيِ ضَعيفٌ، مِنكَ أَنشُدُ قُوَّتي
أولادي أنتُمْ في عُيوني عليكمو..
أَطْبَقْتُ جَفني، وقد سَكنتمْ مُقلتيِ
فإذا رأيتُمْ أَنَّني في عِلَّةٍ..
أصبَحتُ ثِقلًا واستدامَتْ حَيْرَتي
فَلتَذكروا بَعضَ الَّذي قدْ نلتموا..
مِنْ عَطْفِيَ وحَنانِيَ ورِعايَتي
وعليكمو بالبِّرِ للأُمِّ الَّتي..
بَينَ الحَنايا شاركَتني رِحلتي
فَهِيَ الَّتي قَدْ أثْقَلَتْ في حَمْلِها..
ولَدى الوُلادَةِ شَارَفَتْ للسَكْرةِ
وَهْنًا على وَهْنٍ تَناثرَ عُمْرُها..
وغَدا خَريفًا، فيهِ أَشهَدُ قِصَّتي
يا مَريمُ هَل تذكرينَ بأنَّني..
يومًا حَمَلتُكِ في الطَوافِ وعُمْرَتي
سَبْعَا منَ الأشواطِ سِرتُ مُهَرْوِلًا..
والشَوْطُ مِثلُ العُمْرِ فيهِ نِهايَتي
رُغمَ الزِحَامِ فقد جَعلتُكِ حِينَها..
فوقَ الجَبينِ، وكُنتِ سِرَّ سَعادَتي
وقتَ الصَلاةِ جَلَسْنَا نَذكرُ رَبَنا..
والرُكنُ يَبرُزُ قد أَتَى في وِجهَتي
فَانتابَني شَغَفٌ بأنْ تَصِلِي لَهُ..
لِتُقَبِّليهِ، ونِلتِ أنتِ قُبْلَتي
فَشَكَرتُ رَبَّي حِينها مُتَبَتلًا..
وحارِسَ الحَجَرِ الكَريمِ الخِصْلَةِ
فتَذَكَّري تِلكَ المَواقِفَ كُلَّها..
فَلَرُبَّما عَزَّ اللِّقاءُ بُنَيَّتي
نُورانُ أنتِ النورُ بَينَ جَوانِحي..
وخَمِيلَةُ البُسْتانِ أنتِ زَهرَتي
مَازِلتُ أذكُرُ حِينَ كُنتِ صَغِيرةً..
وَالوَجهُ مِثلُ البَدرِ يٌطرِبُ نَظرَتي
كُلُّ الحُروفِ تَبدَّلَتْ في ثَغرِكِ..
وازدانتِ الكَلِمَاتُ تَسْبِقُ خُطوَتي
كَمْ كُنتُ أَرمقُ في العُيونِ مَحّبَّةً..
لكِ في القلوبِ مَوَدَّةً كَمَوَدَّتي
هَل تَذكُرينَ العُمرَةَ الغَرَّاءَ كَمْ..
طَارَ الفُؤادُ إذْ فَقَدتُ مَليكَتي
فَأَخَذتُ أبحَثُ في الدُروبِ مُكَرِّرًا..
وفي الوُجوهِ لَعَلِّيِ أَنشُدُ ضَالَّتي
كَمْ سِرنا في الحَرَمِ سَويًّا خِلسَةً..
وكَمْ حَمَلتُكِ في الصَفَا والمَروَةِ
والبَابُ أُغلِقَ تَارَةً في وَجهِنا..
حِينَ وَصلنا البَيتَ وَقتَ الذُروَةِ
بِجِوارِ أجيادِ انتظَرنا دَوْرَنَا..
فَشَرِبنا زَمزَمَ واقتَسَمتُكِ تَمرَتي
مُحَمَّدٌ قلبي يَثورُ مِنَ الجَوى..
وَلَدِي حَمَاكَ اللهُ أنتَ بَقِيَّتي
أنتَ امتدادي حِينَ يَنقطِعُ المُنَى..
مِنِّي وأنتَ الوَصْلُ عِندَ مَنيَّتي
فَلتَلزَمِ الإخلاصَ والخَيرَ الَّذي..
فِيهِ اصطَنَعتُكَ مُمسِكًا بِرِسَالَتي
أطعَمتُكَ الحِلَّ الكَريمَ الطَيِّبَ..
وزَرَعْتُ فِيكَ الخَيرَ تِلكَ مُهِمَّتي
وعلى الإلهِ عَزَمتُ أَمْري جاهدًا..
عَلِّي أنالُ الأجرَ بَعدَ نِهايَتي
أوصِيكَ لا تنسى الوَصيَّةَ إنَّني..
أمَّلْتُ فيكَ الخَيرَ تُحْسِنُ صُحبَتي
وكُنِ الكَبيرَ إذا حَكَمتَ فَمُقْسِطٌ..
وَارعَ الصَغيرَ، وكُلُّكُم بِرَعِيَتي
أإبراهيمُ يا قَمَريِ الصَغيرَ..
البَدرُ أنتَ، جِئتَ تمحو ظُلمَتي
إنّي أخافُ عَليكَ منْ نَسْمِ الهوا..
وإذا شَكوْتَ يَزيدُ هَمِّي ولَوْعَتي
تَنتابُني أَنَّى سَقِمتَ مَرارةٌ..
ويَذوبُ قَلبي، وتَستَفيضُ شِكايَتي
بُنَيَّ كُنْ وَقتَ الشَدائِدِ قُوَّةً..
وانثُرْ بذورَ الخَيرِ بينَ أَحِبَّتي
أنتَ الصَغيرُ ورُبَّما شَاءَ القضا..
فإذا حَكَمْتَ فلا تُخَالِفَ حِكمَتي
كُنْ مُستعينًا بالعَلِيمِ فإنَّهُ..
يَهديِ السَبيلَ ومِنهُ أطلُبُ حاجَتي
للهِ دَرُّكَ أىْ بُنَيَّ فكُنْ كَذا..
صوتَ المُروءَةِ إنْ تَعالتْ صَيْحَتي
بُنَيَّتي جُوَيريةُ الصَغيرَةْ..
آنَستِ روحي إذ وُلدْتِ حَبيبَتي
كان انتظارُكِ مِثلَ حُلمٍ قَد أَتى..
فَازدانتِ الأيَّامُ تَحكي فَرحَتي
شاءَ الكَريمُ بأنْ تَكوني زَهرَةً..
فإذا يَشاءُ فَتِلكَ عَينُ مَشيئَتى
فاللهُ قدَّرَ أنْ تكوني بَيننا..
رُغمَ العَوائِقِ والشِدادِ ولَوْعَتي
قَد جِئتِ في يَومٍ كَريمٍ طَيِّبٍ..
وكذا بِشَهرِ اللهِ في ذي الحِجَّةِ
أراكِ رِزقُ اللهِ، مِنهُ رَحمةً..
كَم لاحتِ الأفراحُ مِنكِ صَغيرتي
وَصِيَّتي لَكمو جَميعًا إنْ أتَى..
سَهمُ المَنِيَّةِ فاطلبوا لي رَحمَتي
وَعَليكمو بِالبِرِّ والتَقوى هُنا..
كَي تَسعَدوا وتنالوا بَردَ الجَنَّةِ
وادعوا الكَريمَ بِأنْ نَنالَ شَفاعَةً..
ننعَمْ بطِيبِ العَيشِ بَينَ الصُحبَةِ
أَولادي ما عُدتُ أَطيقُ فِراقَكُمْ..
كَمْ ذُقتُ مِنْ أَلَمِ الفِراقِ وغُربَتي
فَتَذَكَّروا أنِّي لأَجلِ نَعيمِكُمْ..
قَد بِعْتُ عُمْري والهُدوءَ وَراحَتي
وعليكمو بِالصَبرِ إنْ حَلَّ القَضا..
كَمْ كانَ صبريِ مُنقِذًا في وَحدَتي
وَكَذا جَزاءُ الصابِرينَ إلى العُلا..
بِلا حِسابٍ فَأخُذوا بِنَصِيحَتي
فَالصَبرُ مِفتاحُ السَعادَةِ كُلِّها..
ورِضا الكَريمِ هُوَ منايَ وَغايَتي
فَاستَمسِكوا بالخَيرِ تَجنوا غَرسَهُ..
واستَعصِموا باللهِ وَقتَ الشِدَّةِ
لا تَركنوا للدُنيا إنْ ضَحِكَت لَكُمْ..
فَلَكَمْ تَتَابَعَ غَدرُها في ضِحكَتي
إنَّ السَعَادَةَ كُلَّها في هَجْرِها..
والخَيرَ، كُلُّ الخَيرِ في أُرجُوزَتي
فلَقَدْ نَظَمْتُ حُروفَها بِفُؤادِيَ..
إرثًا إلى أَبْنائي، أنقِلُ خِبرَتي
عَلَّ الجَمِيعَ يَطيبُ نَفسًا نَحوَها..
وَتَكونُ حِرزًا في مِدادِ صَحِيفَتي
رُحماكَ رَبِّي إِنَّ قَلبيِ مُوجَعٌ..
فَاقْبَلْ رَجائي وانكِسَاري وعَبْرَتي
فَالحَمدُ للهِ الَّذي مِنهُ الهُدَى..
أَزكَى الصَلاةِ عَلى حَبيبَي وَقُدوَتي