أبليتُ كلَّ تصلُّبي وعُرامي
- قال الزمانُ - وما بلغتُ مَرامي
جمعتْهما بيضُ الخلالِ ووثَّقتْ
تلك العرى لغةُ الكتاب السامي
يتسابقان إلى العلا بأخوّةٍ
وشّى سناها صفحةَ الأرحام
قُطران في عِقْد العروبةِ بَرّزا
أرضُ الشآم وموطنُ الأهرام
يا مصرُ «سعدُكِ» كان أيضاً سعدَنا
في دفع شرِّ الظلمِ والظُّلام
وجهادُ فتيةِ جلّقٍ لكِ حصّةٌ
منه، تُخلخل أضلعَ الأخصام
من يُخبر الغربيَّ أن رجاءه
في شرقنا وَهْمٌ من الأوهام
يحظى بنيل الحقّ شعبٌ صادفتْ
أسيافُه دعماً من الأقلام
يا مصرُ يا أمَّ الحضاراتِ التي
مهدتْ سبيلَ الحقّ للأفهام
ما دشّنَ التاريخُ قبلكِ للورى
شعبٌ بآي السؤددِ المترامي
أنتِ التي نطق الجمادُ بمجدها
من غير ما عيٍّ ولا إبهام
في كلّ تمثالٍ هناك عصارةٌ
من عزّكِ المبنيّ بالإقدام
في أيّ عصرٍ لم تكوني معقلاً
من كلّ نائبةٍ لكلّ مُضام
لجأ المسيحُ إليكِ فاتّضعتْ له
بعدَ الهياجِ عواصفُ الأيام
وأتاكِ أعلامُ البيانِ فأُمِّنوا
من شِرّةِ الحُكّام والأحكام
خُلْقٌ لنيلكِ ما تضاءلَ فضلُه
بل عَزّزتْه فضائلُ الإسلام
للشعر فيكِ بلابلٌ صدّاحةٌ
علويّةُ الألحانِ والأنغام
قبستْ من الروض الجمالَ فكان في
إنشادِها بسنائه النمّام
لا ترتضي لخيالها يوماً سوى
مَغنى الأثيرِ ومسرحِ الأجرام
قلبُ العروبةِ مُنصِتٌ لنشيدها
إنصاتَه للوحي والإلهام!
كم في سجلّ الفنّ عندكِ من فتىً
بلغَ النبوغُ به أجلَّ مقام
إن كان فخرُكِ بالممثّل رائعاً
ما القولُ في النحّات والرسّام!
في كلّ ميدانٍ لأهلكِ جولةٌ
محفوفةٌ بالفوز والإعظام
أنتِ المليكةُ والفنون لآلئٌ
في تاجكِ المتألّقِ البسّام
يا مصرُ لم أنبس بذكركِ مرّةً
إلاّ وروحُ الشوقِ طيُّ كلامي
إن كانتِ الأقدارُ تأبى أن أرى
فيكِ البهاءَ فأنتِ في أحلامي
هذي مناجاتي لنيلكِ أكبرتْ
ببني الكنانةِ حكمةَ الأعوام
لا زلتِ للمجد المؤثّل شارةً
وعليكِ منّي ألفُ ألفِ سلام!