تخطَّ إلى المحتوى

على قدر وهم الذات تبني القوائم

البسيط

٤٨ بيت

الحكمة

عَلى قَدَرِ وَهْمِ الذاتِ تَبني القَوائِمُ

وَتَأتي عَلى قَدَرِ المَحالِ العَظائِمُ

وَتَكبُرُ في عَينِ الشَّتاتِ كِسارَةٌ

وَيَصغُرُ في صَدرِ الخُلودِ التَراغُمُ

يُكَلِّفُ عَقلُ المَرءِ رُوحاً سُؤالَها

وَقَد ضَلَّ في تِيهِ الحُروفِ المُعاجِمُ

وَيَطلُبُ في الأَكوانِ سِرَّ وُجودِهِ

وَذاكَ اِمتِحانٌ لَم تَخُضه الضَراغِمُ

تُفَدّي رُؤى الأَحلامِ عُمراً تَبَدَّدا

خَيالاتُ فِكرٍ أَرهَقَتها العَواصِمُ

وَما ضَرَّ نَفساً لَيسَ تَملِكُ مِخلَباً

إِذا كانَ نُورُ العِلمِ فِيها مَعالِمُ

هَلِ الروحُ في بَحرِ المَجازِ غَريقَةٌ

وَتَعلَمُ أَيُّ السائِلِينَ التَراجمُ؟

سَقَتها مِياهُ الشَكِّ قَبلَ يَقينِها

فَلَمّا صَحَت، سَالت عَلَيها التَمائِمُ

بَناها خَيالُ الشِعرِ صَرحاً مُرَمَّراً

وَمَوجُ اِحتِمالاتِ الزَمانِ مُتلاطِمُ

وَكانَ بِها مِثلُ الذُهولِ عَنِ المَدى

فَأَصبَحَ مِن نَبضِ الحَداثَةِ تائِمُ

طَريدَةُ مَعنىً ساقَها العَقلُ عَنوَةً

إِلى لُغَةٍ، وَالدَهرُ لِلصَمتِ راغِمُ

تُفيتُ المَرايا كُلَّ طَيفٍ نَرومُهُ

وَهُنَّ لِأَسرارِ القُلوبِ غَوارِمُ

إِذا كانَ ما تَنوي الفُنونُ حَقيقَةً

مَضى الوَقتُ لَم تَعرِفهُ تِلكَ الجَوازِمُ

وَكَيفَ تُرَجّي النَفسُ رَدَّ زَوالِها

وَصَرفُ اللَيالي لِلحَياةِ دَعائِمُ

وَلَا يَنْحَنِي الهَامُ الرَّفِيعُ لِغَيْرِهِ

وَلَوْ حَطَّمَتْ كُلَّ الأَكُوفِ العَظَائِمُ

وَقَد حاكَموا التَاريخَ وَالوَهمُ حاكِمٌ

فَما ماتَ مَنسِيٌّ وَلا عاشَ واهِمُ

أَتوكَ بِثِقلِ الطّينِ يَسحَبُ خَلفَهُ

عُصوراً مِنَ الجَهلِ الذي لا يُساهِمُ

إِذا نَطَقوا لَم يُعرَفِ الحَقُّ بَينَهُم

لِحا نَطَقَت بِالزُورِ وَهيَ عَمائِمُ

جُيوشٌ مِنَ التَأويلِ شَرقاً وَمَغرِباً

وَفي أُذُنِ الإِنسانِ مِنها زَمازِمُ

تَجَمَّعَ في الوُجدانِ كُلُّ تَناقُضٍ

فَما تُفهِمُ الأَرواحَ إِلّا التَراجِمُ

فَلِلَّهِ فَكرٌ ذَوَّبَ الزَيفَ نَقدُهُ

فَلَم يَبقَ إِلّا جَوهَرٌ أَو ضُبارِمُ

تَقَطَّعَ ما بَينَ الضَميرِ وَبَينَهُم

وَفَرَّ مِنَ الإِثباتِ مَن لا يُصادِمُ

وَقَفْتَ بِبابِ الغَيبِ مَوقِفَ عارِفٍ

كَأَنَّكَ في جَفنِ الوُجودِ وَهوَ نائِمُ

تَمُرُّ بِكَ الأَنساقُ لَيلاً عَقيمَةً

وَفِكرُكَ مِصباحٌ، وَعَزمُكَ حاسِمُ

تَجاوَزتَ مِقدارَ الكَلامِ وَحَدَّهُ

إِلى لُغَةٍ ما خاضَ فيها اللَواذِمُ

ضَمَمتَ جَناحَ الرَمزِ لِلقَلبِ ضَمَّةً

تَموتُ القَوافي تَحتَها وَالقَوادِمُ

بِشَوقٍ أَتى الأَعماقَ وَالنُورُ غائِبٌ

وَصارَ إِلى الأَرواحِ وَالفَجرُ قادِمُ

حَقَرتَ جُمودَ القَومِ حَتّى نَبَذتَهُ

وَحَتّى كَأَنَّ الصِدقَ لِلزَيفِ شاتِمُ

وَمَن طَلَبَ الإِبداعَ فَهوَ مُغامِرٌ

مَفاتيحُهُ بِيضُ الرُؤى وَالعَزائِمُ

نَثَرتَ رَمادَ الأَمسِ فَوقَ رُؤوسِهِم

كَما نُثِرَت فَوقَ التُرابِ الدَراهِمُ

تَدوسُ بِكَ الآراءُ سَطحَ بَلاغَةٍ

وَقَد كَثُرَت عِندَ الهَوامِ المَطاعِمُ

تَظُنُّ طُيورُ الوَهمِ أَنَّكَ ضِدُّها

وَأَنْتَ لِآفاقِ التَحَرُّرِ رارِمُ

إِذا عَرَجَت رُوحٌ مَشيتَ بِقَلبِها

كَما تَتَمَشّى في الضِياءِ الأَراقِمُ

أَفي كُلِّ عَصرٍ ذا السُكونُ مُخَيِّمٌ

قَفاهُ عَلى الإِبصارِ لِلوَجهِ لائِمُ

أَيُنكِرُ نُورَ الفَجرِ مَن كانَ عاجِزاً

وَقَد عَرَفَت رِيحَ النَهارِ البَهائِمُ؟

وَقَد فُجِعَت بِالجَهلِ أُمَّةُ مَجدِنا

وَبِالخَوفِ حَملاتُ الغُزاةِ الغَواشِمُ

مَضى يَكتُبُ التَأريخَ فِعلَ هَزيمَةٍ

بِما شَغَلَتها بِالرِياءِ المَعاصِمُ

وَيَسمَعُ صَوتَ الحَحقِّ في ذَرّاتِهِ

عَلى أَنَّ أَصواتَ الدُعاةِ أَعاجِمُ

يُسَرُّ بِكَ العِلمُ الحَديثُ تَعَقُّلاً

وَلَكِنَّ عَقلاً مِن ضَلالِكَ غانِمُ

وَلَستَ بِسَيفٍ هازِمٍ لِنَظيرِهِ

وَلَكِنَّكَ التَنويرُ لِلعَتمِ هازِمُ

تَشَرَّفُ عَينُ الكَونِ فِيكَ لِأَنَّها

تَرى الإِنسَ مَرفوعاً لَهُ العَواصِمُ

لَكَ الحَمدُ في هَذا النِظامِ وَنَسجِهِ

فَإِنَّكَ مُملِيهِ وَإِنّيَ ناظِمُ

وَإِنّي لَتَعدو بي حُروفي إِلى العُلا

فَلا الفِكرُ مَذمومٌ وَلا الأصلُ نادِمُ

عَلى كُلِّ فِعلٍ طارَ بِالذِهنِ وَوجهُهُ

إِذا وَقَعَت في مِسمَععيهِ الغَماغِمُ

لَا يَنْحَنِي الهَامُ الرَّفِيعُ لِنَازِلٍ

حَتَّى تُشَقَّ لَهُ الضُّلُوعُ وَتُعْدَمُ

أَلا أَيُّها العَقلُ الذي لَيسَ يُقتَنى

وَلا فِيهِ تَقليدٌ وَلا مِنهُ عاصِمُ

هَنيئاً لِرَوحِ الحُرِّ نَهجُ تَمَرُّدٍ

وَلِلفَهمِ وَالإِنصافِ أَنَّكَ سالِمُ

وَلِم لا يَصونُ اللَهُ نَنبضَ حَقيقَةٍ

وَنُورُكَ في لَيلِ المَجازِ لِدائِمُ!