كفاني وهذا القلبُ فيكِ مُعذّبُ
بذكرى وإنّي لا ألومُ وأعتِبُ
ألا يا سُهادي كانَ هجرُكِ مَنشَباً
لبركانِ دمعٍ فوقَ خدَّيَّ يُسكَبُ
لقد ذقتُ منكِ الموتَ قبلَ مجيئهِ
مِرارًا وكأساً منهُ تُملى فأشربُ
أشومُ سحاباً مِن وصالِكِ كلّما
أراكِ وأدري أنَّ برقَكِ خُلَّبُ ١
وقَرَّت عيونُ الخَلقِ ليلاً بغُمضِها
وعيني كأنَّ السُهدَ فيها مُطنَّبُ ٢
وترعى نجومَ الليلِ عيني كأنها
تُطاردُ نجمَ الليلِ والنجمُ يَهربُ
أنَطتِ نِياطَ القلبِ منكِ بنظرةٍ
دعَتهُ على جَمرٍ يَجيءُ ويَذهبُ ٣
هداكِ الذي أولاكِ حُسناً وفِتنةً
تعالي فإنّي في هواكِ أُعَذَّبُ
فإنْ كنتِ لا تَدرينَ أنّي مُتيمٌ
فحسبي قوافٍ بالمدامعِ تُكتبُ
وحاضرُ زرقاءٍ وموطئُ دربهِ
وشَعرٌ بِهامي مِن بِعادِكِ أشيبُ
إذا كان ذنبُ المرءِ يَعشقُ غادةً
ويَلقى الذي ألقى فقُل هو مُذنبُ
فإنّي إذا يسلو المحِبُّ حبيبَهُ
بطول النوى أو غابَ عنهُ التَقرُّبُ
غدوتُ بيأسي مُستجدّاً بحُبِّهِ
كذا الحالُ والمخفِيُّ مِن ذاكَ أعجَبُ
فلا تَعذُلنّي يا عذولُ فإنّها
سُهادٌ مِن العينينِ أدنى وأقربُ
لعَمري هي الدنيا وفيها تجسَّدَت
بحُلوٍ ومُرٍّ لاتَني تتقلَّبُ
فديتُ التي أسعى لنيلِ وصالِها
بنفسي وأدري أنَّ سَعيي مُخَيَّبُ
فياليتَني إن جَدَّ هَمّي بحُبِّها
جَليدٌ فلا أوهى ولا هو يَصعُبُ
فما الحُبُّ إلا داءُ موتٍ وإنّني
سأردى بهِ مِن بَعدِ ما أتعذَّبُ
فلا خيرَ في قلبٍ أحبَّكِ طائعاً
على أنَّه في حُبِّ غيرِكِ قُلَّبُ
وما الدهرُ الّا أعجَبُ الأمرِ سَطوةً
يُذِلُّ الفتى والصرفُ منهُ لأعجَبُ
ولا خيرَ في صحبٍ رِياءٌ طِباعُهُم
وريحٌ هواهُم كالصَبا يَتقلَّبُ ٤
يُوارونَ عنّي العيبَ ما حُزتُ درهماً
وفي فقدِهِ ما أشهرَنّيَ أعيَبُ
أجرِّبُ أصحابي وإنّي لَغانمٌ
على الظهرِ طعناً لا أزالَ أُجَرِّبُ
وجرِّبهُمُ أَنَّى استطعتَ فإنَّهُم
وإيّاكَ أذيابٌ وحاشاكَ أرنبُ
وقد قيلَ ما في الأرضِ ضِيقٌ وإنّما
إذا ضاقَ رزقُ المرءِ فالشرقُ مغربُ
ومازلتُ مرهونا بحتفيَ حيثُما
رغبتُ وروحي رغمَ أنفي سَتُسلبُ
وما المرءُ مرهونٌ بخُلدٍ وطالما
بهِ حلَّقَت في الموتِ عنقاءُ مُغرِبُ
الى مَن دواهي الدهرِ يا صاحِ تشتكي
وتركُ التشكّي والتصبُّرُ أوجبُ
إذا كنتَ ميزاناً فَزِن بكَ خصمَنا
ولا تَزِنَنّا إنّما نحنُ أهيَبُ
ثِقالٌ هباريزٌ وإن مَسَّنا أذىً
خِفافٌ مَصاليتٌ عليهِ وقُضَّبُ
شفى الغيظَ يومُ الملتقى وعقيبُهُ
سرَينا بهِ إذ كانَ ما كانَ يُطلَبُ
وسِرنا براياتِ الهدى وكأنَّها
رواويقُ نارٍ في الكتائبِ تلهَبُ
وما نحنُ مَن يَخشى الردى وبناتهِ
ولكنّنا نلهو بهنَّ ونلعَبُ
هو الحقُّ أَنّى كانَ كُنّا بكونهِ
إذِ الأمُّ منهُ بالنسابةِ والأبُ
ومِن مُلتقى مَن رُمتَ نورٌ وطلعةٌ
لقاؤُكَ معها لَهوَ أشهى وأطيَبُ
مرامٌ لِمَن فاتَ المرامُ فؤادَهُ
ومَطلَبُ مَن أودى بما رامَ مَطلبُ
وكلُّ امرئٍ يُولي الجميلَ مُحَبَّبُ
وكلُّ مكانٍ يُنبتُ العزَّ طيِّبُ٥