أُسافِرُ في عينيكَ حتى كأنني
أُقَلِّبُ وجْهَ البدرِ بين الكواكبِ
وأغرفُ من سحرِ الجفونِ صبابةً
تُذيبُ فؤادَ العاشقِ المتعَبِ
إذا لاحَ ثغرُكَ ضاعَ صبريَ وانثنى
شموخُ فؤادي تحتَ سطوةِ حاجبِ
فلا تَكتمِ الفتنةَ العظمى فإنها
تُقيمُ على قلبِ المحبِّ النوائبِ
تعالَ فقد أرخى المساءُ ستورَهُ
وأصغى إلى نجوانا صوتُ المطاربِ
وهاتِ حديثَ العودِ يشدو فإنني
أرى الليلَ يحلو في ارتعاشِ المضاربِ
فما هبَّ عطرٌ من نسيمِك عابرٌ
إلا وأحيا الروحَ بعد الخرائبِ
كأنَّ شذا أنفاسِكَ الخمرُ إن سرى
تثنّى له عقلُ الحليمِ المجرِّبِ
وأنتَ الذي ما عدتُ أبصرُ بعدَهُ
سوى وجهِكَ الموشي بروحِ المهابةِ
إذا قيلَ: ما الحبُّ الذي أنتَ فيهِ؟ قلْ
خشوعُ فؤادٍ عندَ حُسنٍ مهاجِبِ
هوَ العينُ لمّا أومضتْ في دجى الهوى
تهاوى لها صبرُ الرجالِ الصلائبِ
وهوَ السِّحرُ لما استوطنَ القلبَ خلسةً
أقامَ على الأرواحِ حُكمَ المغالِبِ
تركتُ لهُ عقلي رضاءً وما غدوتُ
أرى الخسرَ في ذلِّ المحبِّ المطالبِ
فكمْ رفعةٍ نالَ الفؤادُ بخفضِهِ
وكمْ كبرياءٍ ماتَ تحتَ التجاذبِ
وأصبحتُ أمشي والليالي كأنها
تغنّي على سمعي نشيدَ الرغائبِ
أراهُ فتُبعثُ في الضلوعِ حرارةٌ
كأنَّ بها نارَ الجوى في الجوانبِ
وإن ذرفتْ عيناهُ دمعَ تأوّهٍ
تهاوى على صدري انكسارُ المصائبِ
وإن تبسّمَ استعلى الزمانُ بأسرهِ
وصارَ المدى سكرى بفيضِ الترائبِ
فيا آخِذَ الأيامِ منّي ترفقًا
فقلبي رهينُ اللحظِ رهنَ السحائبِ
وما العيشُ إلا أن أراكَ بقربِهِ
وما الموتُ إلا غيبةٌ للمحاربِ
أحبُّكَ حبًّا لو تكلّمَ بعضُهُ
لأسكرَ أهلَ الأرضِ من كلِّ شاربِ
ولو جُمِعَتْ أشعارُ قيسٍ بأسرِها
لما بلغتْ بعضَ الذي في جوانبي
فإن قالَ قومٌ قد جننتَ بوجدِهِ
فقلْ: نعمُ، هذا تاجُ عقلِ المحبِّ