بَينَ المَواقيتِ الَّتي لا تَستَقيمْ
جَلَسَتْ أمامي،
والفضاءُ يُحاوِرُ الغَيمَ السَّقيمْ
حَرفانِ من عَطرِ المسافِرةِ
انسكابٌ في السَّماءْ،
ورَجفةٌ خَجلى تُفَكِّرُ
: هل تُرى أَلقاهُ يومًا؟ أم يَغيمْ؟
قالتْ: “تُحبُّ القَهوةَ السَّمراءَ مثلِي؟”
قلتُ: “أحبُّها
إن كانَ طَعمُ القَلبِ فيها…
لا يَسيمْ.”
ضحِكَتْ، كأنَّ الصَّالةَ العَرجاءَ
قامتْ في الرُّجوعْ،
وكأنَّها الميناءُ
بعدَ الغَرقِ المُستَتِرِ العَظيمْ.
تُقلّبُ الأوراقَ في صَمتٍ،
كأنَّ حَقيبتَها كتابٌ
ضَمَّ أسرارَ الهَوى،
ومَخاوِفَ التَّعليمْ.
يا وجهَها المَنسوجَ
من فجرٍ ومن غُربَتَينْ،
هل أنتِ سارةُ في مَلامحِها؟
أم الحُلمُ القديمْ؟
يا نَجمةً وقَفَتْ على شُبّاكِ عُمري حَيرَةً
تَسقي انتظاري،
ثُمَّ تَرحَلُ مع النَّسيمْ.
بَينَ المَواقيتِ الَّتي لا تُدامْ
جَلَسَتْ أمامي،
والفضاءُ يُحادِثُ الغَيْمَ الظلامْ
ضاعتْ حقائبُنا على أرصِفَةِ الزَّمانِ،
ولم نَزَلْ
نُحصي وُعودَ الرَّاحلينَ،
ولا نَنَامْ
هيَ لا تُريدُ حديثَ عاشقٍ في انتِظارٍ مُرهَقٍ،
وأنا الذي لا أستطيعُ بأنْ أَدَامْ.
تَرمُقْنِي بارتِيابٍ،
ثُمَّ تَكسِرُ صَمتَها:
"تَبدو كَمن نَسيَ اتِّجاهَ القَلبِ،
في هذا الزَّحامْ..."
فأقولُ: "كُنتُ هناكَ،
في عَينيكِ، مُنذُ أَعْوَامْ،
لكنَّني خُنتُ الدَّروبَ…
وعدتُ دونَ سَلَامْ."
تَبتَسِمُ الأنثى،
ويَنفَجِرُ المَطارُ بألفِ ضَوءٍ
كأنَّها الشَّمسُ
التي ضَلَّتْ طريقَ المَقَامْ
تَسأَلُني: "هل تَكتُبُ الشِّعرَ
الَّذي يُغرِي النِّساءْ؟"
فأُجيبُها: "أكتُبُ ما يُؤذِي النِّساءَ
إذا نَظَرنْ إليَّ، ولا أُلامْ "
تُقَلِّبُ المَجلَّةَ في هُدوءٍ
وتَعبَثُ الأَصَابِعُ في القَلَمْ
وأنا أُحاوِلُ أن أُقابِلَ نَظْرَها…
ولا أُهامْ
كأنَّها سارةُ
وقد نَسِيَتْ اسْمَها
وكأنَّني أنا…
كُنتُ حُبًّا لا يُقامْ
يا طَيفَها المَبحوثَ
في مَطَرِ الرُّؤى
ما عادَ في كَفِّي سِوى رَجْفٍ دَوَامْ
تَمشي الخُطى
ببطئها النَّاريِّ نحوي،
ثُمَّ تَرجِعُ
كأنَّها خَوفُ الحَنينِ
من الحَنينْ
والمَكَبِّراتُ تُعلِنُ
عن رِحلاتٍ لا تُرى
وأنا أُؤجِّلُ نَظْرَتي…
كي لا تُضامْ
يا وَجْهَها المَكشوفَ
كالأَسْرارِ في دَفْتَرْ
ما كانَ أجمَلَ أنْ نَضِلَّ…
ولا نُلامْ
كُلُّ الذينَ مَرَرْتِ
فيهم غَيرِي نَسوا
وأنا الَّذي أبقى،
وأَبقى،
وأُدامْ
تَمشي كضوءٍ
في الممرِّ، وتَستفيقُ
على المرايا
ثمّ تَغفو في ضُحاها
عينانِ من ليلِ
المسافةِ تشتهي
أن تَستعيدَ
معَ العيونِ سناها
قالتْ: "تُحبُّ الصمتَ؟"
قُلتُ: "لأنَّني
أخشى إذا نطَقَ الحنينُ جفاها"
تَبْتَسِمُ الأنثى
ويَرْتَبِكُ المكانُ، كأنَّ
في أنفاسِها
طِيبَ الرّبيعِ، شذاها
تَعبثْ بأهدابِ الحقيبةِ
مثلَ مَن أخفى
وراءَ حقيبَتِهْ سِرّا هواها
تَنظُرْ إليَّ
فأستحيلُ إلى صدى
ويُعيدُني ذِكْرُ العيونِ صِباها
يا مَن تُعيدُ
إلى الرحيلِ طفولتي
هل كنتِ وعدًا؟
أم خيالًا جاها؟
أَدْنُو فتَبعُدُ
مثلَ نجمٍ غامِضٍ
وتُغادرُ الآهاتُ
حينَ أراها
يا زهرةً نَبَتَتْ
على شُفَةِ الوداعِ
ولم تَسقِ الحنينَ
ولم تُدَثِّرْ فاها
يا ظِلَّها الساري
على كُتُبِ الغيابِ
تُعيدُني، وأعودُ
كي أنساها
ما بينَنا — واللهِ — ليسَ سوى المدى
لكِنَّهُ مَدًى يُناجِي مداها
كانتْ تقولُ: "إلى اللقاءِ..."
وأُخفيَتْ عَنِّي صَداها
ثُمَّ ضاعَ صداها
وغَدَتْ تُسافرُ
في المطارِ كأنَّها
تَغفو على قلبي،
وتَحملُني معاها
يا لَيتَها
لَم تَعبُرِ اللحظاتِ بي،
يا لَيتَني ما كُنتُ يومًا راها
في صالةِ الانتظارِ
كانتْ مثلَ أغنيةٍ
ضاعتْ على دربِها
الأوراقُ وخطاها
جاءتْ بلا موعدٍ،
والعُمرُ يسألُني:
هل جئتَ تكتبُ حلمَها…
أم جئتَ تنساها؟
عينانِ تسكُنانِ
ذاكرةَ المَساءِ، وفي
أنفاسِها عبقٌ
يُشَبِّهُني بمولاها
قالتْ: “تَبدُو غارقًا
في الصَّمتِ، ما بكَ؟”
قُلتُ:
“كنتُ أُفتّشُ فيكِ
عن سارةْ، فما أَراها…”
ضحِكَتْ، فاهتزَّ في الجدرانِ
صَوتُ هوًى
يَخشى الحنينُ
عليهِ أن يُفني شذاها
تَعبثُ بشَعرِها المَسحورِ تسألُني:
“هل كُنتَ تعرفُ قَبلَ
هذا مِن يُشبِهُهَا؟”
فأقولُ: “نعمْ…
كانتْ تُطلُّ عليَّ حينَ
يَمُرُّ طيفُ الحلمِ
ثم تميلُ نحوَ البَعدِ،
تُخفِي بعضَ معناها.”
يا غُربتي بينَ المَقاعدِ،
والهَوى شَطَرٌ
منّي يُغادِرُها…
وشِعري لا يُودّعُها
لو أنَّها لَم تَلتَفِتْ
لَعرفَتْ بأنَّني
رَجُلٌ يُخافُ الحُبَّ
إن لَم يَستَطِعْ رُؤياها
يا غُصنَها المائلَ الأَنثى،
ويا فَجرًا يمشي على حَذرٍ
ويُخفِي ضوءَ نجواها
كلُّ المُغادرِ
في المطاراتِ انتهى سَفرًا،
إلا التي — في خافقي — أبقتْ صداها
نادَتْ مكبِّراتُ صَوتِها:
"الرِّحلةُ ماضيةٌ"
فاهتزَّ قلبي
مثلَ ورقٍ في ماها
قامتْ، تُرتِّبُ في الحقيبةِ نَفسَها،
وتُعانقُ الأيامَ قبلَ رحاها
قالتْ، وعينُ الموجِ تَبكي نغمةً:
"قد آنَ أنْ أمضي…
فصُنْ ذِكراها"
فأجبتُها: "سَتَظَلُّ في أَحداقِنا
أنثى المَطاراتِ الَّتي أغواها"
مَشَتِ الحشودُ وراءَ ظلٍّ ضاحكٍ
وأنا وراءَ الحلمِ…
أتبعُ جاها
ناديتُها، لكنَّ صوتي خائفٌ،
ضاعَ النداءُ،
وضلَّ في مَسراها
فأراها تغرقُ
في الجموعِ كأنَّها
فجرٌ تَوارى
في الغيومِ وراها
يا لحظةً شَرِدَتْ كأَنفاسِ الهوى،
تَبقى وتَرحَلُ،
لا أُمسِكُ فاها
كانتْ
حقيبتُها الصغيرَةُ سِفرَها
تُخفي القصائدَ
في زواياها الأسرارْ
مِنديلُها الأبيضُ
ما زالَ يحتفِظُ
بالعطرِ…
بالعُمرِ الَّذي وَلَّى وصَارْ
أوراقُها
تَعبقُ بذكرى مَوعدٍ
لم يكتملْ،
وبصَورةٍ تحتَ الغُبارْ
يا للعجب …
كأنَّها
أودَعتِ الحرفَ الذي
يوحي بأنَّ الحُبَّ
يومًا كانَ نارْ
فيها الرسائلُ
لم تُفتَحْ منذَ عامٍ
تَتَثاءبُ الكلماتُ
بينَهما أشعارْ
يا مَن
تُخبِّئُ في الحقيبةِ موطني،
وتُسافِرُ الدنيا،
وتَحمِلُني قَرَارْ
تَسقي الخيالَ
من الدفاترِ نَكهةً
وتُعيدُ للحبرِ المهاجرِ
ما استَطارْ
كم كانَ سِرّكِ
في الصَّغائرِ هَائِمًا،
يَصحو على حرفٍ،
ويَغفُو في أستارْ
كأنَّها تُخفي وراءَ زِمامِها
قلبًا يُناديني،
ويُهدي لي اعتذارْ
كانتْ حقيبتُها
الصغيرَةُ وِجهَتي
حينَ ارتحالِ البوحِ
وابتداءِ الأَسْرَارْ
تُخفي القصائدَ في بطانتها،
كما يُخفي الغمامُ
نُجومَهُ ضوءَ النهارْ
فيها الشّتاءُ مُعلَّقٌ كوشاحِها،
والصيفُ يختبئُ الحزينُ
على الدّيارْ
مِنديلُها الأبيضُ
ما زالَ دافئًا،
كأنَّهُ يَحمي
دموعًا من أنوارْ
والخاتمُ المقلوبُ عندَ حروفِهِ
نقشٌ تُرِكَ…
وعهدُهُ صَارَ انتظارْ
يا ليتَني كُنتُ الحقيبةَ لحظةً،
لأرى الرسائلَ
كيفَ يَسكنُها انكسارْ
فيها تذَكَّرتي،
وبَعضُ قصائدي،
وبقايا وردٍ…
لم يُكمِّلهُ المَسَارْ
عُطري هناكَ،
وملاذي،
وأحلامي
ما زالَ عِطرُكِ
في زواياها يُدارْ
يا مَن تَخبِّئُ
في الجيوبِ صبابتي،
وتُقايِسُ الأيّامَ بي،
وتَسيرُ بإفتخارْ
تَلمَسْ أُحُداثَ الوداعِ بلطفِها،
كأنَّها تُخفي الأسى
عنّي بأحذارْ
كم مرَّ ظلّكِ
في ممرّ حقيبتي،
فأَضعتُ عُمري
بينَ عَطْرٍ وانتظارْ
يا مَن تُسافِرُ بي
ولا تَدرينَ أنَّ
الحبَّ يحملُنا
وإن بَعُدَ المَدارْ
يا زهرةً نامتْ
على كَفِّ المدى،
وصَحَتْ لتَسكُنَ
في دُفاتِرِنا تَذْكارْ
تَبقينَ أنتِ
حقيبةَ الذِّكرى التي
فيها افتِتاني،
والمَطاراتُ الكِبارْ
سافرتِ أنتِ…
وحينَ أغمضتِ الرؤى
بقيتْ حقيبتُكِ
الحنونُ على المِسارْ
تُفتَحْ، فينثُرُها المساءُ عبيرَهُ،
ويقولُ: “كانَتْ ها هنا،
وتركتْ آثَارْ”
ما عادَ في المقهى
سِوى أنفاسِها،
تَسري على الكرسيِّ
كالغيمِ المُطارْ
يا ليتَني ما لُمتُها في رحلتِي،
قد كانَ حُبِّي
في الحقيبةِ كالإِعْصارْ
يا من تركتِ الحلمَ
في أشيائِكِ
ونَمَا على أطرافِها
ازْهَارْ
ما زلتِ في الحقيبةِ
المسجاةِ تَسكنُني
وأُحاورُ الذكرى
أستجار وأستَشَارْ
رَحلَ الجميعُ،
وبِالقُلوبِ حقيبتٌ
تبكي على الماضي
ولا تَنهارْ
نادَتْ مكبّراتُ صَوتِها:
"الإقلاعُ يقتربُ الآن..."،
فاهتزَّ في صدري الغرامُ القَديمْ
قامتْ تُرتِّبُ في يديها وُرودَها،
وتقولُ: "يا هذا،
تأهَّبْ للجَحِيمْ"
قلتُ:
"السفرُ طريقُ من لا وجهَ له،
يَمضي إلى المجهولِ
في تَقسيمْ"
قالتْ:
"وما المجهولُ إلا لحظةٌ
تَبقى على شفَتَيْكَ
كالتَّرانيمْ"
كانتْ تُودِّعُ ضَوءَ نافذةٍ بها
يتوارَدُ المِسْكُ النَّدِيُّ
على النَّسيمْ
فأَضعتُ
بينَ ندائها وخُطَاها
كِبرياءَ عُمرٍ ضاعَ
في التَّعظيمْ
وتَراكَبتْ
أصواتُ طَائراتٍ مضَتْ
كأنَّها نُسَخٌ من التَّقْديرِ
والعِزْمِ الصَّمِيمْ
أبصرتُها تَمشي على مِهَلٍ
كما تَمشي
المَسافاتُ البعيدَةُ
في التَّنْجِيمْ
يا وَجهَها السّاري
على أهدابِها،
ما زالَ في وجعي
يُساجِلُني الحنين
قالتْ:
"أتحزَنُ إن غَفَرتُ صبابتي؟"
قلتُ:
"الحُروفُ تُخيفُها الأَحلامُ
في التَّلحينْ"
تَبكي المطاراتُ
الَّتي عَرَفَتْ خطاها،
ويَغيبُ عن وجهِ الرَّحيلِ
مُقيمي اليقينْ
يا لحظةَ الإعلانِ،
كم سَكَنَتْ بها
آهاتُ من خَسِرَ الدُّموعَ،
ولَم يَلِينْ
قد قِيلَ:
“غادرتِ المسافِرةُ” التي
جَعَلتْ فؤادي طائرًا
في السُّلَّمِ الوَتِينْ
فأجبتُ صَوتَ النداءِ:
"مهلاً، إنّني
أَهوى التأخُّرَ
في وداعِ الحُلمِ الحسينْ"
غادرتْ…
لكنَّ النداءَ يَعودُ لي
صوتًا يَقولُ:
"رُبّما تَرجُعينْ"
وتَذوبُ في عَيني
خطوطُ مَطَارِها،
كالماءِ يَغسِلُ
وجهَهُ في العينْ
وتَظَلُّ سارةُ — في الغيابِ — قصيدتي،
ما بينَ نَسمةِ دَمعَةٍ وتَنَعُّمٍ آمينْ
نادَتْ مكبِّراتُ صوتِها:
“الإقلاعُ حالًا…”
فاهتزَّ في صدري
سؤالٌ لا يُجابُ
ولا يُرى معناها
قامتْ تُنظِّمُ في الحقيبةِ روحَها
وتَطوي بقايا منْ هوى…
كانَ ابتداها
قالتْ: “تُرهِبُكَ المطاراتُ الّتي
فيها الوداعُ يطيرُ مثلَ حمامِها؟”
قلتُ: “المطاراتُ التي تُخفي الأسى
هيَ ما يعلِّمُني الرّحيلَ…
ويَرتدي دمعَها.”
تَمشي على رِفقٍ
كأنَّ خطاها نغمٌ
وكأنَّها موسيقى الغيابِ
إذا تلاها
تُخفي ارتجافَ حقيبةٍ في كفِّها
تَحكي فصولًا
من وداعٍ في حناها
يا ليتَني بابُ الوصولِ أُطلُّ
كي تُخطِي إليَّ
وأستعيدُ بها هواها
يا غيمةً حيرى
تُحلِّقُ فوقَ نافذةٍ
ما زالَ في قلبي مطارٌ من صداها
كانتْ تُفتِّشُ في جوازِ رحيلِها
عن وجهِ من أحببتُهُ…
ونَسيتُ أن ألقاها
نادَتْ
بصوتٍ من خَجَلْ: “وداعُنا
لن ينتهي
إلا إذا نسِيَتْ خطاها.”
قلتُ: “الوداعُ إذا أتى علَّمني
أنَّ السلامَ
هو المَنافي في دُجاها.”
والصَّوتُ
يعلو من بعيدٍ مثلَ آهةٍ:
“الرحلةُ الأخيرةُ،
آنَ مَسراها.”
فتهاوَتِ الكلماتُ
من فميَ ارتباكًا
وانطفأَتْ في النّفسِ
أنفاسُ المنى، ومُناها
وتقدَّمتْ نحوي، وفي نظراتِها
بَحرانِ: موجٌ يُخفي الدموعَ،
وضحكُها نجواها.
مدَّتْ يَدَيْها مثلَ عصفورينِ
فوقَ غيومِها
وأنا المُسافرُ في العيونِ
إلى نهاها.
يا وجهَها
الممحوَّ في لُجَجِ المسافاتِ البِعادْ
ما عادَ قلبي بعدَها
إلا شتاتًا من رؤاها
يا آخرَ الأبوابِ
هل أُغلقتهُا خوفًا؟
أم أنَّها فَتحتْهُ كي تُبقينيَ في مداها؟
صمتُ المطارِ ينوحُ حولَ مقاعدي
كالموجِ بعدَ السفنِ…
لم يَعرفْ بُكاها.
يا صَوتَها النائي
إذا ناديتُهُ عادَ الصَّدى
خَجلًا، وأمسكَ في الضُّلوعِ
نداها
تَبكي السماعاتُ بعدَ إعلانِ الرّحيلِ
ويفيضُ في فنجانِ قهوتِها
عَطاها
رحلَتْ، ولكنْ ظلَّ في عيني دُخانُ
الطائرةِ الأولى
يُؤرِّخُ لا سِواها
غادرتْ…
لكنْ ما يزالُ خُطا الوداعِ
تَمشي على قلبي،
وتُوقِظُ ما طواها.
كلُّ المسافرينَ عادوا سالمينَ،
إلا أنا — ما زلتُ
أبحثُ عن مداها
يا لَيتَ صوتَ النداءِ
عادَ ليَومًا
ليقولَ: “أُلغِيَتْ رِحالتُها…”
فأنساها
لكنَّها ماضٍ يُقِيمُ أمامَ بوّابةِ الرُّوحِ
يُعلِنُ في فؤاديَ:
ما انتهى هواها
نَسجَ المطارُ
حكايةً من غُرْبَتِي
والنَّبْضِ والعَتَبِ
وتمازجتْ فيها الدُّموعُ
كأنَّها حرفٌ على الكُتُبِ
في تذكرةِ السَّفرِ القديمةِ وَجهُها،
مسطورُ حرفٍ
لم يزلْ يُحيي على التَّعَبِ
يا سارةَ
الأسماءُ إن ذُكِرَتْ سِواكِ
تُخطِئُ اللُّغَةُ
انحناءَ الحُبِّ والأدَبِ
كنتِ النداءَ
وكانَ قلبي مُنتَبِهْ
يَخشى الفراقَ
كأنَّهُ يُلقي إلى اللَّهبِ
ما زالَ في تذكرتي عِطرُ السَّنينِ
ولم يَزَلْ
في ضوءِ عينيكِ الشُّهِبِ
تَبكي المقاعدُ إنْ مررتِ بِها
ويُحسّ بالوجعِ الحديدُ
وبالحنينِ إلى الطَّرَبِ
يا رحمةَ الأيامِ
يا مَطَرَ الصَّبا
كيفَ التَقينا
عندَ مِفترقِ القَصَبِ؟
كانتْ يداكِ على التذكرةِ وردًا
يُنسِي المَطاراتِ
ارتجافَ العَتبِ
قرأتُ اسمَكِ…
فاستفاقَ الكونُ في
أنفاسيَ الحُرّى
كأنَّ الحرفَ من ذَهَبِ
يا صورةً
من فَجرِ أيّامي إذا
ضَحِكَ الصَّباحُ
وهاجَ بي طيفُ الحَبَبِ
ما زلتِ تَسكنُ في سطورِ تذكرةٍ
قُدّستْ…
لا تُمسَحُ الكلماتُ من كُتُبِي
يا رحمةَ القلبِ
الذي ما عاشَ من
دونِ النَّداءِ
ولا استراحَ إلى السُّحُبِ
يا من تركتِ على التذاكرِ قُبلَةً
تشكو الغيابَ
وتستفيقُ على اللهَبِ
كم مرَّتِ الطائراتُ فوقَ جِهاتِنا
لكنْ سماؤكِ
لم تُفارِقْني ولم تَذُبِ
وسألْتُ عنكِ المُضيفَ
فقالَ لي:
"هيَ غادَرَتْ…
والعُمرُ من بعدِ الذَّهَبِ."
فبكيتُ كالأطفالِ
حينَ رأيتُها
تَمضي وتَترُكُني
غريبًا في الغَرَبِ
يا "سارةً"
ما كنتِ رحلةَ عابِرٍ
بل كنتِ ميلادَ
المسافةِ والعَجَبِ
كلُّ التذاكرِ
في يدي، لكنَّني
ما زلتُ أُبحِرُ في هَواكِ بلا سَبَبِ
يا زهرةً نَفحتْ
على الأيّامِ عطرًا
وتَركَتْني في المَدى
بَينَ السَّحَبِ
فإذا انتهى السَّفرُ
وسكَنَتِ الدُّنَا
فستَبدئينَ — كأنَّكِ
اللانِهَايَةُ في النُّخَبِ
قد غابَ وجهُكِ
عن عُيوني وابتعَدْ
وتهاوَتِ الأنفاسُ
في صدري كَالرَعدْ
يا سارةَ
البوّابةُ العُظمى انطفَتْ
ومضى نِداءُكِ في المدى
خَيطًا من البُعْدْ
كانتْ يدَايَ تُلَوِّحانِ، فخِلتُها
تُبقي يَدَيكِ...
وتستعيدُهما بالجهْدْ
لكنَّ ظلَّكِ
سارَ من خلفِ المدى
وتوارَتِ الأقدامُ
في نَفَسِ المساءِ الشَّدْدْ
كم كنتُ أرجُو
أن تُؤجِّلَ خُطوَها
أن يعتريها الوجدُ
أو تغفو على الوَعدِ
لكنَّها مشتَتْ
كأنَّ حقيبتَها
تَحمِلُ زمانًا
ضاعَ من شِعْري بالصَدْدْ
يا ليتَها — حينَ التَفَتَتْ — نظَرتْ إليَّ
فقدتُ فيها القلبَ
والوجهَ الرَّشيدْ
وغدَتْ الممرّاتُ الطويلةُ
كالمقابرِ
كلُّ اتّجاهٍ في المطارِ
هوَ الفقيدْ
ناديتُها…
لكنَّ صوتيَ ما وَصَلْ
تاهَ النداءُ،
ورَدَّتِ الجدرانُ صَدى الوَجدْ
يا آخرَ الأسماءِ
في لوحِ المسافِرَةِ
كم غابَ وجهُكِ في الرحيلِ
ولم أَجِدْ
حتّى المقاعدُ حولَنا
تبكي معي
ويُصيبُها البُعدُ
الذي لا يُستَفَدْ
يا مَن تركتِ الحلمَ
في عينيَّ أضْغاثًا
وأضعتِ أيّامي
كأعوامٍ من البَرْدْ
يا من رحلتِ
وكانَ في نظراتِكِ الوطنُ
يَنهارُ مثلَ خريطةٍ
تُطوَى إلى الخَلَدْ
أبقيتِ
بابَ المَمرِّ مفتوحًا
كأنَّكِ ستعودينَ
وما عادَ الغيابُ يُرَدْ
يا طيفَها المَعبودَ
في مرآةِ نافذةٍ
ما زالَ يسكنُني
ويُوقِظُني، ويَمتَدْ
رحلَتْ…
ولكنْ في الرّحيلِ رَحيلُها،
ضاعَتْ يداها
والهوى لم يَتْبَعِ الجَسَدْ
وغدَتْ البوّابةُ
بعدَها بابًا إلى
صمتٍ يُؤرِّخُ ما جرى
ويَقولُ: قَدْ...
يا من غيابُكِ مرَّتينِ، كأنَّهُ
نَفَسٌ يُغادِرُني…
ويَرجِعُ من كَبِدْ
يا سارةَ
المَطَرُ انتظَرْتُهُ
فما أتى
لكنَّ دمعي
كانَ أوفى من رَعَدْ
قد غابَ وجهُكِ
عن عُيوني وابتعَدْ
وانسابَ لَيلُ الحزنِ
في صدري مهتَدْ
يا سارةَ
البوّابةُ الكبرى بَكَتْ
وسرى نِداءُكِ في المدى
نارًا وصَعَدْ
كانتْ يداكِ تُلَوِّحانِ لقلْبِنا
كالشمسِ
تُلقي في الغيابِ
على الأبدْ
كم قلتُ: “عُودي”
فانثنى صوتي على
بابِ الرحيلِ
فغابَ عنِّي وابتَعَدْ
يا آخرَ الأنفاسِ في صدري
ويا نَجمًا تَوارَى
حينَ أومَضَ أو وَعَدْ
ما زالَ ظلُّكِ
في الممرِّ مسافِرًا
يَطوي المدى
ويُعيدُ لي وجهَ البَلَدْ
عينايَ تُتْقِنانِ فنَّ الانتظارِ، فلا
تَرَيانِ إلا حيثُ
مَرَّ الحُبُّ أو وقَدْ
ناديتُ باسمِكِ
فاستدارَ المَوجُ
في صوتي
وعادَ إليَّ بحرًا من وَجَدْ
كانتْ ملامحُكِ
الّتي لم تَغْبُ يومًا
تَمشي أمامي كالصَّباحِ إذا وَلدْ
يا من تركتِ العمرَ
يَسكبُ ليلَهُ
في الريحِ
ثمَّ يُضيءُ من ألمٍ رغَدْ
لو كانَ في الأقدارِ
لي بعضُ المَدَى
لعكَستُ وقتي
واستعَدتُكِ للأبَدْ
لكنَّها الأقدارُ تمحو ما تشاءُ
وتَزيدُ من جَمْرِ المُحبِّ
إذا فَقَدْ
رحلَتْ...
ولكنْ ما رحلتْ ملامِحُكِ
ما زالَ صَوتُكِ في المطارِ كما وُلِدْ
يا من غيابُكِ مرَّتينِ، كأنَّهُ
بابانِ، يدخلُ منهُ
وجعيَ والصَّمَدْ
سأظلُّ أذكُرُ كلَّ مَمْشاكِ
الّذي أبقاهُ قلبيَ
للرياحِ وللمَدَدْ
يا سارةَ
البوّابةُ الكبرى بَكَتْ
وأنا وحيدٌ، والسماءُ هيَ الأَحَدْ
هدأتْ طيورُ المَطْرِ
فوقَ مَدَارِها،
وتناثَرَتْ بينَ الغيومِ
معَ النُّوارِ
وانحلَّ في عينيَّ لونُ وداعِها
فبدوتُ أرسمُ وجهَها
في الانهيارِ
يا سارةَ
الطيفُ البعيدُ، كأنَّهُ
بابُ السَّماءِ
إلى الحنينِ وإلى النَّهارِ
يا ليلَها الممتدَّ
في أنفاسيَ الحُرّى
كأنَّكِ كنتِ الموجَ
في بحرِ النُّضارِ
ما زالَ في أفقِ الوداعِ سؤالُها،
هل ينتهي ليلُ الغيابِ
إلى قرارِ؟
كانتْ تُحلِّقُ
في الفضاءِ كأنَّها
رُوحُ المجرَّةِ
أو نسيمٌ في الغِبارِ
وأنا المُعلَّقُ
في مدارِ حنينِها
لا أستطيعُ رجوعَ قلبيَ
للديارِ
ناديتُها
فسمعتُ صوتًا من هُناكَ
يشدو: “أنا فيكَ…
لا تُنادِ، ولا تَحارِ.”
قالتْ: “لقد صِرنا غمامتَينِ
في أفقٍ يُعانِقُ
بعضَنا بعدَ انكسارِ.”
يا رحمةَ اللهِ
التي وسِعَتْ فُؤادي
ما عادَ لي في الأرضِ
من شطآنِ نارِ
فتركتُ كلَّ الأرضِ
خلفَ حقيبتي
وسكنتُ في حلمي
وأوصيتُ المَسارِ
ما عادَ في المطارِ
غيرُ مقاعدٍ
تَروي صدى اسمٍ
وتَبكي في انتظارِ
يا غيمةً عبرتْ سماءَ مشاعري
وتركتِ لي عِطرَ الغيابِ
على الجِدارِ
كم كنتِ قُربي
ثمَّ صِرتِ بعيدةً
كالشمسِ تَغرقُ
في صدى بحرِ المدارِ
ما زالَ حرفُكِ
في القصيدةِ نُورَها
وأنينُهُ بوحُ الخلودِ
على السِّطارِ
يا من تركتِ العمرَ
بعدَكِ سائرًا
بينَ السُّطورِ
كأنَّهُ نجمٌ حَسارِ
يا آخرَ الأنثى
التي غنَّتْ فَمي
وبكَتْ معي
وتركتْني نصف الحِوارِ
ها قد رَحَلْتِ
ولكنَ الأشعارَ لم
تَعرفْ غيابَكِ
في المدى أو في المسارِ
كنتِ البدايةَ
والختامَ
ووَجْدَنا
وسكنتِ ما بينَ الحروفِ
إلى الدِّيارِ
يا سارةَ
الأسماءُ إن ذُكِرَتْ، تُرى
كلُّ الحروفِ
تَميلُ نحوَكِ بانبهارِ
نمضي، ويبقى في القصيدةِ ظلُّكِ ال
باقي...
ويُكتَبُ في النهايةِ:
لا فِرارَ منَ النُّورِ… ولا منَ السَّرَارِ.