أَقْسَمْتُ أَنْ أَنْسَاكِ فِي أَوَّلِ الْمَسَاءِ
وَأَنْ أَطْرُدَ الذِّكْرَى مِنْ ثَوْبِ الرَّجَاءِ
وَأُغْلِقَ الْأَبْوَابَ، لَا وَجْهٌ، لَا ضَوْءٌ
وَلَا شَوْقٌ يُرَاوِغُ فِي الْخَفَاءِ
أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَسْتَعِيدَ ضِحْكَتَكْ
وَلَا طَيْفُكِ يَمُرُّ فَوْقَ دِمَائِي
لَكِنَّنِي حِينَ الْمَسَاءِ تَذَكَّرْتُ
عِطْرَكِ... وَكَسَرْتُ بِكل عُهُودِ الْوَفَاءِ
أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَذْكُرَ الْعَهْدَ وَالضَّحْكَةَ
وَلَا تِلْكَ الْأَيَّامَ كَالْوَرْدِ فِي الْأَفْيَاءِ
فَعَادَتْ تُدَاعِبُ أَحْلَامِي كَطِفْلَةٍ
تُسَابِقُ أَمْوَاجَ الشِّتَاءِ بِلَا رِدَّاءِ
مَاذَا أَفَادَ الْقَسَمُ؟ وَالرُّوحُ فِي
عَيْنَيْكِ تَغْرَقُ دُونَ أَيِّ انْتِمَاءِ
كُلُّ الْوُعُودِ تَبَخَّرَتْ فِي لَحْظَةٍ
حِينَ ارْتَجَفْتُ... وَجَاءَنِي صَوْتُ النِّدَاءِ
أَقْسَمْتُ أَنْ أَنْسَاكِ، يَا كُلَّ الْهَوَى
لَكِنَّنِي... وَقَعْتُ فِي نَفْسِ الدُّعَاءِ
"أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَلْتَفِتَ إِنْ مَرَّ عِطْرُكِ
فَخُنْتُ عَهْدِي قَبْلَ أَنْ يَتَسَلَّلَ بالْمَسَاء"
أَقْسَمْتُ أَنْ أَنْسَاكِ يَا غَايَةَ الْعَذْبِ
وَأَطْوِي بِسَاطَ الْحُبِّ طَيًّا بِلَا سَبَبِ
لَكِنَّنِي كَالطِّفْلِ فِي حُبِّ لُعْبَةٍ
أُشَبِّهُ نِسْيَانَكِ بِقَطْعِ الرُّقَبِ
أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَذْكُرَ الْعَهْدَ وَالضُّحَى
وَلَا تِلْكَ الْأَيَّامَ كَالْوَرْدِ فِي الْحَضَبِ
لَكِنَّ ذِكْرَاكِ كَالْعَصَافِيرِ عَائِدَةٌ
تُغَنِّي بِأَلْحَانٍ مِنَ السِّحْرِ مُذْهِبِ
أَقْسَمْتُ أَنْ أُحْرِقَ دَفَاتِرَ شَوْقِنَا
وَأَرْمِي بِرُوحِي حَيْثُ لَا يَعْرِفُ الْحَبَبِ
فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُكِ شَاهِدَةً
عَلَى جُرْحِ قَلْبِي كَالْوُشَاةِ بِلَا أَدَبِ
أَقْسَمْتُ أَنْ أَهْجُرَ ذِكْرَاكِ كَأَنَّنِي
نَسِيمٌ يَعْبُرُ الدَّرْبَ ثُمَّ يَذُوبُ بِي
فَلَمَّا الْتَقَتْ عَيْنَايَ بِعَيْنَيْكِ قُلْتُ:
"كَفَى ، فَإِنَّ قَلْبِي لَا يُرِيدُ سِوَى رَبِّي"
أَقْسَمْتُ أَلْفَ الْقَسَمِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ
وَأَلْفَ يَمِينٍ وَ لَا أَذُوبُ لِضَرْبِ
فَلَمَّا دَنَتْ شَمْسُ الْفِرَاقِ تَبَيَّنَتْ
بِأَنَّ الْهَوَى بَحْرٌ وَأَنَا قَطْرَةُ دَبَبِ
أَقْسَمْتُ أَنْ أَنْسَاكِ كَاللَّيْلِ يَنْقَضِي
وَأَطْوِي بِسَاطَ الشَّوْقِ طَيًّا عَلَى جَرَحِي
فَمَا كَانَ إِلَّا ذِكْرُ عَيْنَيْكِ شَاهِدَةً
بِأَنَّ الْهَوَى نَارٌ تُحْرِقُ مَنْ نَجَحِي
أَقْسَمْتُ أَنْ أَهْجُرَ أَحْلَامَ لَيْلَتِنَا
وَأَقْطَعُ أَوْتَارَ الْغَرَامِ بِلَا وَرَحِ
فَلَمَّا أَتَتْ ذِكْرَاكِ كَالطَّيْفِ عَائِدَةً
تَسَاقَطْتُ كَالْوَرْدِ الْمُبَلَّلِ بِالرَّذَحِ
أَقْسَمْتُ أَنْ أُطْفِئَ شُمُوعَ دَفَاتِرِنَا
وَأَرْمِي بَقَايَا الْحُبِّ فِي بَحْرِ مَنْسَحِ
فَلَمَّا هَمَمْتُ بِذَاكَ.. ابْتَسَمَتْ
كَأَنَّكِ تَقُولِينَ: " ذَا مُسْتَحِيلُ الْفَضَحِ"
أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَذْكُرَ الْوَعْدَ وَالضُّحَى
وَلَا تِلْكَ الْأَيَّامَ كَالْعَسَلِ الْمُفَتَّحِ
لَكِنَّ دُمُوعِي خَانَتِ الْقَسَمَ صَارِخَةً:
"أَلَا إِنَّ قَلْبِي لَا يُرِيدُ سِوَى فَرَّحِ"
أَقْسَمْتُ أَلْفَ الْيَمِينِ.. ثُمَّ انْثَنَيْتُ
أَقُولُ: "رُبَاكِ.. هَلْ تُرِيدِينَ مِنْ مُفَدَّحِ؟"
فَقَالَتْ: "أَنَا الْبَحْرُ الَّذِي لَا يُنَاضِلُهُ
سِوَى عَاشِقٍ يُضَحِّي بِكُلِّ مُتَضَحِّ"
أَقْسَمْتُ أَنْ أَمْحُوَ ضِحْكَتَكِ مِنْ قَلْبِي
وَأَطْمِسُ ذِكْرَاهَا كَأَحْلَامِ رُقَادِ
لَكِنَّهَا تَهْطِلُ كَالْمَطَرِ الْعَتِيقِ
تُحْيِي بِأَلْحَانٍ فَنَاءَ رَمَادِ
أَقْسَمْتُ أَنْ أَقْتُلَ فِي قَلْبِي الصَّدَى
وَأُخْفِي دُمُوعِي تَحْتَ أَثْوَابِ سَجْدِي
فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ بَكَيْتُ فَجْأَةً
وَقَالَتْ ضِحْكَتُكَ : "هَذَا ذُنُوبِ يَدِي"
أَقْسَمْتُ أَنْ أَنْسَاكِ فِي كُلِّ مَطْلَعٍ
وَأُخْفِي شَتَاتَ الْقَلْبِ تَحْتَ الرَّمَادِ
فَلَمَّا أَغْلَقْتُ عَيْنَيَّ سَمِعْتُهَا
تَهُزُّ جَنَاحَيْهَا كَعُصْفُورِ وَادِ
أَقْسَمْتُ أَلْفَ الْيَمِينِ ثُمَّ انْثَنَيْتُ
أَقُولُ: "أَهَذَا مِنْ ضَحَايَا الْهَوَى يَكُونُ؟"
فَقَالَتْ ضِحْكَتُكِ مِنَ الْأَعْمَاقِ: "نَعَمْ
فَمَا كَانَ حُبٌّ إِلَّا وَبِهِ جُنُونْ"
أَقْسَمْتُ أَنْ أُغْضِيَ الْجُفُونَ إِذَا سَرَى
عِطْرُكِ، وَأَنْ أَبْقَى عَلَى عَزْفِ رُوحِكِ
لَكِنَّهُ الْعِطْرُ الْخَؤُونُ، إِذَا مَضَى
أَوْقَدْتُ نَارَ الْحَرْفِ مِنْ أَنْفَاسِكِ
يَا رِيحَ خَدَّيْكِ الَّتِي مَرَّتْ عَلَى
أَبْوَابِ قَلْبِي… فَاسْتَفَاقَتْ فِي ضُلُعْكِ
كَمْ ذَا كَتَبْتُ عَلَى الْجِدَارِ وَصِيَّتِي:
"لَا تَذْكُرُوا عِطْرِي، وَلَا خُطَا عِشْقِكِ"
فَإِذَا بِأَرْوَاحِ الْقَصَائِدِ كُلِّهَا
تَبْكِيكِ شَوْقًا… وَالْحَنِينُ عَلَى الشَّكِّ
جَاءَ الْعَبِيرُ، فَخِلْتُ قَلْبِي مَرْقَدًا
عَادَ الْهَوَى فِي دَاخِلِي مِنْ نَفْحِكِ
مَا إِنْ شَمِمْتُ نَسِيمَكِ الْمُتَسَلِّلَ
حَتَّى نَسِيتُ اللَّيْلَ فِي ظِلِّ هَوَاكِ
وَغَرِقْتُ فِي خَمْرِ الْجَمَالِ كَأَنَّنِي
بَحْرٌ يَضُمُّ الْمَوْجَ مِنْ غُنْجِكِ
أَقْسَمْتُ أَلْفًا… ثُمَّ خُنْتُ جَمِيعَهَا
مَا زِلْتُ أَرْكُضُ فِي جُنُونِ تَوَهُّجِكِ
يَا عِطْرَ أَنْفَاسِي، وَأَوَّلَ رَعْشَةٍ
ضَاعَتْ حَيَاتِي كُلُّهَا فِي عِطْفِكِ
"أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَرْسُمَ طَيْفَكِ فِي مَرَايَا الْقَلْبِ
فَإِذَا بِكِ سَكَنًا فِي كُلِّ ظِلٍّ عَابِرِ"
أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَسْتَعِيدَ مَلَامِحًا
مِنْ وَجْهِكِ الشَّفَّافِ فِي مَرْآيَ غَرْرِّ
لَكِنَّ طَيْفَكِ إِنْ بَدَا مُتَوَارِيًا
يَأْتِي كَغَيْمٍ هَامِسٍ خَلْفَ السَّرَرِ
يَمْضِي مَعِي، حَتَّى إِذَا مَا أُغْلِقَتْ
عَيْنَيَّ، عَادَ كَمَوْعِدٍ لَا يُعْتَذَرِ
يَخْتَالُ فِي ظِلِّ النَّوَافِذِ صَامِتًا
وَيُقِيمُ فِي لُغَتِي كَمَاءِ الْمَطَرِ
يَا مَنْ سَكَبْتِ الضَّوْءَ فِي أَعْمَاقِنَا
مَا عَادَ يُخْفِيكِ الضِّيَاءُ وَلَا السِّحَرِ
حَتَّى الْمَرَايَا – حِينَ أُبْعِدُ ظِلَّهَا –
تَرْتَدُّ تَكْتُبُ فِي الْمَدَى: "مَازَالَ أَثَرُ"
أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَسْتَعِيدَكِ لَحْظَةً
فَإِذَا الزَّمَانُ جَمِيعُهُ.. أَنْتِ الْقَدَرُ
وَإِذَا بِمَسْرَاكِ الْخَفِيِّ يُطِيحُ بِي
كَأَنَّ قَلْبِي مَا تَعَوَّدَ أَنْ يَسِرُ
كَمْ طُفْتُ أَطْرُدُ فِي الْمَدَى أَشْبَاحَكِ
فَإِذَا بِكِ الْمُتَرَبِّعُ الْمُسْتَقَرُّ
فَأَنَّى اتَّجَهْتُ… أَرَاكِ، ثُمَّ أَرَاكِ
يَا قِبْلَةَ الْأَحْزَانِ فِي هَذَا السَّهُرُ
"أَقْسَمْتُ أَلْفًا… ثُمَّ عُدْتُ أَقُولُ:
سَلَامٌ عَلَيْكِ، فَمَا عُدْتُ أُجِيدُ التذكارْ "
أَقْسَمْتُ أَنْ أَمْضِيَ وَأَنْسَى مَا جَرَى
وَأَحْمِلَ قَلْبِي، لَا يُصَابُ بِانْكِسَارِ
وَأُغْلِقَ الْأَبْوَابَ خَلْفَ مَوَاجِعِي
وَأَكْتُمَ الْأَشْوَاقَ فِي صَدْرِ الْغُبَارِ
لَكِنَّ وَجْهَكِ – كَالضِّيَاءِ – مُسَافِرٌ
فِي كُلِّ مِرْآةٍ، بِكُلِّ انْتِظَارِ
يَمْضِي مَعِي، حَتَّى إِذَا مَا خِلْتُنِي
حُرًّا، وَجَدْتُكِ فِي دَمِي، كَالنَّارِ
أَقْسَمْتُ أَنْ أَطْفُوَ بَعِيدًا، فَانْزَوَى
قَلْبِي، وَعَادَ كَزَوْرَقٍ مُحْتَارِ
أَرْنُو إِلَيْكِ، وَفِي انْحِنَاءِ مَلَامِحِي
اعْتِرَافُ ضَعْفٍ، وَابْتِسَامُ انْكِسَارِ
يَا أَنْتِ، كَمْ أَقْسَمْتُ أَنِّي قَادِرٌ
أَنْ أَنْسِجَ النِّسْيَانَ مِثْلَ سِتَارِ
لَكِنَّنِي لَمَّا مَرَرْتُ بِخَافِقِي
رَأَيْتُكِ تَبْكِينَ… فَانْهَارَ خِيَارِي
كُلُّ الَّذِي حَاوَلْتُ يُفْضِي فِي الْمَدَى
إِلَيْكِ، كَالْمَطَرِ الْجَرِيحِ عَلَى الْحِوَارِ
فَمَضَيْتُ أَكْتُبُ مِنْ دُمُوعِي سِفْرَنَا
وَأَقُولُ: "يَا رَبَّاهُ، لَا تُنْسِي انْوَارِي"
سَلَامٌ عَلَى تِلْكَ الْعُيُونِ، فَإِنَّهَا
وَطَنِي، وَنَافِذَتِي، وَطَيْفُ قَرَارِي
سَلَامٌ عَلَى أَنْفَاسِكِ الدَّافِئَةِ
فِي الْبَرْدِ، حِينَ بَكَيْتُ مِثْلَ غُبَارِ
أَقْسَمْتُ أَلْفًا… ثُمَّ عُدْتُ لِأَرْتَوِي
مِنْ ذِكْرِكِ الْعَذْبِ، الْجَمِيلِ الْوَقَارِ
كَأَنَّنِي أُحِبُّ الْخَسَارَةَ حِينَمَا
تَأْتِي بِعَيْنَيْكِ… فَيهْوَاهَا إعْتِذَّارِي
أَقْسَمْتُ أَنْ أُقْفِلَ أَبْوَابَ الْفُرَاقِ
وَأَدْفِنَ الْقَلْبَ فِي ظِلِّ الِانْكِسَارِ
أُطِيحَ بِأَشْبَاحِكِ خَلْفَ الْجُدْرَانِ
وَأَحْيَا نَقِيًّا بِلَا لَيْلٍ أَوِ احْتِضَارِ
لَكِنَّكِ فِي الْمَرَايَا لَا تَغِيبِينَ
كَالظِّلَالِ تَرْقُصُ بَيْنَ نُورٍ وَسُمَارِ
تُرْسِلِينَ غَيْمَ الْعِشْقِ فَوْقَ الرُّوحِ
فَتَعُودُ أَصْدَاؤُكِ فِي قَلْبِي الْقَرَارِ
أَقْسَمْتُ أَلْفَ عَهْدٍ أَنْ لَا أَذُوبَ
فِي لَهِيبِ هَوَاكِ كَالشُّعْلَةِ فِي الْوَهَارِ
لَكِنَّنِي إِذَا رَآنِي الْبُعْدُ شَاحِبًا
عُدْتُ أَرْتَضِي الِانْكِسَارَ وَالثِّمَارِ
سَلَامٌ عَلَى هَوَاكِ، سَلَامٌ عَمِيقٌ
يَا مَنْ سَكَنْتِ الرُّوحَ كَالْمَدَى وَالسِّمَارِ
سَلَامٌ عَلَى ضَوْئِكِ فِي لَيْلِيَ الْمُظْلِمِ
سَلَامٌ عَلَى صَمْتِكِ فِي كُلِّ الدِّيَارِ
لَا أُجِيدُ النِّسْيَانَ، فَكَيْفَ أَسْتَطِيعُ؟
وَأَنْتِ فِي عُرُوقِي كَالْمَاءِ فِي الْأَنْهَارِ
أَقْسَمْتُ أَلْفَ مَرَّةٍ… ثُمَّ عُدْتُ أَقُولُ:
سَلَامٌ عَلَيْكِ… لَا أَمْلِكُ غَيْرَ قَرَارِي
أَنْتِ الْبَحْرُ الَّذِي أُبْحِرُ بِلَا قَرَارٍ
وَأَنْتِ السَّاحِلُ الَّذِي لَا يُغْنِي دَمَارِي
فَيَا لَيْتَنِي أَسِيرُ فِي مَوْجَاتِكِ
حَتَّى أَذُوبَ فِي لَيْلِكِ كَالنَّهْرِ بِلَا تَيَّارِ
أَقْسَمْتُ أَنْسَى… لَكِنَّ النِّسْيَانَ يَهْرُبُ
حِينَ يُغَنِّي طَيْفُكِ فَوْقَ الْبَدْرِ الدَّمَارِ
كُلُّ قَسَمٍ صَرَخَ فِي قَلْبِي، فَخَانَتْهُ
دُمُوعِي، وَالْعِشْقُ، وَالْحُلْمُ وَالْأَعْذَارِ