أيبلغُ نظمٌ أو يحيطُ نثيرُ
بآياتِ قومي؟ إنها لكثيرُ
لنا وطنٌ للضيفِ بين رِحابهِ
قُصورٌ، وللأعداءِ فيه قُبور
تُحيطُ به أبناءُ فرعونَ إنهم
يسيرون حيث المكرماتُ تُشير
بهاليلُ خَوّاضون في كلِّ حادثٍ
كأنهمُ يومَ النزال صُقور
من الأممِ اللاّتي لها في ديارها
أغانٍ، وفي صدر الجيوش زئير!
سلالةُ قومٍ كلُّهم بين قومِه
أميرٌ له في المَكْرمات أمور
رَواسخُ إلا أنهم من ثباتِهم
تَعلَّمَ هذا الدهرُ كيف يدور!
همُ ملكوا الأيامَ وهْي أبيَّةٌ
وفيهم وفيها عِزَّةُ ونُفور
وكان لهم فوق التراب عديدُهُ
وكان لهم فوق البحورِ بُحور
جيوشٌ تراها كالظلام إذا دجا
وما هي إلا في الحقيقة نور
إذا فتحَتْ أرضًا، فللعِلْمِ فوقَها
وللعَدلِ فيها مِنبرٌ وسرير
فيالقُ مصريُّون، أما حديثُهم
فعذبٌ وأما بأْسُهم فمَرير
جيوشٌ إذا ثارتْ بأرضٍ مُغيرةً
رأيتَ عليها الموتَ وهْو مُغير
يُحدِّثُني التاريخُ عنهم فأنثَني
وبي صلَفٌ من قولِه وغُرور!!
وقومي همُ في حلبة الفنِّ مَن هُمُ
عشيَّةَ سبْقُ السابقين عثور
لقد خلقوه يومَ لا الناسُ كلُّهم
بناسٍ، ولا تلك العصورُ عصور
حبا في ثرى الوادي صغيرًا حيالَهم
وشبَّ فأمسى فيه وهو كبير
وعَمَّ، فمنه في الكِنانةِ جوهرٌ
كريمٌ، ومنه عسْجدٌ، وصُخور
طرائفُ من كلٍّ يظلُّ حِيالَها
كبيرُ رجالِ الفن وهو صغير
نفائسُ لم تحوِ الممالكُ مثلَها
ولا تركَتْها للدهور دهور
وإبداعُ قومٍ أودعوا الفنَّ رُوحَهم
ففيه لهم قبل النُّشور نُشور
ويا رُبَّ لونٍ صوَّرُوا صُنعَهم به
تَشيبُ ليالي الدهر وهو نضير
فذلك غصنٌ أخضرُ العود مُورِقٌ
يكادُ إليه ابنُ الهواء يطير
وتلك زهورٌ يخدعُ النحلَ شكلُها
وعهدي به في الزهْرِ وهو خبير
وحتى يكادُ الطيرُ وهو مُصوَّرٌ
يكون له مثلَ الطيور صَفير
وأنتَ إذا زُرتَ التماثيلَ خِلْتَها
تكاد بلا روحٍ إليك تُشير
ويا رُبَّ تمثالٍ رماكَ بلحظِهِ
كما راح يرمي باللِّحاظ بَصير
وحتى كأن الأُسْدَ وهي حِجارةٌ
تكاد وما تدري المثارَ تثور
كنوزٌ بجَوْفِ الأرض طال ثواؤُها
وكان لها من بعد ذاك ظهور
بدَتْ بعد آلاف السنين كأنما
ثَوَتْ حِجَجًا بين الدنانِ خُمور
ومنها كنوزٌ في المقابر لم تزلْ
وما عرَفَتْها رَوْحةٌ وبُكور
إذا ما بدا قبرٌ بدا وهو عاطرٌ
وفاح له بين الأنامِ عبير
وغيَّرَ من أزياءِ باريسَ كلِّها
وهامَتْ به دورٌ لها وقُصور
فيا ليتَ شِعري أيُّ فنٍّ نُشورُه
طوَى فَنَّ هذا العصر وهو أخير؟!
مضى بعقول الناس بعضُ الذي بدا
وما غاب عنهم في التراب كثير!!
أشدْتَ بقومي يا «فرزدقُ» فاستمعْ
إذا عيَّ يومًا بالجواب «جَرير»
لعلك مُصْغٍ في التراب فسامعٌ
قوافيَ سارَتْ حيث ليس مَسير
قوافيَ نالتْ من ذُرَا الشعر قُنَّةً
تردُّ جناحَ النسر وهْو كسير
تنفَّس عنها الروضُ فهْي عبيرُه
وغنَّت بها الوَرْقاء فهي هدير
إذا قلتُها سارَتْ كأني بعثتُها
قَطًا ووَعَتْها للأنام صدور
ولا قولَ إلا الشعرُ حين تقولُه
ولا شعرَ إلا أن يكون شعور