في ذمّة الأقدار والأيامِ
بلدُ الخيال ومهبط الإلهامِ
جبلٌ كساه الله أجمل بُردةٍ
والبحر سَجَّاه على الأقدام
أبدًا تُدغدغ سفحَهُ أمواجُهُ
لا يُجهدنْه تواترُ الأعوام
فَجَرَ العيونَ بعاليات هضابه
فتسلسلتْ بمعاطف الآكام
مثلَ اللجين تدحرجتْ فوق الحصى
ولها خريرٌ مُوقَعُ الأنغام
وجرتْ إلى الوادي تطل وتختفي
بين الصخور كمُتْهَمٍ بغرام
ومشى بموكبها النسيم مهينمًا
بين الرياض بخفّة الهَوّام
رقّت حواشيه فمرّ كأنه
دَنِفٌ تثاقَلَ من هوًى وسقام
في كل دوحٍ يرتمي متوالهًا
شأْنَ المحبِّ بلهفةٍ وهيام
متهتّكًا حتى يرى أغصانه
محلولةَ الأزرار والأكمام
وله على وجه الغدير غدائرٌ
منثورةٌ شتّى بدون نظام
لبنانُ آيُ الله في إبداعه
ومقامُه الأرضيُّ خير مقام
في كل مرقَى قمّةٍ من أرضه
مرأى مشاهدَ للطبيعة سام
في كل مصعد هضبةٍ من جُرْدِهِ
مجْلَى الروائع في ربوع الشام
شابت نواصيه وظلّ شبابه
متجلّيًا في حسنه المتسامي
أتَتِ القرون فلم تنله بطائلٍ
وارتدّ عنه عسكر الأيام
أقوَى ببابلَ برجُها وتصدّعت
في أرض مصرَ شوامخ الأهرام
ومشت بتدمرَ للفناء عظائمٌ
شِيدت بأيدٍ للبناء عِظام
وتقوّضت في بعلبكَّ ضخامةٌ
كانت تُريك ضخامة الأقوام
آثار مجدٍ داثرٍ ولعلها
بقيت شهودَ قساوة الحُكّام
أيامَ كان الشعب يُقرَع بالعصا
ويُساق في البيداء كالأنعام
أيامَ لا شرعٌ ليحفظَ عِرضَه
ويصونه من ربقة الظُلاّم
ما شيّد الإنسانُ فانٍ والذي
شاد الإله ممتَّعٌ بدوام
لبنانُ والغيد الحسان سوارحٌ
من أرضه بمسارح الآرام
والغانياتُ كأنهنّ بصيفه
حُور الجِنان يَسِرْن بالأقدام
متواثباتٍ حول ماء عيونه
يخْطرنَ أسرابًا بغير نظام
طورًا إلى الوادي وآخرَ للرُّبا
حيث الجبالُ تكلّلت بغمام
مَرّاً يطِرْن إلى الخلاء ومرةً
يَخْفَين بين مخابئ الآجام
عيشٌ كما تهوى الطبيعة ريِّقٌ
ووصال أحبابٍ ونيل مَرام
ولواحظٌ مشبوكةٌ بلواحظٍ
وسواعدٌ موصولةٌ بقَوام
وصبابةٌ ملء الصدور قصيّةٌ
عن أعين الرقباء واللُّوّام
عادوا جميعًا للشباب فلا ترى
في الصيف غيرَ صبيَّةٍ وغلام
كيف اتّجهت سمعتَ شدوة صادحٍ
مثل البلابل طائرٍ حوّام
متنقّلٍ في الأرز يصدح تارةً
بمجالس السمّار والنُّدّام
ويحطّ في وادي العرائش واردًا
شاطي الغدير ولم يكن بالظامي
يا شاعرَ القطرين هلا وقفةً
ملءَ الجنوب دويّها المترامي
«جِزّينُ» روضٌ جاءه غرِّيدهُ
فاسجَعْ له عن ثغرك البسّام
قف في ذرا شلالها مستوحيًا
فلأنت شلال البيان الهامي
صِفْهُ بما أُوتيت من وحيٍ وما
في دُرّك الغالي من الأيتام
وارسمْ محاسنه برأس يراعةٍ
عنها تُقصِّر ريشة الرسّام
شلالنا علَمٌ فكن في وصفه
مولى الفصاحة سيّدَ الأعلام
يا شاعرَ القطرين أصدقَ شاعرٍ
تنبو حقائقه عن الأوهام
قد نلت من عزّ البيان مكانةً
منظورةً في دولة الأقلام
أنّى حلَلْتَ نَظَمْتَ حولك عصبةً
موفورة الأخلاق والأحلام
تُلقي عليها في القريض بدائعًا
فكأنها نشوى بغير مدام
تمشي البلاغة إذ تصوغ عقودها
كالكهربا بمسالك الأفهام
فهي الزهور إلى الكريم وإنها
للمستبدّ مضارب الصمصام
فانزلْ بنا بين القلوب فإنها
مفتوحة الأبواب بالإكرام
مهما أقمتَ فأنت في رَحَباتها
وإذا رحلتَ مزوّدٌ بسلام