تخطَّ إلى المحتوى

إني اعتصرت مدامعي من مهجتي

غير معروف

٣٧ بيت

المتفرقات

إني اعتصرتُ مدامعي من مهجتي

وسكبتها لخواطري قربانا

وأقمتُ محرابي وكان خطيئةً

عند الورى فأحلْتُه إيمانا

لي مذهبُ الغرِّيد أنشد فرحتي

وشقاوتي وأبثُّها ألحانا

أنا طائرٌ متفرِّدٌ بصبابةٍ

فاضت على أنغامه تَحنانا

يا هذه الدنيا «عشقتك» مخلصًا

وتَخِذْتُ بين رياضك الأفنانا

لي ذلك الأفقُ المذهَّب والضحى

والفجر يخفق والدجى سهمانا

لي هذه الشمسُ الكبيرة أحرقتْ

سُحبًا هَمَتْ فوق الثرى إحسانا

لي ذلك البحر العظيمُ وما طَوَتْ

أحلامُه فرحانَ، أو غضبانا

هذي السماء تجمَّلت لي فارتَدَتْ

عند الغروب وشاحَها ألوانا

وتزيّنت لي في الظلام، فنسَّقتْ

بالأنجم النشوى لها تيجانا

الليلُ كم أوقفتُه مترنّحًا

والنايُ كم صيَّرته سكرانا!

والنورُ كم أذهلتُهُ فتقدّمت

منه بشائرُ تغمرُ الأكوانا!

والزهرُ كم أرقصته فتفتَّحت

أكمامه وتضوَّعت بستانا!

هذي أغاريدي فسل عنها الهوى

والحبَّ ، والأفراحَ، والأحزانا

إني وهبت لكل معنًى غنوةً

وأقمت تمثالاً له فتَّانا

غنّيت حتى للدمامة مرسلاً

في كلِّ ناحيةٍ دَمي ألحانا

هذي أغاريدي فكيف بحبسها

وأغصُّ لا أرضى لها إذعانا

هذي أغاريدي فكيف بحبسها

وأرى الدنا قد أرهفت آذانا

هذي أغاريدي تفور بأضلعي

وتشقّ منفسحًا لها ظمآنا

لبيك يا قلمي مُسطِّر شِقوتي

ومَسرَّتي للخالدين بيانا

لبيك يا قلمي غمستك في دمي

وبثثت منك مشاعري ألوانا

أنا لا أُغنّي للجمادات التي

ضاقت بها تلك القبور هوانا

تمشي فتحسبها نفوسًا إنها

كُتَلٌ تدبُّ على الثرى أبدانا

هل غيَّضوا النهرَ المبارك سيره

أم صيَّروا هذا السحاب دخانا؟

هل أوقفوا ركب الحياة؟ وأطفؤوا

شمس الأصيل؟ وبدَّلوا الإنسانا؟

هل صيّروا الليل البهيم صحيفةً

بيضاءَ؟ أم هل أنبتوا الكثبانا؟

هيهات لن يقووا على حبس الذي

في خاطري متدفِّقًا هتّانًا

أنا طارحٌ عنيِّ عباءة مجدهم

ولقد أتيت أشيله أكفانا

خلعتْ لأشواقي الحياةُ قناعها

وأباحتِ السرَّ الخبيء عِيانا

وتسرَّب الوجدان بي متغلغلاً

خلف المدى، متطلّعًا، حيرانا

يا روحَ هذا الكون إني عابدٌ

لكِ، ناثرٌ صلواته قربانا

أستقبل الدنيا، وفي شبابتي

نغمٌ يقدِّس ما أرى ألحانا

وأحبّ هذا السهل منبسطًا، كما

أهوى الجبال، وأعشق الوديانا

وأقاسم الليلَ الحزين شجونه

وأساجل الفجر الجميلَ حنانا

وأطير حتى أستحيل غمامةً

وأرفّ طيرًا شاديًا لهفانا

قد عشتُ هذا الكون بين جوانحي

وتمثَّلتْه مشاعري ألوانا

حرّيتي ملكي ولستُ مخلِّفًا

إلا السجونَ وخلفها السجّانا