أُهديكَ من وَقْعِ الهوى ما لو سَرَى
في الصخرِ لانفلقَ الصدى وتكلَّما
قمرٌ تمرُّ على المدى خطواتُهُ
فتعيدُ ترتيبَ الجهاتِ وأنجُما
تمشي فيُصبحُ كلُّ غصنٍ خاشعًا
ويكادُ من فرطِ الجمالِ يُسلِّما
وتظنُّها ليلًا، فإذا ضحكتْ بدا
فجرٌ يُذيبُ من الدجى ما أعتما
ما كنتُ أعرفُ أنَّ قلبِيَ موقدٌ
حتى أتتْ، فغدا الحنينُ تضَرُّما
أدنيتُ سمعي للنسيمِ فدلَّني
أنَّ العطورَ تعلَّمتْ منها الشذى
وأتيتُ أرقبُ في الملامحِ سِرَّها
فوجدتُ بحرًا لا يُطاوِلُهُ الظَّما
في جيدِها كبرياءُ بيداءٍ إذا
هاجتْ رياحُ الصيفِ ظلَّتْ أكرما
ولها من العينينِ سيفانِ إذا
لمعا تهاوى في هواهُما العُلما
تُصغي إليكَ، كأنَّما الكلماتُ من
شفتيْكَ أوّلُ ما تعلَّمَ أن يُرى
وترى الوقارَ على الجبينِ مهابةً
لكنَّ تحتَ الوقرِ نارًا تُضرَما
ما ضرَّها لو أنَّها التفتتْ إلى
قلبٍ يجرُّ من التجلُّدِ مأتما
قد كنتُ أحسبُ أنني متماسكٌ
حتى رأيتُ الصبرَ عنّي أحجما
أخفي اشتعالي والضلوعُ كأنَّها
ليلٌ يُخبِّئُ تحتَهُ برقَ الحِمى
وأمرُّ نحوَ الناسِ أرفعُ هامتي
وأجرُّ خلفَ خطايَ شوقًا مُثقَلا
كم قلتُ: هذا القلبُ أعتى فارسٍ
فإذا بنظرتها يلوذُ ويُهزَما
ولقد هممتُ بذكرِها متجلِّدًا
فأطاعني صوتي وعاصتني الدِّما
هي هيبةُ الحسنِ التي إن أقبلتْ
خضعَ البيانُ وأطرقَ المتكلِّما
وكأنَّها بينَ النساءِ قصيدةٌ
عجزَ الكونُ بأن يجيءَ بمثلِها
إن مرَّ طيفُكِ في الخيالِ تفتَّحتْ
أبوابُ روحي واستفاقَ المُغرَما
وأرى المدى من دونِ قربكِ موحشًا
حتى كأنَّ الشمسَ فيهِ تأثَّما
يا من لها في القلبِ عرشُ محبَّةٍ
ما زلتُ أجهلُ كيف صرتُ لها انتمى
إن غبتِ ضاقَ الكونُ حتى إنني
أرثي النجومَ إذا توارتْ أنجُما
وإذا حضرتِ رأيتُ عمري كلَّهُ
نهرًا من الأفراحِ فاضَ تبسُّما
ما كانَ هذا العشقُ أوّلَ زلَّةٍ
لكنَّهُ أشهى الجراحِ وأنعما
أُخفي الهوى خوفَ العيونِ وإنَّما
في كلِّ نبضٍ منكِ سرٌّ أُبهِما
ولو استطعتُ جعلتُ عمري كلَّهُ
بابًا تمرِّينَ الجميلةُ منهُما
حتى إذا انطفأتْ سنينُ حكايتي
يبقى هواكِ على الزمانِ مُخَيَّما