أَكرِم بِنا قَوماً بِغَزَّةَ تُحشَرُ
كَأَنَّ دِماءَ الطُهرِ فيها تُعَطَّرُ
كَأَنَّ طُيورَ المَوتِ تَنثُرُ رِيشَها
عَلى جَسَدٍ بِالجُرحِ بات يُحاصَرُ
وَكَأَنَّ أَطفالَ المَدينَةِ أَنجُمٌ
هَوَت مِن سَماءِ المَجدِ حينَ تُبَعثَرُ
يَمشي اليَتيمُ عَلى رُفاتِ مَنازِلٍ
كَغُصونِ وَردٍ في الخَريفِ تُكَسَّرُ
وَالأُمُّ تَبكي إِذ تُضَمُّ صِغارَها
كَحَمامَةٍ في العُشِّ باتَت تُذعَرُ
وَالشَيخُ يَسأَلُ كُلَّ يَومٍ رَبَّهُ:
"أَيَنَ العُروبَةُ وَالضَمائِرُ تُقبَرُ؟"
وَالعُربُ في صَمتٍ كَأَنَّ قُلوبَهُم
حَجَرٌ عَلى صَدرِ الكَرامَةِ يُنشَرُ
كَم مِن خَطيبٍ في المَنابِرِ صائِحٍ
وَالقَولُ يَبقى في الهَواءِ يُبَخَّرُ
وَكَأَنَّ أَرواحَ الشَهيدِ حَمائِمٌ
في رَوضَةِ الفِردَوسِ باتَت تَزهَرُ
وَالأَرضُ تَشرَبُ مِن دِماءِ شَبابِها
كَأَنَّها مِن طولِ ظُلمٍ تَسكَرُ
يا غَزَّةَ التاريخِ كَم مِن عِبرَةٍ
في جُرحِكِ أضحى لغيركِ دَفتَرُ
لا تَحسَبي أَنَّ السُكوتَ مَذَلَّةٌ
فَصَمتُ شُعوبِ العُربِ أَدهى وَأَخطَرُ
كَأَنَّ ضَميرَ العُربِ صارَ جَنازَةً
تَمشي عَلى وَقعِ النَعيِّ وَتُقفرُ