قِفا نَسألِ الطَّلَلَ المُحيلَ المُمَطَّرِ
لعِندٍ، وهَل يُجدي سُؤالٌ لمُقفِرِ؟
عَفَتهُ الجَنُوبُ والشَّمالُ بِنَسجِها
وأَمسى لآرامِ المَها خَيرَ مَعشَرِ
كَأَنّي أَرى ظُعنَ الأَحِبَّةِ غُدوَةً
تَحَمَّلنَ مِنهُ فَوقَ وَشيٍ مُنَمَّرِ
تَمايَلنَ فَوقَ البيدِ والرَّكبُ مُسرِعٌ
كَما مالَ غُصنُ البانِ في كَفِّ مُمطِرِ
يَزُجُّونَ حاديهِم ليَقطَعَ رَحلَهُم
وما عَلِمُوا ما خَلَّفُوا خَلفَ مُدبِرِ
وَقَفتُ أُديرُ الطَّرفَ حَتّى خَفينَ لي
وقَد غالَهُنَّ الآلُ في كُلِّ مَنظَرِ
فَعُدتُ إِلى نَفسي أُكَفكِفُ عَبرَتي
ونارُ الهَوى تَصلى بِقَلبٍ مُسَعَّرِ
فدَع ذا، وقُم للرَّحلِ فَوقَ عُذافِرٍ
تَخوضُ الدُّجى والهَمَّ غَيرَ مُفَكِّرِ
تَكادُ إِذا ما اللَّيلُ جَنَّ ظَلامُهُ
تَسيرُ بِغَيرِ القائِدِ المُتَبَصِّرِ
تَظَلُّ تَقُصُّ الفَدفَدَ المَحضَ في السُّرى
بِخُفٍّ كَصُمِّ الصَّخرِ لَم يَتَكَسَّرِ
لتَقطَعَ هَمًّا باتَ يَعصِرُ خافِقي
كَما عَصَرَت كَفُّ الفَتى خَيرَ أَعصُرِ
تَجوبُ فَيافٍ يَسبَحُ الآلُ فَوقَها
كَمَوجٍ مِنَ اليَمِّ الخِضَمِّ المُسَعَّرِ
إِذا اشتَكَتِ الرُّكبانُ طولَ مَسيرِهِم
تَمُدُّ عَناقًا لَم يَمِل لتَضَجُّرِ
كَأَنَّ بِها مِن سَورَةِ الجِنِّ لَوثَةً
إِذا ما عَلَت فَوقَ اليَفاعِ المُشَهَّرِ
إِلى غايَةٍ لا يُدرِكُ العَجزُ شَأوَها
وما الفَوزُ إِلّا للكَمِيِّ المُظَفَّرِ
ولَستُ بِجَمّاعٍ لمالٍ أَصُونُهُ
إِذا هَبَّتِ النَّكباءُ في يَومِ صَرصَرِ
تَرى النّارَ عِندي للعُفاةِ مَنارَةً
وقِدرِيَ تَغلي بِالشَّحيمِ المُوَفَّرِ
وإِنّا أُناسٌ لا نَلينُ لِغاصِبٍ
ولا نَرتَضي بِالذُّلِّ فَوقَ المِنبَرِ
وَرِثنا مَعالي المَجدِ كابِرَ عَن أَبٍ
نَشُقُّ عَنانَ الجَوِّ غَيرَ مُعَكَّرِ
إِذا ما دَعانا الصَّارِخُ اليَومَ نَنتَضِي
صَوارِمَ هِندٍ كَالشِّهابِ المُنَوِّرِ
ونَحنُ بَنو الهَيجاءِ نَسْكُنُ لَظاها
إِذا اِحْمَرَّتِ الآفاقُ بِالدَّمِ تَقطُرِ
لَنا الجارُ مَحفوظُ الذِّمامِ مُمَنَّعٌ
يَبيتُ قَريرَ العَينِ دونَ تَذَمُّرِ
ومَن رامَ مِنّا العَفوَ كُنّا سَحابَةً
تَجودُ بِمَاءِ المُزنِ في كُلِّ مَحْضَرِ
ومَن رامَ مِنّا الظُّلمَ كُنّا صَواعِقاً
تَخِرُّ لَها الأَطوادُ مِن كُلِّ مَعْبَرِ
خُيولٌ لَنا كَالرِّيحِ تَجتاحُ ما تَرَى
مُضَمَّرَةَ الأَحشاءِ شُعْثَ المُشَمِّرِ
نُزاحِمُ هاماتِ النُّجومِ بِعِزِّنا
فَلا نَجْمَ إِلّا دونَنا لِمُبْصِرِ
سَتُنبِيكَ عَنّا في الكَريهَةِ وَقعَةٌ
يَشيبُ لَها فَوْدَا الوَليدِ المُغَرِّرِ
ويَومٍ كَظِلِّ الرُّ محِ قَصَّرتُ طُولَهُ
بِضَربٍ يُطيرُ الهامَ عَن كُلِّ مَغفِرِ
تَرَكتُ بِهِ أَبطالَهُم في كَريهَةٍ
تَمُجُّ نَجيعَ الجَوفِ فَوقَ المُعَفَّرِ
وإِنّي لَحُلوٌ للخَليلِ ووُدِّهِ
ومُرٌّ لمَن عادَيتُ، مُرٌّ كَعَنقَرِ
أَصُونُ ذِمارِي أَن يُدَنَّسَ بِالخَنا
وأَحمي حِياضَ العِزِّ عَن كُلِّ مُجسِرِ
وما غَرَّني في العَيشِ لينٌ ونَعمَةٌ
ولا ساءَني مِنهُ لِباسُ المُقَتِّرِ
فإِمّا حَياةٌ تَرفَعُ الرَّأسَ للعُلى
وإِمّا مَماتٌ بَينَ بيضٍ وأَسمُرِ
ومَن يَحسَبِ الأَيّامَ دارَ إِقامَةٍ
فَقَد نامَ في ظِلٍّ مِنَ الغَيمِ مُدبِرِ
سَتُورِدُكَ السّاعاتُ حَوضًا كَرِهتَهُ
ولَو كُنتَ ذا تاجٍ ومُلكٍ وعَسكَرِ
وما النّاسُ إِلّا وارِدٌ بَعدَ صادِرِ
يَحُثُّ خُطاهُ للفَناءِ المُقَدَّرِ
فَعِش ما تَعيشُ الدَّهرَ حُرًّا فإِنَّما
خُلُودُ الفَتى في ذِكرِهِ المُتَخَيَّرِ