يمضي الزمان وفيه من أحلامنا
صور تعاد لراغب ولآ يس
تحيا النفوس بذكرها فكأنها
فيض تفَلَّت من تشدد حارس
فأثار في لحن الحداة قصيدة
أسْرت قوافلها بليل دامس
فاستقبلت فجري بقصة عاشق
كيما أجدد من عهوديَ ما نُسِي
ويعود في عيْنيَّ ميْتُ عواطفي
حيّاً أهادن جدَّه ووساوسي
نفحات أيام الجمال، وقرية
رسم الخيال ربوع مبسمها القديمْ
فتمثلت والعين سارحة الرؤى
وكأنما الماضي دجى ليل بهيم
وكأنما النظرات في عتماته
شرر يمزق برقه حجب السديم
فرأيتها والعين شاخصة كمن
خطراته عادت إلى جسد سقيم
تستلهم الذكرى وسحر فتونها
وتثير في نزواته قدم النعيم
بين البساتين البديعة والظلالْ
يعدو الصبي فلا يحدده المجال
واليوم يمضي والشموس رواكض
والليل يغزله هلال من هلال
والطفل يسعى والعوالم حوله
أنهت تواصل مدها تلك الجبال
القرية الغنَّاء تجهل آتيا
من دهره وتزيد من شدّ العقال
وكأنما توحي إليه بأنها
تسعى به قدما إلى سبل الكمال
يا قرية الحلم السعيد لكم غزت
أفكاريَ الغراء آلافُ الظنون
يتأمل الفكر الجريح بنشأتي
فيعوده وهم كأوهام الجنون
فأرى الصبيحات الوضيَّة زخرفت
سررا عليها كان عمرىَ والسنون
وأرى الخيال يزاحم الأطيار من
تلك الأماسي المشمسات إلى الوكون
وأرى الصبي مودعا أقدارَه
ذاك الصبا قرن طواه من القرون
وتفرُّ أحلام الصبا وذبالة
رقصت كنجم غائر بظلامها
وشعاع ماض شاحب متهالك
رعشاته تغزو ثغور حطامها
تلك الأماني الحالماتُ ذوابل
وعواطفي تبكي صدود غرامها
تبكي الليالي الخاليات وما بكت
إلا اندثار الذات تحت ركامها
وضياع حلم مبحر وشراعه
ضربت به الأمواج بين زحامها
أحلامي العطرات مالت شمسها
غابت فلم تترك سوى شفق الأصيل
نور تلطّخه الدماء وصرخة
بالزورق المنهوك تغري بالرحيل
والبحر والشفق الندي بأفقه
طير تصاعد لغطه مثل العويل
والموج يعلو بعضه وخواطري
ككريمة الأحجار ليس لها مثيل
فالسندباد كنوزه مطروحة
حيث الشواطيء رملها ذهب صقيل
أترى نسيت من الحوادث ما جرى
يوم الوداع إذا ذكرت وقائعي
كانت مفاجأة الحياة ولوعة
لم ينسنيها بَعدُ هولُ فضائع
فهناك نفسي ودعت عز الصبا
وتعودت أذناي صرخة ضائع
ومضى الزمان وسالمت أيامنا
كر الليالي في وداعة قانع
حتى إذا بلغ الصبي من العلا
ما يبتغي شُدَّت مناه بواقع
يا قرية فاقت خيال تصوري
أين الرسوم على الصخور منالرحى
أين التلاوة والنجوم توشحت
بالذكر في لطف الصباح إذا صحا
ونسائم الأيام تغمر واديا
من حوله زهر الثمار تفتحا
بعث المنابع حية من فيضه
رسما بريشته كأول ما محا
والآن لاسمك ولا طير أرى
أين الجمال وقد أتيتك سائحا
لا تسأليني إن حضنتك زائرا
عن رحلتي فالعهد صدَّ وأدبرا
لكأن حاضرك الغريب وعودتي
بعث جديد من قديمك كُرِّرا
ولقد رأيت الشوق عاد سحابة
تهمي إذا جاد القريض فأمطرا
هيهات عود فالزمان تغيرت
أحواله.. خلق جديد ما نرى
الناس غير الناس كل قد بنى
أملا تجدد والقديم تغيَّرَا
ودِّعْ وجوها ذاهب إشراقها
لبس الفتى منها أعزَّ ملابس
ودِّعْ خواطر كان في قبساتها
حلم مشع أنهكته هواجسي
تلك المشاعر باد زهر ربيعها
فخلت من العطر الشذيّ مجالسي
أَرِني حبيبة عمرىَ الفاني رؤى
تُبقى أريجَك روح عمر دارس
فأنا كتبت بفجر ثغرك قصتي
كيما تمر على الربوع ملامسي