أَليسَ بِهذا الدَّهرِ مِنْ صاحِبٍ وَفي؟
و لا مِنْ حَبيبٍ صادِقِ الوِدِّ مُنصِفِ؟
أَما مِنْ مَكانٍ يَسْتَريحُ بِهِ فَتىً
تُحارِبُهُ دُنياهُ مِنْ يَومِ أَنْ نُفي؟
كأَنَّ زَماني يَسْتَلِذُّ بِلوعَتي
و يُعجِبُهُ دُونَ الأَنامِ تَأَفُّفِي!
إِلى الله أَشكوْ غُربةً شَرِبَتْ دَمي
و مَنفَىً كَئيباً فيهِ نَجمِيَ يَنطَفي
و ما لِيَ أَصحابٌ يُواسُونَني بِهِ
و لا لِيَ أَحبابٌ بِهِ غَيرَ أَحرُفي
كأَنَّ بني الدُّنيا تَواصَوْا بِغَدْرِهِمْ
فَلمْ يَبقَ فيهمِ غَيرُ خِلٍّ مُزَيَّفِ!
تَجنَّبتُهُمْ مِنْ بَعدِ مَعرِفَتي بِهِمْ
و جَرَّبْتُهُمْ تَجريبَ كَهْلٍ مُثَقَّفِ
يُجاهِدُ ما لا يَرْتَضي مِنْ طِباعِهِ
و يُمْلي عَليهِ كُلَّ طَبْعٍ مُشَرِّفِ
و يَصحَبُ كُلَّ الناسِ بِالخُلُقِ الذي
يُحِبُّونَهُ حتّى و لَوْ بِالتَّكَلُّفِ!
و يُنشِدُ أَخلاقَ النَّبِيِّينَ عَقلُهُ
و يَطْمَحُ يَوماً أَنْ يكُونَ كَمُصْحَفِ!
إِذا عَوْرَةٌ لاحَتْ لَهُ غَضَّ طَرفَهُ
و بانَ على خَدَّيْهِ فَرطُ التَّعَفُّفِ
لَهُ اللهُ كَمْ يَلقى الأَذى و هْوَ صابِرٌ
و عَنْ نَهجِهِ الأَسمى فلَمْ يَتَوقَّفِ
و لَوْ فَتَّشُوا في قَلبِهِ الغَضِّ لمْ يَرَوْا
بِهِ نَحْوَ مَنْ يُؤذيهِ غيرَ التَّأَسُّفِ!
فوا أَسفَاً لَوْ كانَ يُجدي تَأَسُّفي
و وا لَهَفاً لَوْ كانَ يُجدي تَلَهُّفي
و لكِنَّهُ دَهرٌ على كُلِّ حالَةٍ
بِأَهلِ الخَنا و الُّلؤمِ ما زالَ يَحْتَفي
كأَنَّ بِهِ غَيظاً على كُرَمائِهِ
و أَحرارِهِ يَقتَصُّ مِنهُمْ و يَشْتَفي!
فَكُنْ أَيُّها الدَّهرُ الخَؤونُ مَعَ العِدى
عَليَّ فإِنّي لَنْ أُغَيِّرَ مَوقِفي
و كُنْ أَيُّها المَنفى كَسِجْنٍ فإِنّما
عَزائِيَ لَوْ تَدري بِسُورَةِ يُوسُفِ
أَنا الحُرُّ و ابنُ الحُرِّ و الشامُ مَوطِني
و رَبِّيَ يَوماً لا مَحالَةَ مُنصِفي