قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى زَمَانٍ وَسُؤْدُدِ
وَرَسمٍ عَفَا بَيْنَ العِرَاقِ وَأَنْجُدِ
تُدَاوِلُهَا رِيحُ الشَّتَاتِ وَغَيَّرَتْ
مَعَالِمَهَا مِنْ غَائِرٍ وَمُنَجِّدِ
وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ
يَقُولُونَ: لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَلَّدِ
كَأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَفَرَّقُوا
لَدَى "القُدْسِ" مَذْبُوحُ الوَرِيدِ، مُسَهَّدِ
وُقُوفاً.. وَتِلْكَ الدَّارُ قَفْرٌ فِنَاؤُهَا
خَلَتْ مِنْ قَطِينٍ آمِنٍ مُتَوَدِّدِ
يَلُوحُ بِهَا بَاقِي الوِشَامِ كَأَنَّهُ
يَدٌ نَمْنَمَتْ سَطْرَ الكِتَابِ لِمُنْشِدِ
وَأَضْحَتْ خَلَاءً يَسْرَحُ الذِّئْبُ وَسْطَهَا
وَتَرْتَعُ فِيهَا العِينُ بَيْنَ المَوَارِدِ
كَأَنَّ دُمَى "شَهْبَائِهَا" وَ"فُرَاتِهَا"
مَهَا رَمْلَةٍ تَحْنُو عَلَى كُلِّ فَرْقَدِ
تَبَدَّلَتِ الأَنْسَامُ لَفْحاً، وَغُيِّرَتْ
مَغَانٍ بِهَا كَانَ الزَّمَانُ بِمَوْعِدِ
فَيَا لَكِ مِنْ ذِكْرَى لَيَالٍ تَبَاعَدَتْ
غَدَاةَ اسْتَقَلَّ القَوْمُ قَبْلَ التَّعَهُّدِ
رَأَيْتُ حُدُوجَ الظَّاعِنِينَ عَشِيَّةً
تَغَلْغَلُ فِي جَوْفِ السَّرَابِ المُبَدَّدِ
خِدَادًا كَأَشْجَارِ النَّخِيلِ، تَحُوطُهَا
رِمَاحٌ.. وَلَكِنْ دُونَ عَزْمٍ مُهَنَّدِ
وَعُجْ بِي عَلَى "صَنْعَاءَ" يَا صَاحِ نَدْبُهَا
فَفِي جِيدِهَا المَنْحُورِ عِقْدٌ مِنَ الرَّدِي
تَرَاءَتْ لَنَا بِالأَمْسِ "جَنَّةَ" حَالِمٍ
فَأَمْسَتْ "جَحِيماً" لِلشَّرِيدِ المُشَرَّدِ
إِذَا ذُكِرَتْ قُلْنَا "السَّعِيدَةُ" وَاصِفاً
فَصَارَتْ لِحَاظُ العَيْنِ تَبْكِي لِأَنْكَدِ
وَغُمْدَانُ.. مَنْ طَالَ السَّمَاءَ بِمَفْرِقٍ
هَوَى سَاجِداً فِي تُرْبَةٍ لَمْ تُمَهَّدِ
كَسَاهَا الأُولَى ثَوْبَ البَيَاضِ، فَأَصْبَحَتْ
تَسُحُّ دَماً فَوْقَ الرِّدَاءِ المُوَرَّدِ
عَرُوسٌ زَفَفْنَاهَا ضُحًى بِهَزِيجِنَا
وَعُدْنَا عَشِيّاً فِي عَوِيلِ المُعَدِّدِ
فَلا تَسْأَلِ الأَطْلالَ: أَيْنَ بَهَاؤُهَا؟
فَإِنَّ جَوَابَ الدَّارِ: حُسْنٌ بِمَلْحَدِ
فَدَعْ عَنْكَ ذِكْرَ الدَّارِ، فَالخَطْبُ أَعْظَمُ
وَأَدْهَى مِنَ المَاضِي البَعِيدِ المُبَدَّدِ
بُلِينَا بِعَصْرٍ صَارَ فِيهِ عَزِيزُنَا
ذَلِيلاً، يَلُوكُ القَهْرَ غَيْرَ مُسَوَّدِ
نَبِيتُ عَلَى حَدِّ الظُّبَاتِ كَأَنَّمَا
تَوَسَّدَ جَنْبُ الحُرِّ شَوْكَ القَتَادِدِ
إِذَا رَامَ وِرْدَ المَاءِ شَرَّقَ رِيقُهُ
فَصَارَ زُعَافاً فِي حُلُوقِ الوَوَارِدِ
نَهِيمُ عَلَى وَجْهِ البَسِيطَةِ شُرَّدًا
بِلَا هَدَفٍ يُرْجَى، وَلَا رَأْيِ مُرْشِدِ
يَشِيبُ الفَتَى مِنَّا وَلَمَّا يَرُعْهُ شَيْبُهُ
وَلَكِنَّ هَوْلَ الرُّعْبِ شَيْبُ المُوَلَّدِ
وَسَاسَتُنَا.. يَا بِئْسَ مَنْ قَدْ تَسَيَّدُوا
عَلَى جُثَثِ القَتْلَى وَهَدْمِ المَعَاهِدِ
أُسُودٌ عَلَى شَعْبٍ كَسِيرٍ مُقَيَّدٍ
وَفِي سَاحَةِ الهَيْجَاءِ صَيْدُ المُطَارِدِ
إِذَا اخْتَلَفُوا.. شَبَّتْ لَظَاهَا بَيْنَنَا
وَإِنْ فِيهِمُ خَصْمٌ بَغَى لَمْ تُنَاهِدِ
تَمَاثِيلُ صَمْتٍ لَوْ نَظَرْتَ لِفِعْلِهِمْ
حَسِبْتَهُمُ خُشْبًا لِدَعْمِ المَسَانِدِ
يَبِيعُونَ أَرْضَ العُرْبِ بَيْعًا مُرَخَّصاً
وَيَقْبِضُ سِمْسَارُ العِدَا نَقْدَ نَاقِدِ
بِطَانٌ مِنَ النَّعْمَاءِ وَالشَّعْبُ سَاغِبٌ
يَمُوتُ عَلَى أَبْوَابِ تِلْكَ المَوَائِدِ
يُقَبِّلُ كَفَّ "الرُّومِ" يَرْجُو رِضَاءَهُمْ
وَيَصْفَعُ خَدَّ الشَّعْبِ صَفْعَةَ مُحْقِدِ
إِذَا سَرَقَ المِسْكِينُ طَارَتْ رُؤُوسُهُ
وَسَارِقُ قُوتِ النَّاسِ حُرٌّ بِمَقْعَدِ
تُجَهَّزُ لِلْغَازِينَ حُمْرُ بِسَاطِهِمْ
وَتُنْصَبُ لِلنَّاصِحِينَ خُشْبُ المَقَاصِدِ
وَخَطُّوا حُدُوداً فِي الرِّمَالِ لَعِينَةً
تُفَرِّقُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالجَسَدِ الصَّدِي
جُيُوشٌ.. وَلَكِنْ لِلتَّبَاهِي بِعَدِّهَا
وَلِلْقَمْعِ، لا لِلْفَتْحِ أَوْ صَوْنِ مَحْتِدِ
وَنَفْطٌ.. حَسِبْنَاهُ "التِّرْيَاقَ" لِدَائِنَا
فَصَارَ وَقُودَ النَّارِ فِي كُلِّ مَوْقِدِ
وَكَمْ شَاعِرٍ حُرٍّ قَضَى فِي سُجُونِهِمْ
لِأَنَّ قَوَافِيهِ أَبَتْ قَوْلَ: "سَيِّدِي"
وَمَا الدَّهْرُ إِلا دَوْلَةٌ بَعْدَ دَوْلَةٍ
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا، ثُمَّ يَوْمٌ بِمَرْصَدِ
وَمَا قُوَّةُ الأَقْوَامِ كَثْرَةُ مَالِهِمْ
وَلا أَنَّهُمْ صَاغُوا الدُّرُوعَ بِعَسْجَدِ
وَلَكِنَّمَا قُوَّةُ الشُّعُوبِ إِذَا وَعَتْ
وَصَانَتْ حِمَاهَا بِالفُؤَادِ المُوَحَّدِ
وَلَكِنْ إِذَا خَانَ "الأَمِينُ" ذِمَارَهُ
أُتِيَ حَذِرٌ مِنْ مَأْمَنٍ غَيْرِ مُوصَدِ
وَمَنْ يَزْرَعِ الأَشْوَاكَ يَحْصُدْ جِرَاحَهُ
وَلَوْ كَانَ فِي بُرْجٍ مِنَ العَاجِ مُصْعَدِ
سَلِ الخَيْلَ وَالهَيْجَاءَ عَنْ بَأْسِ مَعْشَرٍ
سَمَوْا فَوْقَ هَامِ النَّجْمِ دُونَ تَرَدُّدِ
وَعَنْ "خَالِدٍ" إِذْ كَبَّرَ اللهَ، فَاْنحَنَتْ
رُؤُوسُ العِدَا فِي كُلِّ سَهْلٍ وَفَدْفَدِ
بِ"يَرْمُوكِنَا" خَرَّتْ جَحَافِلُ قَيْصَرٍ
وَإِيْوَانُ "كِسْرَى" دُكَّ غَيْرَ مُعَمَّدِ
وَ"طَارِقُنَا" لَمَّا تَلَا خُطْبَةَ الفِدَا
وَأَحْرَقَ ظَهْرَ الفُلْكِ يَوْمَ التَّوَعُّدِ
سَقَيْنَا ثَرَى "الغَرْبِ" البَعِيدِ خُيُولَنَا
وَأَرْسَتْ بَنُو "عَبَّاسَ" خَلْفَ السَّمَرْقَدِ
فَتَحْنَا قُلُوبَ النَّاسِ قَبْلَ حُصُونِهِمْ
بِعَدْلٍ كَنُورِ الشَّمْسِ غَيْرِ مُبَدَّدِ
أَفِقْ يَا رَعَاكَ اللهُ مِنْ سَكْرَةِ المُنَى
فَمَا نَحْنُ إِلا صُورَةُ المُتَبَدِّدِ
غَمَدْنَا سُيُوفَ "ابْنِ الوَلِيدِ" ذَلِيلَةً
وَسُلَّتْ عَلَيْنَا شَفْرَةُ المُتَهَوِّدِ
وَإِنْ كَانَ "طَارِقْ" أَحْرَقَ السُّفْنَ عِزَّةً
فَتِلْكَ سَفِينُ "القَهْرِ" مَلْجَأُ مُنْجِدِ
رَكِبْنَا عُبَابَ البَحْرِ نَرْجُو نَجَاتَنَا
نُقَبِّلُ رِجْلَ "الغَرْبِ" بَحْثًا عَنْ يَدِ!
وَنِسْوَانُنَا صِحْنَ: "وَا مُعْتَصِمَاهُ" هَلْ
مُجِيبٌ؟.. فَرَدَّ الصَّمْتُ: مَوْتُ المُجَدِّدِ
تَرَكْنَا سُرُوجَ الخَيْلِ لِلرَّقْصِ وَالخَنَا
وَعِفْنَا صَلِيلَ السَّيْفِ لِلمُتَوَعِّدِ
فَلا خَالِدٌ فِينَا، وَلا دِرْعُ حَمْزَةٍ
وَلَكِنْ "غُثَاءُ السَّيْلِ" بَيْنَ الجَلامِدِ
أَرَى الدَّهْرَ لا يَرْحَمْ ضَعِيفاً مُسَالِماً
وَيَلْوِي عِنَانَ العِزِّ نَحْوَ المُجَاهِدِ
وَمَنْ يَخْطُبِ العَلْيَاءَ يَبْذُلْ مُهُورَهَا
دِمَاءً، وَلَيْسَ الحِبْرَ فَوْقَ الجَرَائِدِ
إِذَا الشَّعْبُ يَوْماً هَبَّ لِلْحَقِّ ثَائِراً
تَهَاوَتْ حُصُونُ الظُّلْمِ فَوْقَ القَوَاعِدِ
هِيَ السُّنَّةُ الكُبْرَى: بَقَاءٌ لِأَقْوِيَا
وَأَمَّا الغُثَاءُ الرَّخْوُ.. طُعْمُ المَصَائِدِ
عَزَاءً.. فَلِلأَيَّامِ دَوْرٌ وَدَوْرَةٌ
وَخَلْفَ سَوَادِ اللَّيْلِ صُبْحٌ لِمُوْعِدِ
سَيَخْرُجُ مِنْ أَصْلَابِنَا أَلْفُ "طَارِقٍ"
يُعِيدُ بِنَاءَ المَجْدِ، غَيْرَ مُبَدَّدِ
وَتَمَّتْ.. بِحَمْدِ اللهِ نَظْمُ قَصِيدَةٍ
حَكَتْ قِصَّةَ الأَوْجَاعِ بَيْنَ المَشَاهِدِ
وَصَلُّوا عَلَى المَبْعُوثِ بِالحَقِّ رَحْمَةً
صَلَاةً تُوَافِي مِسْكَ خَتْمٍ لِمُنْشِدِ