إلى الشاعر (سعيد السريحي) الذي أبصر الدمَ والرمادَ منذ أمدٍ بعيد..
المنائِر كانت منكَّسةً.. كالقصائِدِ !
والبوَحُ مُنشَغِلٌ باصطفاءِ الحروفِ
وأنتَ..
تُفصَّلُ للدهرِ أثوابَهُ
والمقاسُ المدى
كيف كوَّمتَ هذا الفضاءَ بكفّيكَ
طوَّقتَ فيه الصدى ؟
كيف عَلَّمتَ دهركَ أنْ يتمدَّدَ
فوق أريكتِهِ..
ويراكْ
ليس يرجو سواكْ
كي تعلمهُ الأبجديةَ واللغةَ النازفة.
المنائِرُ كانت مَنكَّسةً..
كالوُريقاتِ عند الغروبْ
حين كنتَ الوحيدَ الذي
يتصدَّى لزحفِ الظلامِ
سقوطِ الغمامِ
شظايا زُجاجٍ
تناسُلِ أحفادِ قابيلَ تحتَ رمادِ الرؤى
تصدَّيتَ للماءِ
حين تهرَّبَ من لونهِ..
وارتوى عَطَشَ الواردينْ
تصدَّيتَ للوقتِ
حين توقَّفَ عن نبضِه.. وانزوى
كنتَ تُبصِرُ مِن خَلَل النُورِ... ناراً
مارداً... يتحفَّز تحت الرمادْ
وجهَ طِفلٍ.. وأُنثى.. وشيخٍ
ووجهاً كثيفَ الملامِحِ..
ليس يكادُ يُبينْ
وذاتَ دُجىً
ستثُورُ ملامِحُهُ لهباً
همجيَ المدى.. بربريَ الحُتُوفْ
كنتَ.. تُبصِرُ ما لا يرى الآخرون
لم يكن يتلعثَمُ في فمِكَ الجُرحُ
تَشْرَقُ بالدَم كالآخرينْ
كنت (زرقاءَ أهل اليمامةِ)
ليتهُمُ لم يُشيحُوا وُجوههُمُ عن سناكْ
لو أصاخوا إلى الصوتِ
دَحْرَجَهُمْ صمتُكَ المستريبُ إلى المعرفة
المنائِرُ.. كانت منكَّسةً
حين مرَّرتَ مِن تحتها غُربَتَكْ
وحَمَلْتَ إلى الحرفِ عِبءَ المعاني
مَنْ تُرى
كان يُدركُ معنى الحروفْ؟
كنت أنتَ الذي يتوغلُ في الحرفِ.. في بَوحِهِ
آنَ تُوحي إليك الأزاهيرُ أشذاءَها
آن يزدحِمُ النُورُ في سُدَّةِ الليلِ
مُقتحِماَ شُرفَتَكْ.
خُذ من الماءِ
ما سوف يكفي لِرَيِّ الزُهورْ
خذ من النارِ
ما سوف يُشعِلُ هذا الفُتُورْ
خُذ من الوقتِ
ما سوف يكفي
لكي نلتقي صُدفةَ
دونَ أنْ يضربَ الدهرُ ما بيننا موعِدا
وخُذ مِن بقايا القصائِدِ أفراحَها الموسميّةَ
أغلِقْ على بابك الخشبيِّ الرِتاجْ
ريثما
تهدأُ العاصفة.
المنائِرُ كانت منكَّسةً
تتربص بالمصبحينَ
وبالمدُ لجينْ
وبالقاطنينَ
وبالراحلينْ.
وأنت هنا
قد تناهيتَ في البُعدِ
مستنسخاً زمناً آخراً
وطناً يتمدَّدُ كالأُفق
كالحُلُم المُنتَظَرْ.
الصباحُ... حقيبةُ ماءِ النوى
المساءُ... شُجيرةُ طين الهوى
كيف كنتَ تُحاولُ بسط جناحيكَ في الريحِ
والريحُ رحّالةُ في جميع الجهاتْ
والزمانُ يُقصِّفُ أجنحةَ الطيرِ
كي لا تُهاجِرَ
كي تتنازَلَ عن أُفقها
لغيوم الغجَرْ.
المنائِرُ نعسانة
تتماثَلُ للصحو
تفرُكُ في عينها نومَها والسُهُومْ.
حين كانت منكِّسةً
وجهَها للتُرابْ.
هل ستكشِفُ ذاتَ أذانٍ لنا
وجهَها والحجابْ ؟
قلْ لنا:
فقد كنتَ عرَّافَ هذا الزمن ْ
وكنتَ الكتابَ الذي
ليس يُحصَرُ في الدفتين
والحقيقةَ تُمعِنُ في صمتِها
وخُطاكْ
مُدُنٌ تتشَمَّسُ في صُبحها.. والوطنْ.
للمنائِر..
أنْ تتماثلَ للصحوِ ثانيةً
فكُنْ نغَماً آخَراً
يتمازَجُ أو يتماوَجُ في لحنها
وكُنْ أنت بوَّابةً للمنائِرِ
كن أنت خاتمة
لفُصُولِ الشَجَنْ.