تخطَّ إلى المحتوى

لما تنفس في المدى فجر الأسى

الكامل

٢٩ بيت

المتفرقات

لمّا تنفَّسَ في المدى فجرُ الأسى

وسرى سرابُ الشوقِ في عيني اعتلَى

قامت مطاياهمْ تُهيِّئُ رحلَها

والليلُ لم يبرَحْ جفونًا أرهقَا

ومددتُ كفّي نحو بابِ خيامِهم

علَّ الخطى تثني، وقلبي شُقِّقَا

وتراءتِ الأنظارُ بيني وَينَهُم

نارًا تُضيءُ، ودمعُها متحرِّقَا

هزَّتْ ستورَ الصبحِ كفٌّ ناعمٌ

فتكسَّرَ الرجفُ العميقُ وأطبَقَا

ناديتُ: يا حادي العيس قِفْ لنا

إنَّ الرجاءَ بثغركم قد خنقَا

مهلًا فهذي الروحُ عاريةُ الهوى

والعهدُ في قلبي وفي وجهي بقَى

ما خُنتُ يومًا ودَّ قومٍ أشهدوا

واللهُ يعلمُ ما جرى وتحقَّقَا

ويحَ الفؤادِ إذا تباعدَ موطنٌ

وغدى الغرامُ على المسافةِ مغلقَا

ما زلتُ أقصِدُ كلَّ دربٍ بعدَهم

علَّ الطريقَ يعيدُ ما كان انمحَقَا

حتى بلغتُ الديرَ والدنيا سُدىً

والناقوسُ يبكي، والنهارُ تصدَّقَا

فوقفتُ أسألُ راهبًا بعيونهِ

هل مرَّ طيفُ البدْرِ حينَ تعلَّقَا؟

هل مرَّ ركبٌ من بدورٍ أنجُمٌ

كانت تُضيءُ الربى حتّى أُحرِقَا؟

فحنَّ لي وبكى وقال مواسيًا

يا فتىً، على الأعتابِ ضاقتْ أفقَا

قد مرُّوا بالأمسِ كالطيفِ الذي

يأتي ويغدو في الدجى متفرِّقَا

لا الدربُ يعرفُ وجوهَهم،

ولا الترابُ لهم يُجيبُ إذا نُدِّقَا

فشبكتُ كفّي فوق رأسي حسرةً

وانهدَّ صبري بعدما كان اعتنقَا

وصرختُ: يا ربَّ السما، ردَّ الخطى

أو عاقَ خطوَ الماضين إن لم يُطلِقَا

إن كان قد حكمَ البعادُ بفعلِه

فاجعل فؤادي صابرًا أو مُحرَقَا

ليتَ المطايا إذْ مضتْ بهمُ انثنت

فسقطت على الرملِ القلوبُ تشقَّقَا

ليتَ الرياحَ تعثَّرت في دربِهم

وانطفأتْ شمسُ الرحيلِ وأنطَبَقَا

لكنَّهُ قَدَرٌ يلوِّحُ سيفَهُ

لا يُستراحُ لِوجههِ إن خُفِّقَا

فغدوتُ أمشي خلفَ ظلٍّ زائلٍ

كالماءِ يسكب في الفلاةِ ويفرَقَا

يا موطنَ الأحبابِ ما أقساكَ لي

كم مرَّ عندك عاشقٌ قد أُرهِقَا

ما زلتُ أكتبُ في الرمالِ رسائلًا

علَّ النسيمَ يُعيدُ ما قد أُحرِقَا

إن عادَ يومًا ركبُكم متبسّمًا

سدتُ السماءَ شُكورها وتصدَّقَا

وإن تطاولَ بينُنَا فسيشهدُ ال

تاريخُ أني كنتُ للعهدِ أوثقَا

هذا وفائي لا يُغيِّرُ دربهُ

وقتٌ ولا خوفٌ ولا مَن قد شقَى

فالروحُ بعدكمُ تغيبُ كأنَّها

قمرٌ تناثرَ في الدجى وتفرَّقَا