سافرتُ وفي قلبي من الوجدِ سفنا
وفي مقلتي نارٌ تُضيءُ الأزمُنا
ترحّلتُ بين الأرضِ شرقًا ومغربًا
أسائلُ وجهاً هل يُعيدُ لنا السّنا؟
أُطاردُ طيفًا من بقايا حبيبةٍ
تساقطَ من خصرِ الزمانِ فغابَ عنا
تدلّتْ على صدري نجومُ قصائدي
وفي كلّ بيتٍ كنتُ أكتبُ موطنا
أنا العاشقُ المسّافرُ الذي ما استراحَ في
رُبى الشّوقِ يومًا، أو رأى المرسى هنا
إذا جئتُ أرضًا، لاحَ وجهُكِ قبلها
كأنّكِ في الأكوانِ كنتِ الأوّلى لنا
تراءيتِ لي في كلّ دربٍ ومدينةٍ
فهل كنتِ حُلمًا أم حقيقتَنا الدّنا؟
وصلتُ إلى فيينَّا، وفي القلبِ رعشةٌ
كأنَّ الصدى من أنفُسِ العُشّاقِ فينا
تغنّي المقاهي بالحنينِ وتستبي
خطايَ، كما يستعبدُ الطَرفُ لحنا
جلستُ، وفي عينيّ مرآكِ سِحرُها
وفي الروحِ أنثى من عبيركِ تسكُنا
رأيتُ التي تشبهكِ، اللهُ كم بدتْ
كأنَّكِ منها خُلقتِ، أو هي منا
سألتُ: منَ الأنثى التي ضحِكَتْ لنا؟
فقالتْ: أنا من حيثُ يبتدئُ الغنا
أنا من ترابِ الشّرقِ جئتُ، وإنَّني
أُخفي بعطري في المدى أوطاننا
فعيناكِ نهرُ الشامِ، والرَّمشُ نخلةٌ
إذا انحنتِ، انحنى المدى والكونُ غنا
وفي لهجتِكْ نبرُ الياسمينِ،
كأنَّها دمشقُ تُغنّي في فؤادي علَينا
فقلتُ: أأنتِ التي أضعتُ بريقَها؟
أمِ الظلُّ مرَّ، وموهَجُ الذكرى بدَنا؟
فقالتْ: أنا لستُ التي أضعتَها، ولكنْ
رمالُ هواها قد سرَتْ في دَمنا
تركتَ لها في كلِّ أرضٍ نسيمَها
فصارَتْ نساءُ الأرضِ كلًّا منا
فما بين فينَّا والشآمِ صلاتُها
وما بين وجهي ووجهِها سِرُّ فنا
إذا مرَّ طيفُكْ في دروبِ غُربتي
أحسستُ أنَّ الحُبَّ ما زالَ هنا
سفري نداءُ القلبِ، والشوقُ العَلَمْ
والروحُ في دربِ الحنينِ لها قَدَمْ
قد ضاعَ منّي ظلُّ أنثى في الدُّجى
فمشيتُ أبحثُ عن ملامحِها بهمْ
يا للمدى كم خطَّ وجهي في الدُّنا
وطويتُ أحلامي على نارٍ وحُلمْ
أهفو لوجهٍ كانَ لي وطنًا ومأوى
وسرَتْ ملامحُهُ على وجهي ودمْ
كم مرَّ بي وجهُ النساءِ فلم أرَ ال
وجهَ الذي يرويهِ عشقي والهِيَمْ
هيَ في دمي، في مهجتي، في خافقي
في النبضِ في كفّي وفي سحرِ الكلِمْ
أسعى، كأنّي في المنافي شاعرٌ
ضاعتْ مدائنُهُ فصاغَ بها الحُلمْ
في برلين جلستُ، وكان حولي صمْتُها
يبكي على وترِ المساءِ بلا نغَمْ
مدينةُ لحنٍ في الجمالِ، ووجهُها
يشدو كأنّ النورَ من عينيه يَنمْ
أمشي وأستنشقُ النسيمَ، كأنّهُ
يأتي من الشّامِ الحبيبةِ في الكلِمْ
فإذا بها — أنثى تشابهُ سحرَها —
تمشي، وتوقِظُ في فؤاديَ ذا العلَمْ
عيناكِ يا غُرباءُ لي نَبراتُها
دمشقُ تُطلُّ بوجهِها بين الأُمَمْ
ضحكُ الثّغورِ على المقاهي لحنُها
والعودُ يعزفُ من شذاها والنسَمْ
ناديتُها: من أينَ أنتِ؟ فقالَتِ ال
مجدُ الذي في صَوتيَ العربيِّ عِلمْ
قالتْ: أنا من حيثُ تنبتُ نخلةٌ
ويفيضُ من جُرحِ القصيدةِ كالكرَمْ
من أرضِ شُعراءِ الهوى وجمالِهِمْ
حيثُ الهوى يُروى على فمِهِ النّغَمْ
من ساحةِ التاريخِ جئتُ، وإنَّني
أحيا بعطرِك في المسافةِ والألَمْ
قلتُ: التي أهوى تشابهُ وجهَك ال
ساحرَ، والأنثى تُطلُّ بهِ الهمَمْ
فأجابتِ: “الأنثى التي أضعتَها
مرّت هنا، وسكنتْ حروفَك في القَلَمْ
أنا لستُها، لكنَّ ظلَّ هواك في
صدري يسيرُ، وفي حديثي قد رسَمْ
يا أيُّها العاشقُ المسافرُ إنَّها
قد نامتِ الدنيا، وصوتُك لم يَنَمْ
سترى ملامحَها تُلاحقُ خُطوَك ال
تائهَ، ما بينَ الغيومِ وبينَ غمْ
فاذهبْ، فكلُّ الأرضِ تنسجُ وجهَها
ولكلِّ أُنثى من هواها بعضُ دمْ
وصلتُ “غِرناطةَ” الحسناءَ، أطرقُ بابَها
فإذا الجِمالُ على المآذنِ تبتسِمْ
مدينةُ عشقٍ في الرخامِ مُعلَّقٌ
تُغني بها الأرواحُ سِحرًا لا يُلَمْ
تفوحُ من التاريخِ أنفاسُ الهوى
ويضوعُ من قصرِ الحمراءِ النَّغَمْ
هنا العربُ مرّوا، فاستقامتْ وردةٌ
تُسقي المدى وجعَ الحنينِ إلى القِدَمْ
رأيتُ على السوقِ القديمِ فتاةً ال
ريحانُ من أنفاسِها نَفَحَ العِطَرْ، وأفْتَنَمْ
كأنَّ دمشقًا أرسلتْ وجهًا لها
كي لا تموتَ ملامحُ الشّامِ، وتُظلَمْ
عيناكِ يا بنتَ الأندلسْ بريقُها
يمحو غيابَ العمرِ إن مرّ الألمْ
قلتُ: “منَ الأنثى التي نسجتْ هوايَ؟”
فأجابتِ: “أنا من تُرابِهمُ والعَلَمْ
من الشامِ جئتُ، نسمةً تتوارثُ ال
عِطرَ القديمَ وسِحرَ أسواقِ الشِّيمْ.”
قالتْ: “وفي لهجَتي رنينُ جداولٍ
من نبعِ قاسيونَ تجري كالحُلِمْ،
وفي خطوتي تاريخُ جَيشٍ مرَّ من
ها، والقصورُ تحفُّهُ مثلَ العَلَمْ.”
تكلّمتِ الإسبانيةَ كالمَوجِ حينَ
يعانقُ لُغتي في الجوى لحنَ القَلَمْ
كأنّها بينَ اللغاتِ قصيدةٌ
كُتِبتْ على وترِ العروبةِ والهِمَمْ
قالتْ: “هواك أقدمُ من تاريخِنا
وأعمقُ من هذا الرخامِ إذا انهَدَمْ
فابحثْ، فوجهُ الحُبِّ لا يُخفى، وإنْ
غابَتْ ملامحُها بأندلسٍ تُتِمْ.”
فبكيتُ حتّى ظنّني التاريخُ في
غفلةٍ أُنثى تُعيدُ بهِ القِسَمْ،
وقلتُ: “يا غِرناطةَ الشّمسِ التي
فيها تلاقى الشامُ واللحنُ القدَمْ،
أرأيتِ أنثى تُشبهُ الدّنيا؟ فهِيَ ال
شّامُ التي علّمتْ هواها للعَلَمْ.”
سفري صلاةُ العاشقينَ على المدى
وترانُمي شجنٌ، وأنغامي قَدَرْ
أُسري بنجمِ القلبِ صوبَ مدائنٍ
فيها يُطلُّ الحلمُ أو يغفو القمَرْ
أحملُ من الأوطانِ دفءَ قصيدتي
ومن العيونِ نُجومَها، والعَطِرْ
ما كنتُ أسكنُ غيرَ وجهكِ موطنًا
لكنّ قلبي باتَ في كلِّ البشَرْ
كلُّ البلادِ إذا مررتُ بنورها
صارتْ مراياكِ التي فوقَ النّظَرْ
أنا شاعرٌ ما ضاعَ منفى خطوتي
إلّا وجدتُكِ فيهِ بعضَ المُنتظرْ
رحّالُ حبٍّ كلُّ دربٍ تذكّرٌ
لملامحٍ سكنتْ دموعي والسَّحَرْ
وصلتُ “بَاريسَ” وفي ضلوعي رعشةٌ
تشدو بها الأوتارُ والطرقُ الخُضُرْ
شمسُ المساءِ على الرصيفِ تمايَلَتْ
كالغيدِ تسكرُ من عبيرٍ منتثِرْ
يا شارعَ “الشانزليزيه” كم صِرتَ لي
مسرى الحنينِ ومَهبَطَ الذّكرى الأثِيرْ
هنا العطورُ تُناجِمُ الأنثى التي
تُخفي الحنينَ وتستفيقُ على الوترْ
رأيتُها — والشَّعرُ غيمٌ حالكٌ —
يسري كليلٍ في ضياءٍ مُستترْ
ألقتْ على قلبي ابتسامةَ سِحرِها
فسكبتُ في عينيْنِ منها كلَّ عُمُرْ
قلتُ: “التي أهوى، تَرَينَ شَبَهًا بها؟”
قالتْ: “سواها في المدى لا يُستَعَرْ”
“كثيراتٌ يُشبهنَها في بَسمِها،
لكنّ سحرَ العشقِ فيها لا يُكرَّرْ”
يا ليتَها تدري بأنّي كلّما
رأيتُ وجهًا ضاعَ قلبيَ في الخَطَرْ
كأنّها حُلمي إذا مرَّتْ على دربي،
تفيضُ على الفؤادِ كما المطرْ
تُحدّثُ التاريخَ عن أنفاسِها
فتعودُ في باريسَ أنغامُ الوَتَرْ
قلتُ: “الحبيبةُ ضاعتِ الزهراءُ في
زحمةِ الأعوامِ، وانطفأَ البصَرْ،
لكنّني أراها في كلِّ امرأةٍ
تُخفي هواها مثلَ نارٍ في الجُمُرْ.”
قالتْ: “كتبتَ الشعرَ كي تبقى لها،
والشّعرُ مرآةُ الخلودِ لمن صبَرْ.”
فكتبتُ في كُرّاسي المُلْقى على
كفّي: هنا — في باريسَ — القدرْ،
رأيتُ حبيبَتَنا تنفّسَ لحنَها
فكأنّها في كلِّ نافذةٍ تزهرْ.”
إلى الشعرِ من نُورِ الخلودِ وموعدِ
ومَسرى الحروفِ إلى السنا المتفرِّدِ
إلى الحرفِ إذ يغدو سفينَة عاشقٍ
تُبحرُ في الدُّنيا، وتُومضُ في الغَدِ
كتبتُ على وجهِ السنينِ حكايةً
تُغنِّي بها الأرواحُ في كلِّ مشهدِ
حكايةُ قلبٍ ما استراحَ بخافقٍ
ولا سَكنَتْهُ الريحُ يوماً بمرفدِ
فها هوَ يمضي في البلادِ كأنّهُ
نبيُّ هوىً يُهدي الأنينَ لمعبَدِ
هناكَ على ضَفَّاتِ تيمزَ موحِداً
يُنادِي رُؤاهُ الحُلمَ وسطَ المَواسِدِ
تُسافرُ في عينيهِ ألفُ مدينةٍ
وتَغفو بليلِ الفكرِ كلُّ المواجِدِ
رأى امرأةً تمشي كما تمشي القَصِي
دةُ العُذراءُ في فمِ نَارٍ ومِرْوَدِ
تُسافرُ في أنفاسِها غُربةُ المدى
وتَغزلُ من أنفاسِها نَفَسَ البَدْدِ
عَيناها لُندنُ حينَ تَسكُنُ ليلَها
ضَباباً يُعانِقُ في السُّكونِ التجلُّدِ
وفي رَمشِها سِرٌّ يُعيدُ وُجودَهُ
كأنَّ الثرى يُحيي جَمالاً بمَوْلِدِ
فقالَ لها: “في كلِّ أرضٍ أَعبُرُ ال
دروبَ أرى وجهَ الحبيبةِ في الجَدْدِ
كأنَّ الوجوهَ جميعَها في مقلتي
مَلامحُها، والليلُ يسجُدُ للسَّدِدِ”
فقالتْ لهُ، والنُّورُ يَلمَعُ صَوتَها:
“ألستَ الذي في الحُبِّ ضيَّعتَ المَدَدْ؟
تُفتّشُ عن أنثى على وجهِ كوكبٍ
وقد خُلِقَتْ من طينِ أرضِكَ واليدِ
من طينِ عربٍ كانَ في سِحرِ خَلقِها
مَجَازُ الندى، ومَدامُ وعدٍ مُقلَّدِ”
تَبَسَّمَ، والأنغامُ في صدرِه انْسَكَبَتْ
كأنَّ الحنينَ الآنَ عادَ لمَوطِدِ
وقالَ لها: “يا وردَ لُندنَ إنَّني
غريبٌ على أرضِ الضبابِ المُقيَّدِ
أتيتُ أُقَبِّلُ وجهَها في خَيالِها
فَصِرتُ أُقَبِّلُ فيكِ طيفاً مُبدَّدِ”
فَمَالتْ عليهِ والرّياحُ حكايةٌ
تُسافِرُ بينَ النّايِ والعَودِ والغَدِ
وقالتْ: “تُرى، إنْ عُدتَ يوماً لِموطِنٍ
سَتَعرِفُ أنَّ الأرضَ عُذرُ التَشَرُّدِ؟
ففي كلِّ أرضٍ، للغريبِ حكايةٌ
تَقولُ: هنا الميعادُ، والموتُ أوعَدِ”
فَأَطرَقَ، والدّنيا تُعيدُ صداكَ يا
هوىً، كمْ سَكبتَ النّورَ في جرحِ مُفتَدِ
تَمرُّ السنينُ، وفي دُخانِ المقاهي
يَرى طيفَها يمضي، ووجهَ المولَعِ الوَجِدِ
تُلوِّحُ لهُ منْ خلفِ غَيمٍ مُبلَّلٍ
كأنَّ الوداعَ الآخِرَ الآنَ يُولَدِ
فَتَبكِي المَصابيحُ الطِّوالُ كأنَّها
نُجومٌ تُشيِّعُ سرَّ شَوقٍ مُؤبَّدِ
ويَكتُبُ في مذكِّرَةِ الرُّوحِ نَغمةً
تُخبِّئُها لروما، كَعِطرٍ مُورَّدِ
ويَرحَلُ في صَمتِ الضبابِ كأنَّهُ
مَلَكٌ منَ الحُزنِ القديمِ المُمَجَّدِ
تُغنِّي لُندنُ بعدَهُ، في ليلِها
كأنَّها في غيبِهِ لمْ تَتهدَّدِ
ويُومِضُ في الأفقِ الرماديِّ نجمُها
كَسِرٍّ يُنادِي الحُبَّ منْ خلفِ المَدَدِ
إلى روما يمضي والحنينُ مَراكبُ
تُقلِّبُ في أعماقِهِ نُصُبَ العُرْبَاءِ
يُطيلُ الوقوفَ على الأعمدةِ التي
بَنَتْ مجدَ أحلامٍ وأحزانِ أُدَبَاءِ
وفي المَدى تمشي امرأةٌ عربيةٌ
كأنَّ بها في الخَلقِ سِرَّ الأنبياءِ
عَلى وجهِها ذِكرى الخيولِ وهَدْيرُها
وعِطرُ الرُّبى، والنّايُ في ليلِ نَجدَاءِ
تُحدِّثُهُ والعطرُ يسكبُ صوتَها
كأغنيةٍ من سَفرِ أهلِ الحَضَارَاءِ
تقولُ: “أنا بنتُ القصائدِ والضّيا
ووجهِي تراتيلُ السَّماءِ العَرَبَاءِ
وما كانَ سِحري غيرَ إرثِكُمُ الذي
نَسَجتُم بهِ وجداً يُجَدِّدُ أزْمَاءِ”
فقالَ لها: “يا فتنةَ الرّوحِ الّتي
تُعيدينَ لي ما ماتَ من أُمنِيَاءِ
رأيتُكِ في الشّامِ ابتسامةَ نرجسٍ
وفي مصرَ كنتِ الموجَ فوقَ شَطَاءِ
وفي فيننا ظلٌّ، وفي لندنَ الدُّجَى
وفي غَرنَاطَةٍ صوتُ طِفلٍ بِحَدَاءِ
فَهلْ أنتِ تلكَ الّتي تَغنِي بقلبي
وتَكتُبُ لي في كلِّ أرضٍ رِوَاءَ؟”
فأجَابَتْهُ والعينُ تلمَعُ دَمْعَها
كأنَّ بها سِرَّ البقاءِ وَالفَنَاءِ:
“أنا من رُخامِ الشِّعرِ صُغتُ مَلامِحي
لأُبقي جَمالَ العُربِ حَيّاً في السَّمَاءِ”
فَتَركها تمشي بينَ آثارِها هُدُباً
تَضُمُّ الغُروبَ إلى جلالِ الضِّيَاءِ
ومَضى نحوَ فجرٍ لم يَكُنْ يَعلمُ اسْمَهُ
كَأنَّ إلى الشّرقِ اشتياقَ النّداءِ
إلى قُرطُبَةٍ يمضي الحنينُ كَسَيِّدٍ
تَعانِقُهُ الأبوابُ من كُلِّ مَنعَفِ
وفي ظلِّ أقواسِ المساجدِ خُطوةٌ
تُحاكي نَبِيّاً عادَ من جُرحِ مَشرَفِ
تُطلُّ عليهِ امرأةٌ أندلُسيَّةٌ
كأنَّ المَساءَ اعتَصَرَ النُّورَ في الصَّفِفِ
عُيونُكِ يا بنتَ الحِجازِ خَميلَةٌ
تَفيضُ على الأندلسيِّ المُتَعَرِّفِ
تُسائِلُهُ: “يا زائراً من مَشارقٍ
أَما زِلتَ تَذكُرُ عِشقَنا المُتَطرِّفِ؟
أما زِلتَ تَذكُرُ حينَ كنّا قَوافِياً
تُغَنِّي بها الدُّنيا وتَعبُرُ في الصَّحَفِ؟”
فقالَ: “رأيتُكِ في اللّيالي جُمانَةً
تُنادينَ قلبي في الغيابِ المُرهَفِ
تُنادينَني من كلِّ دَربٍ مُعَطَّرٍ
فأهفُو كأني عائِدٌ من تَصَوُّفِ”
فضَحِكَتْ وقالَت: “إنَّنِي لَستُ أنثى
وَلَكِنَّني ظِلُّ الجَمالِ المُؤلَّفِ
أنا ابنةُ مَن عانَقنَ قَولَكَ في الدُّجى
وصُغنَ الهَوى من نَغمِ اللَّيلِ والعَرَفِ
وسِحري امتدادٌ من رُؤاكَ، فإنَّما
جَمالي صَدى بُنيانِ قَلبِكَ يا عَرَفِ”
فَبَكَى وقالَ: “الشَّوقُ أعرَفُ مَن أنا
ومَن ذا يُعيدُ النَّبضَ بعدَ التَّلهُّفِ؟”
فغابَتْ كطَيفٍ من مآذنِها، ومَضَى
كَمَلكٍ يُشيِّعُ في الخُطى نَفسَ خُلفَفِ
يُنادِي على الدُّنيا: “هُنَاكَ تَجَسَّدَتْ
قُرُطبةُ الحُبِّ، المَدى والمَعارِفِ”
على ضِفَّةِ البُوسفورِ يسكنُ خاطِرُهْ
كَطيرٍ تَعبَ منَ الرِّياضِ وسافَكْ
يُطيلُ التّأمُّلَ في المآذنِ كلَّما
دَنَا من صَلاةِ الشّوقِ في قلبِ سالِكْ
وفي السُّحبِ الزّرقاءِ ظلُّ حبيبةٍ
تُلوِّحُ أنَّ الشرقَ عادَ لِهالِكْ
رآها، فهاجَ الموجُ في أعماقِهِ
كأنَّ صِباهُ العائدَ اليومَ مالِكْ
عَلى وَجنَتَيْها مِنْ ظِلالٍ عُثمانَةٍ
تُخبِّئُ في عطرِ القُصورِ مَلاكِ
تُحادِثُهُ باللُّطفِ صوتاً ناعِماً
كَصَومِعَةٍ تُرتِّلُ الذِّكرَ سالِكْ
تقولُ: “أأنتَ الشّرقُ؟ أم أنتَ طيفُهُ؟”
فيَبتَسِمُ المَسجودُ في كُلِّ حالِكْ
ويُجيبُها: “بلْ إنَّني الشّرقُ كُلُّهُ
وأبحَثُ عن مَعناهُ في وجهِ حالِكْ
أنا مِنْ دِمَشْقٍ المَسكُ نَبضُ تُرابِها
وفي شَعرِكِ المَجدُ المَهيبُ الشَّراكِ
وفي رُوحِكِ الأوهامُ تسكُنُ مثلَما
تَسكُنْ نُجومُ اللَّيلِ في ماءِ ناسِكْ
تَجمَّعَتِ الأكوانُ فيكِ مَلامِحاً
كَأنَّكِ تاجُ الكَونِ يا ذاتَ مِلاكِ”
فَتَبسَمَتِ الفُجراتُ فوقَ جبينِها
كَنُورٍ تَوضّأَ فِي المَدَى واستَبانِكْ
وقالَتْ: “هنا يَذُوبُ ما بينَ المَدى
ومَنْفى الشّجُونِ الحُرِّ فيكَ وشاكِكْ”
فمَدَّ يَدَيهِ إلى الأُفُقِ الذي انْطَوَى
عليهِ نِداءُ اللهِ فِي فَجرِ مالِكْ
وأَغمَضَ عَينَيهِ على نَفْحَةٍ سَرتْ
كَأنَّ المآذِنَ ضَوءَهُ مِنْ مِلاكِكْ
إلى الشّامِ عادَ القلبُ بعدَ تَغَرُّبٍ
كَمُنفيٍّ عانَى شَوكَ دَربٍ وَمَأثَمِ
يَسيرُ وأبوابُ السَّماءِ تَفَتَّحَتْ
لهُ، واليَدى تَمسَحْنَ عَبرَ التَّسَلُّمِ
يَمُرُّ على سوقِ الحَميديّةِ حاملاً
صَدى العُمرِ في عَينَيهِ، طِيبَ التَّرَحُّمِ
فيرى التي تُعطِّرُ الدُّنيا بِنَظْرَتِها
كأنَّ ضِياءَ النّورِ مِنْ جَفنِها يَنمِي
عُيونُكِ يا بنتَ الشّآمِ قَصِيدَةٌ
تَفوحُ على الآفاقِ مِسْكاً وتَنْعِمِي
وشَعرُكِ نُورُ الجَبَلَيْنِ إذا سَطَا
على الفَجرِ، أو مَجْدُ الرُّبا فِي التَّمَتُّمِ
سَألْتُكِ: “أأنتِ الّتي خَطَّتْ مَلامِحِي؟”
فقالتْ وَمَسْكُ القولِ يُروِي تَكَلُّمِي:
“أنا الشّامُ، لا أحتاجُ إسماً لِأعرِفَنْ
فَكُلُّ جَمالِ الأرضِ يَرجِعُ لِي، سَلِّمِي
هَوَاكَ قَدِيمٌ كَالنَّخِيلِ بِجَذْرِهِ
وَقَلبُكَ مِنْ نَبْعِي، وَرُوحُكَ مِنْ دَمِي
فَكَمْ مَرَّ مِنْ حُبٍّ عَلَيَّ وَمَا انْقَضَى
وَكَمْ وُلِدَ العُشَّاقُ مِنْ نَفَسِي الحَلِمِ”
فَبَكَى وقالَ: “الشّامُ أنثى خَالِدٌ
يَصوغُ الهوى في صَوتِها نَغَمَ الأُمَمِ”
تَبَسَّمَتِ الأَزِقَّةُ حينَ مَرَّ صَداها
كَأَنَّ القِبابَ تُمَجِّدُ الإِسمَ وَالعَلَمِ
وَفِي رُوحِهِ عَادَ الصِّبا مُتَوَضِّئاً
كَأَنَّ المَسَاءَ تَرَتِّيلُ مُسلِمِ
إليكِ بغدادُ، يا سِحرَ الرُّبى والعَشَائِقِ
ويا نَغَمَ الخلدِ المُوشّى بِالعَناقِ
أتيتُكِ من صَهوَةِ الشِّعرِ مُتعبًا
أطوفُ على جَرحِ الزمانِ العِتَاقِ
أنا ابنُ المدى، والريحُ كانت مُعلِّمي
ووجهي حَكايا الرملِ بينَ الآفَاقِ
أتيتُ أُقَبِّلُ وجهَ دِجلَةَ عاشِقًا
وأغسلُ حزني في صدى الأروَاقِ
هُنا النخلُ يشكو من فُراقِ رُبَاهُ
وهُنا القصيدُ يُفيقُ بعدَ فِرَاقِ
على ضِفَّةِ الدِّجلَتَينِ أطَلَّ وجهُ العِشَاقِ
يُطِلُّ كضوءِ المُنى في نُفُوسِ الرِفَاقِ
رأى فِي الرُّصَافَةِ أنثَى المَدَى
تَسُوقُ العُطورَ كأنَّها الأرْوَاحُ في الأسْوَاقِ
تَمُرُّ، فيَهْتَزُّ مِن نَفْحِهَا الزَّمَانُ
وتَغْنِي المآذنُ مِن عِطْرِهَا المُشتَاقِ
سألها: «أأنتِ التي سَكَنَتْ خَيَالِي؟»
فقالتْ: «أنا مِن مَدَى الرَّافَدَينِ الرَّاقي
أنا ابنةُ نَخْلٍ عَتِيقٍ وعَزْمٍ
ومَاءٍ جَرَى في العُصورِ الدِّقَاقِ
وفي خَصلَتَيَّ شُمُوسُ الحِكَاياتِ
وفي عَيْنَيَّ نَهرٌ مِنَ الإشْرَاقِ
أنا بغدادُ، لا تُطفِئُ النَّارُ مَجْدِي
ولا يَنثَنِي العِطرُ بينَ الدِفاقِ
هُنا كَانَتِ الأرْوَاحُ تُكتَبُ وَحْيًا
وتُغنِّي المآسِي على الأرمَاقِ
هُنا حَارَ طيفُ الخُلودِ بِعِشقِي،
فمَن يُدرِكُ النُّورَ فِي الأحْدَاقِ؟
هُنالِكَ، حَيثُ الشِّعرُ يَسكُنُ مَهجَتي
وَتَنبُتُ فِي رُوحي سَنابِلُ أَطواقِ
أَمُدُّ خُطايَ نَحوَ مَطلعِ نُورِها
وَأَعبُرُ بَحرَ الحُلمِ فَوقَ الشَفَاقِ
أُحِسُّ كَأَنَّ العُمرَ يَرجِعُ كُلَّما
نَظَرتُ لِوَجهِ الشَّرقِ فِي الأَورَاقِ
فَهَذِهِ أُمُّ النُّبوغِ وَقِبلَةُ ال
أَزمانِ، تَحكِي المَجدَ فِي الأَسواقِ
بِلادُ سُميرٍ والبُيُوتُ كَأَنَّهَا
سُطورُ كِتابٍ مِن نُقوشِ العُشّاقِ
دَخَلتُ إلَى بَغدادَ، تَحمِلُ وَجهَهَا
سَنا الفَجرِ، وَالأَحلامُ فِي الأَورَاقِ
تَنَفَّسَ دِجلَةُ حِينَ لَمسَتُ مِيَاهَهُ
كَأَنَّ نَبِيّاً قامَ بَعدَ فِرَاقِ
رَأيتُ امْرَأَةً تَبيعُ عُطُورَهَا
وَفِي نَبرَتَيْها مَسكُ أَلفِ عِتَاقِ
عِرَاقيَّةُ المَحيا، عِطرُ لَفظِهَا
يَعيدُ إلى الآذانِ عَهدَ اتِّفَاقِ
سَألتُهَا: “أأَنتِ الَّتي نَسَجَتْ هَوَايَ؟”
فَقالَتْ، وَمَوجُ اللّطفِ فِي الإِشفاقِ
“أَنَا مِن بِلادِ الرَّافِدَيْنِ، وَإِنَّمَا
هَوَاكَ قَدِيمٌ قَبلَ كُلِّ وِثَاقِ
كَتَبْتُكَ يَومَ البَحرِ نَامَ عَلَى المَدَى
وَيَومَ تَغَنَّى الفَجرُ فِي الآفَاقِ
وَحِينَ نَمَا فِي الطِّينِ طِفلُ مَلَاحَةٍ
نَسَجْتُ لَهُ مِن رُوحِيَ الأَذْوَاقِ”
فَسَكَنَتُ عِندَ العِطرِ، أَرتَلُ حُلمَهَا
وَأَشرَبُ مِن كَفَّيْهَا نَدى الأَشواقِ
تَغَنَّى المَدَى: “هَذِي بَغدادُ سَيِّدَةُ ال
حُرُوفِ، وَسَاحِرَةُ المَعَانِي الرّاقِ”
وَفِي شَعرِهَا شَمسُ الجَبَالِ تَأَلَّقَتْ
كَمِسْكٍ يُؤَجِّجُ نَارَةَ العُشّاقِ
تُقَبِّلُهَا الرِّيحُ العَرَاقيَّةُ اتِّقَانَ
وَتَحْمِلُ مِن خَدِّ المَحَبَّةِ عِبَاقِ
فَقُلتُ لَهَا: “يَا سَيِّدَةَ الفَجرِ، إنَّنِي
وَجَدتُكِ فَجرَ الشِّعرِ بَعدَ مَشَاقِ”
فَقَالَتْ: “سَيَبقَى الحُبُّ نَهرًا سَاكِبًا
يُعَانِقُ فِي الأرْوَاحِ صَوْتَ تَوَاقِ”
هُنا جَلسَ الشعراءُ يُسقِطُونَ كَوَاكِبًا
ويَكتُبُونَ الوَفَا في سُطُورِ اشتِيَاقِ
فَقُلْتُ لَهَا: يا جَميلَةَ المَجْدِ والضِّفَّتَيْنِ
يَكْفِينِي أنَّكِ مَأوَى العُشَّاقِ
يَكْفِينِي أنِّي إذا مِتُّ يومًا
تَضمِّينَ عَطري بِحُضنِ العِرَاقِ.»
فَغَابَ صَداها فِي المَدِينَةِ سَاكِنًا،
وَبَقِيَ العِطرُ يَسْكُنُ اللَّيلَ كَذِكرى مِن نَبِيذٍ عَتِيق،
تَهْتَزُّ فُرَاتُ الشِّعرِ فِي مَهْدِها،
وَيُولَدُ فَجرٌ آخَرُ مِن نُورِ بَغدَاد.
إلَى بَيرُوتَ، الحُلمِ، أَبحَرْتُ وَحدَتِي
وَرَاحَتْ تُغَنِّينِي النُّجُومُ الحِسَارَا
تَفَتَّحَ فِي صَدرِ السَّماءِ غَمَامُهَا
وَنَاحَتْ عَلَى المَاضِي رِيَاحٌ سُفَارَا
وَرَأيتُهَا بَيرُوتَ تَنهَضُ كَالعِطْرِ
بَينَ الرَّدَى، وَالنُّورُ يَنسِجُ أَسْرَارَا
تُرَتِّلُ أَغْنَانِي، وَفِي صَوتِهَا بَكَى
نَبِيٌّ تَغَنَّى فَاحَ مِنهُ الضِّيَارَا
عَرَفْتُ امْرَأَةً تَسْكُنُ البَحرَ، عَيْنُهَا
مَصَابِيحُ لَيلٍ أَذْكَرَتْنِي الدِّيَارَا
تُحَدِّثُنِي عَن حُبِّهَا، وَكَأَنَّهَا
تَقُولُ: “بِرُوحِ العِشقِ صِرْتُ المَنَارَا”
فَقُلتُ لَهَا: “يَا بَيرُوتُ، مَا أَنتِ؟” فَانْحَنَتْ
وَقَالَتْ: “أَنَا الجُرحُ الَّذِي أَزهَرَ النَّارَا
أَنَا البَحرُ لَوْ يَغْفُو أُعِيدُ مَدَاهُ، وَال
صَّخْرُ إِذَا حَزِنَتْ قُلُوبُ الأَحْجَارَا
أَنَا وَجَعُ الشِّعْرِ، الَّذِي يَتَنَفَّسُ ال
قَمَرَاتِ فِي لَيلِ الهَوَى إِسْرَارَا”
وَسَكَنَتُ صَوتَهَا كَأَنِّي سَماعُهُ
يُفَتِّحُ فِي رُوحِي رُبَاهُ وَأَفْجَارَا
تَنَاثَرَ مِن شَعرِ الجَمِيلَةِ عِطْرُهَا
كَأَنَّ المَسَاءَ تَقَاسَمَ الأَقْمَارَا
فَبَيرُوتُ — إِنْ مَسَّ الغَرَامُ جُبِينَهَا —
تُقِيمُ لِعُشَّاقِ البَحَارِ مَنَارَا
تُقَاتِلُ بِالنُّورِ الَّذِي فِي عُيُونِهَا
وَتَخْتِمُ بِالزَّهرِ الكِتَابَ وَسُطُورَا
فَبَاتَتْ بِرُوحِ العِطْرِ تَسْكُنُ مَسْمَعِي
وَيُسَافِرُ شِعْرِي فِي نَبِيذِ قُمَرْهَا
تَبْقَى بَيرُوتُ فِي القَلْبِ حَبيبَةَ الأَسْرَارِ
تُضَمِّدُ جُرْحَ العَالَمِ… وَتَبْكِي جَمَالَهَا
أَتَيْتُ إِلَى القَاهِرَةْ… وَالنِّيلُ يَحْمِلُنِي
كَأَنِّي شِراعُ الشِّعْرِ فِي مَائِهِ البَهْيِّهْ
تَفَتَّحَ فِي صَدْرِ المَدِينَةِ يَاسَمِينُهَا
وَنَاحَتْ عَلَى المَاضِي رُبَاهُ الطَّرِيَّهْ
تُحَدِّثُنِي الأَحْجَارُ عَنْ فَرْعُونِهَا
وَعَنْ نَبَضِ نِيلٍ فِي الشِّرَايِينِ خَفِيَّهْ
وَرَأَيْتُهَا، وَجْهًا تَرَاءَى مِثْلَ حُلْمٍ
وَفِي الحُلْمِ كَانَتْ نَظْرَتَاهَا نَبِيَّهْ
تَمَشَّتْ عَلَى ضَفَّةِ النِّيلِ، وَانْتَشَرَتْ
مَلامِحُهَا فِي اللَّيلِ نَجْمًا وَنِيَّهْ
فَقُلتُ لَهَا: “يَا نِيلُ، مَنْ هِيَ هَذِهِ
الَّتِي فِي هَوَاهَا كُلُّ رُوحِي وَلِيَّهْ؟”
فَقَالَ: “تِلْكَ ابْنَةُ الرَّمْلِ وَالوَجَعِ الَّذِي
أَقَامَ عَلى أَكْتَافِ تَارِيخِهِ الزَّهْرِيَّهْ
هِيَ القَاهِرَةُ… العِطْرُ، وَالمُوسِقَى الَّتِي
تُغَنِّي بِدَمْعِ الشَّعْبِ أَغْنِيَّهْ”
فَأَخَذْتُ مِنْ صَوْتِ المَآذِنِ نَبْضَهَا
وَرَسَمْتُ فِي الأَحْرُفِ عِشْقًا نَقِيَّهْ
تُصَلِّي عَلَى الكَوْنِ البَهِيِّ بِعَيْنِهَا
وَيُصْبِحُ وَجْهُ الشَّمْسِ فِيهَا وَصِيَّهْ
تُحَدِّثُنِي عَن مِصْرَ: “كُنْتُ مَلَاكَهَا
وَصِرْتُ لَهَا أُمًّا، وَصِرْتُ البَقِيَّهْ”
وَسَكَنَتْنِي كَالنُّورِ فِي صَدْرِ حَالِمٍ،
وَغَافَرْتُ دُنْيَاهُ وَكُلَّ الخَطِيَّهْ
تَذُوبُ العُصُورُ إِذَا ابْتَسَمْتِ، فَإِنَّمَا
عَلَى ثَغْرِكِ التَّارِيخُ صَارَ وِصِيَّهْ
فَبَاتَتْ كَأُمٍّ تَحْتَضِنُ الشَّمْسَ، تَغْفِرُ،
تُهَدِّئُ أَوجَاعَ العُرُوبَةِ بِرُوحِهَا،
وَيَبْقَى النِّيلُ، كَالشِّعْرِ، يَكْتُبُ لِلْهَوَى
بِمِدَادِهَا… تَارِيخَنَا وَدُمُوعَنَا.
سلامٌ على المجدِ الذي فيكِ أشرَقَتْ
عصورُ الهوى في حُسنِ مَبدَاكِ قد بَدَتْ
سلامٌ على أنفاسِ طِيبٍ ترنَّمَتْ
على شُرفاتِ الوردِ فيكِ وقد سَكَتْ
سلامٌ على مهدِ الحنينِ إذا سرَتْ
بهِ الرُّوحُ تُصغي لِلنوى حينَ ما انطوَتْ
سلامٌ على أندلس المجدِ إنَّها
سطورُ ضياءٍ ما غَدَتْ بل هي ابتَدَتْ
إشبيليَّةَ الحُلمِ العتيقِ ومنبَعِ ال
غناءِ، ومسرى الحورِ في اللحنِ والبيَتِ
أتيتُكِ والشوقُ القديمُ يُحرِّكُ ال
مدى، كنجومٍ في دجى الذكرياتِ تَبَتْ
أتيتُكِ أسترجِي من الطينِ غيمةً
تَعيدُ لأرضيَ ما سُقِيَتْ فاستعذَبَتْ
أتيتُكِ والماضي على كتفي مِعْطَفٌ
تَضوعُ بهِ ريحُ الحضارةِ إن سَكَتْ
هنا حيثُ أمواجُ الغناءِ تلوَّنتْ
كأنَّ الرُّبا عزفَتْ بأوتارِ نايَتْ
هنا قُبَلُ التاريخِ ما زِلنَ فوقَهُ
نُجومًا تُغَنِّي للمحبّةِ وَ تَرَّتَبْتْ
هنا لابنِ زيدونٍ تُسافِرُ أنجُمٌ
على خدِّ ولَّادةٍ كالتبرِ إنْ ضحِكَتْ
هنا كانَ للعِطرِ انتماءٌ لعاشِقٍ
يُحدِّثُ وردَ الحقلِ أنَّ الهوى نَبَتْ
ويا ليلَ إشبيليّةِ العشقِ هل ترَى
ظلالَ المُنى إذْ مرَّتِ الريحُ ما سَكَتْ؟
كأنَّ المآذنَ حينَ تُنصِتُ للندى
تُجيبُ المدى “اللهمَّ فاحَتْ طيوبَتْ”
ويا سهلَها الأخضرَ الذي كم رَأيتُهُ
يُناجي على الغيماتِ همسَ العَبَراتْ
ويا نهرَها الجاري كأنَّكَ أنفُسٌ
مضَتْ في فِداءِ الحبِّ ما يومَ ما رَكَتْ
تساقَطَ من أفنانِها لحنُ عاشقٍ
يُغنِّي لسيفٍ مرَّ من دونِ غايَتِ
كأنَّ الرُّخامَ الباكيَ الآنَ ناطِقٌ
يَحِنُّ إلى أيَّامِ عِزٍّ وتَهيبَتْ
ويا إشبيليّةَ، ما سقيتِ رُباكِ دَماً
ولكنَّهُ وردُ الفَخارِ وما خَبَتْ
بكِ الأمسُ مجدٌ لا يُرى غيرَ أنَّهُ
بَقَى في قلوبِ العاشقينَ وقد رَوَتْ
فيا مهبِطَ الأرواحِ يا نغمةَ الهوى
أيا موطنَ الشعراءِ والعِشقِ والآيَتِ
إذا مرَّ فيكِ العودُ شدَّ وتينَهُ ال
فؤادُ وقالَ: اللهُ ما أبهجَ النَّغَمَاتْ
وما كنتِ إلّا من ضياءٍ مجسَّدٍ
إذا لاحَ صارَ الليلُ يَشدو بِمَعجَزَتْ
فيا إشبيليّةَ، يا جَبينَ حضارةٍ
تَوهَّجَ في ليلِ البريَّةِ أنجُمَتْ
رَحلتُ وفي قلبي تُغنِّي مآذنٌ
على شَفَةِ التاريخِ ما زِلنَ مُشرِقَتْ
تُنادينَ من بُعدٍ دمشقَ كأنَّما
صهيلُ المآذنِ في المدى قد تعانَقَتْ
وتَهمِسُ: يا شَامَ الجَمالِ تهيَّئي
فإشبيليَةُ الوَجدِ قد نَسجَتْ رايَتْ
تُسَلِّمُ شُعاعَ العزِّ من موجِ وِردِها
إلى النيلِ، فالفجرُ انتَصَبْ، وانفَتَحَتْ
إلى الشامِ تمضي بالرُّخامِ رسالةٌ
تقولُ: هنا المجدُ ابتدأْ، وهناكَ اتَّحَتْ
فيا ملحمةَ الدنيا، خُذي من رُباكُمُ ال
نِداءَ، فإشبيليّةُ بالشوقِ قد خَتَمَتْ
عُدْتُ إِلَى سَلْقِينِ، وَالفَجْرُ مُزْدَهٍ
كَأَنَّ عُيُونَ الأَنْجُمِ السُّجْدِ تُؤْمِنُ
تَنَفَّسَتِ الأَرْضُ العَطُورَ، وَفِي الذِّرَى
تَرَاقَصَ وَرْدُ اللَّوزِ وَالطَّلُّ يَحْضُنُ
هُنَالِكَ، عِنْدَ النَّهْرِ، بَابُ وِلاَدَتِي
وَفِي الصَّخْرِ أَسْمَاءُ الَّذِينَ تَكَوَّنُوا
تَفَتَّحَ مِنْ أَحْضَانِهَا نَبْتُ مَجْدِنَا
وَفِي رُوحِهَا يَغْفُو الحَنِينُ وَيَسْكُنُ
سَلْقِينُ — يَا أُمَّ العُرُوبَةِ وَالمَدى
عَلَى خَطْوِكِ التَّارِيخُ يُكْتَبُ مُعْلَنُ
أَنَا ابْنُ صَبَاحَاتِكِ، وَالطِّينُ وَالضُّحَى
وَفِي خَبَزِكِ الدَّافِي سُكَّرُ مَنْ دَفَنُوا
رَأَيْتُ وَجُوهَ النَّاسِ تُشْبِهُ نَبْضَهَا
فَكُلُّ وُجُودِي مِنْ هُنَاكَ تَكَوَّنُوا
وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ حَدِيثُ مَحَبَّةٍ
وَعِطْرُ أَبٍ قَدْ كَانَ نُورًا وَأَعْيُنُ
هُنَالِكَ يَسْكُنُ “شَاهِرٌ” فِي سَمَائِهَا
كَمِسْكٍ يُعَطِّرُ نَفْسَ مَنْ يَسكنوا
وَأَرْوَاحُهُ العُظْمَى تُحَلِّقُ حَوْلَنَا
كَأَنَّ المَلَائِكَ فِي دُجَاهُ تَبَنَّوا
تَغَنَّى بِهَا الحُسْنُ العَرِيفُ كَأَنَّهُ
يُرِيدُ لَهَا حُبًّا يُقَوِّمُ مَنْ يَهُونُ
فَيَا مَدِينَةَ نَبْضِ قَلْبِي سَلْقِينُ
فِي حُبِّكِ الدُّنْيَا تَبْدَأُ وَتُؤْمَنُ
وَعُدْتُ كَمَنْ عَادَ إِلَى طِينِ خُلْقِهِ
وَفِي صَوْتِ أَهْلِهْ تَسْكُنُ الأَوْطَانُ
سَأَكْتُبُ مِنْ رُوحِكِ سِفْرَ مَحَبَّتِي
وَأَخْتِمُهُ بِاسْمِكِ، فَأَنْتِ البَيَانُ
هُنَالِكَ، فِي أَطْلَاسِ رُوحِي تَجَذَّرَتْ
حُرُوفُ الهَوَى، وَالمَجْدُ، وَالأَوْطَانُ
تَنَاثَرَ مِنْ نَبْضِي شُذُورُ أَسَاطِيرِهَا
وَبِاسْمِ سَلْقِين… يُخْتَمُ الزَّمَانُ