أَمِنْ ذِكْرِ سارَا مَدْمَعُ العَيْنِ يَسْجُمُ
وَجِسْمٌ بِنِيرانِ الصَّبابةِ يُسْقَمُ؟
رَحَلْتُ بِآهاتي عَنِ النَّاسِ جُمْلَةً
وَلِي في فِراشِ المَوْتِ قَلْبٌ مُتَيَّمُ
أَرى الدَّهْرَ غُولاً يَسْتَبِيحُ مَفارِقي
وَنُورُكِ يَا حُلْمَ اللَّيالي مُتَمِّمُ
فَلا عَيْشَ يَهْنى وَالفُؤادُ مُكَبَّلٌ
بِقَيْدِ نَوىً، لِلرُّوحِ دَوْماً يُهَشِّمُ
سَأَسْرُدُ شِعراً كَالحُسامِ صَرامةً
تَخِرُّ لَهُ صُمُّ الصُّخورِ وَتُهْزَمُ
سَرى الطَّيفُ وَالآمالُ تَهوي وَتُهْدَمُ
وَبِتُّ بِسُقْمِي فِي المَنِيَّةِ أُغْمَمُ
نَظَرتُ إِلَيها وَالحِمامُ يَنوشُني
فَخِلتُ جِنانَ الخُلدِ لِلرُّوحِ تَبْسِمُ
أَيا سارَةَ الحُسنِ التي في صِفاتِها
تَحارُ عُقولٌ، وَالبَيانُ مُلَجَّمُ
بَخِلتِ بِوَصلٍ، وَالمَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ
فَمَنْ لي بِعَفوٍ مِنْ جَفاكِ يُرَمِّمُ؟
يَقولونَ: شِبْتَ، وَمَا غَزَا الشَّيبُ لِمَّتي
وَلَكِنَّ هَمَّ البُعدِ فِي الرَّأسِ يَرْسِمُ
رَأَيْتُ صُروفَ الدَّهرِ تَأكُلُ نَضْرَتي
فَلا القُرْبُ يُجْدي، لا وَلا الدَّمْعُ يَعْصِمُ
يَموتُ الفَتى مِن غُصَّةِ الوَجدِ مَرَّةً
وَإِنِّي بِأوجاعِ الصَّبابةِ أُعْدَمُ
ذو الحُبِّ يَشقى في الغَرامِ بِقَلبِهِ
وَخالي الهَوى في غَفْلَةِ الجَهْلِ يَنْعَمُ
نَبَذْتُ مَتاعَ الدَّارِ زُهداً بِأَهْلِها
فَكُلُّ نَعيمٍ دونَ وَجهِكِ مَغْرَمُ
إِذا المَوتُ واراني وَعُفِّيَ أَعظُمي
فَقبري بِنيرانِ الصَّبابةِ مُعْلَمُ
فَلا يَخدَعَنَّكِ العَذولُ بِقَولِهِ
فَأَصْدَقُ شِعري ما بِدَمْعي يُرَقَّمُ
يُهينُ اللئيمُ الحُبَّ طَبْعاً وَخِسَّةً
وَأَهْلُ الوَفا بِالذَّلِّ لِلْحُبِّ تُكْرَمُ
أَنا الشَّاعِرُ الفَذُّ الذي صاغَ رُوحَهُ
قَلائِدَ تِبرٍ، فَوْقَ نَحْرِكِ تُنْظَمُ
تَرَكتُ لِأَهْلِ الدُّنيا دُنياً ذَميمةً
وَجِئْتُ بِنَفْسي في حِمى الحُبِّ أَسْلَمُ
فَإِن عِشتُ فَهْيَ الوَصلُ تِلكَ طِلابَتي
وَإِن مِتُّ فَالإخلاصُ في المَوتِ مَغْنَمُ
وَمَا زُهْدُ مِثْلِي في الحَياةِ جَهَالَةً
وَلَكِنَّ كَأْسَ المَوْتِ لِلْحُرِّ أَكْرَمُ
أُصارِعُ في نَفْسي بَقايا لُذاذَةٍ
بِذِكْرِكِ، وَالأَنْفاسُ لِلرُّوحِ تَصْرِمُ
فَلَمْ يَبْقَ مِنِّي غَيْرُ نَبْضٍ مُعَذَّبٍ
بِكُلِّ حُرُوفِ العِشْقِ لِلنَّاسِ يَخْتِمُ
أَخوضُ غُمارَ النَّزْعِ وَالقَلْبُ وَاجِفٌ
يَلوذُ بِمَنْ أَهْوى، وَفِي الحُبِّ يُحْسَمُ
إِذا ضاقَ كَوْنُ اللّٰهِ بِي وَتَزاحَمَتْ
هُمومي، فَفِي طَيْفِ الحَبِيبَةِ مَرْغَمُ
يَلومونَ صَبّاً غابَ في جَذَبَاتِهِ
وَمَا دَرَوا أَنَّ الصَّبابةَ مَحْرَمُ
فَلا تَحسَبي أَنَّ الأَنينَ شَكايةٌ
فَأَشرَفُ ما في الموتِ أَنّي أُتَمْتِمُ
بِاسمِكِ يَا "سَارَا" السَّنَاءِ، وَإِنَّنِي
أَرَى طَيْفَكِ السَّامِي مِنَ المَوْتِ أَرْحَمُ
رَأَيتُ بَريقَ الدَّهرِ زَيْفاً وَخُدْعَةً
وَغَيْرَ صَفاءِ الوُدِّ لا يَتَرَسَّمُ
وَمَن عَرَفَ الدُّنيا بِمِثْلِ بَصِيرَتي
سَيَزْهَدُ في جَاهٍ، وَللحُبِّ يَحْكُمُ
أَنَا الذَّاهِبُ المَاضِي وَشِعْرِيَ خَالِدٌ
يُرَتِّلُهُ العُشَّاقُ مَا ذَرَّ مَبْسِمُ
وَمَا نَفْعُ طُولِ العُمْرِ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ
لِحُسْنِكِ؟ إِنَّ العُمْرَ فِي البُعْدِ عَلْقَمُ
سَئِمْتُ طِلابَ المَجْدِ وَالخَلْقُ غُدَّرٌ
وَطَالَبْتُ وَصْلاً مِنْكِ، وَالوَصْلُ مَكْرَمُ
إِذَا مَا سَقَانِي المَوْتُ كَأْساً مَرِيرَةً
فَذِكْرَاكِ شَهْدٌ فِي لِسَانِي وَبَلْسَمُ
وَمَن ظَنَّ أَنَّ المَوْتَ يَقْطَعُ حَبْلَنَا
فَقَدْ ضَلَّ، إِنَّ الحُبَّ شَرْعٌ مُحَتَّمُ
تَرَكْتُ بَنِي الدُّنْيَا لِدُنْيَاهُمُ الَّتِي
تَغُرُّ، وَقَلْبِي فِي هَوَاكِ مُخَيَّمُ
أُنَادِيكِ يَا سَارَا وَبَيْنِي وَبَيْنِكِ
مَفَاوِزُ مَوْتٍ، طَرْفُهَا لَيْسَ يُعْلَمُ
فَيَا رَبِّ لُطْفاً بِالمُحِبِّ، فَإِنَّهُ
غَرِيبٌ، بِأَوْجَاعِ المَنِيَّةِ مُسْقَمُ
وَيَا سَارَةُ اسْتَبْقِي رِثَائِي فَإِنَّهُ
دَمُ القَلْبِ لَا حِبْرٌ بِكَفِّيَ يُرْسَمُ
عَلَيْكِ سَلَامُ الوَجْدِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ
وَمَا نَاحَ فِي أَيْكِ الصَّبَابَةِ مُسْهَمُ
بَكَيتُ وَهذا الدَّمعُ في الخَدِّ مَوْسِمُ
وَنارُ اشتِياقي في الحَشاشةِ تَضْرَمُ
أَيا شَوْقُ رِفقاً بِالفُؤادِ، فَإِنَّهُ
مِنَ الوجدِ وَالبَيْنِ المُشتِّتِ مُبْرِمُ
إِذَا ذُكِرَتْ سَارَا جَرَى الدَّمْعُ عَنْدَماً
عَلَى وَجْنَةٍ مِنْ لَفْحَةِ السُّقْمِ تُسْهَمُ
أُغَالِبُ فِيكِ الشَّوقَ وَالمَوْتُ يَلْتَقِي
بِصَدْرِي، فَيَغْدُو الشَّوقُ أَدْهَى وَأَشْأَمُ
وَلَوْ أَنَّ مَا بِي بِالجِبَالِ لَتَصَدَّعَتْ
وَأَصْبَحَ رَأْسُ الطَّوْدِ لِلأَرْضِ يَلْطُمُ
فَيا عَيْنُ جُودي بِالعَقِيقِ سَوافِحاً
فَقَلبي لِذِكْرَى البُعْدِ يَهْوي وَيُثْلَمُ
أَبِيتُ أُنَاجِي النَّجْمَ وَاللَّيْلُ شَاهِدٌ
بِأَنَّ هَوَانَا فِي السَّرَائِرِ مُحْكَمُ
رَحِيْلِيَ صَعْبٌ، غَيْرَ أَنَّ صَبَابَتِي
أَشَدُّ رَحِيلاً فِي الحَشَا، وَأَدْهَمُ
فَوا لَهْفَتا لَمَّا دَنا البَيْنُ قَاتِلاً
وَبِتُّ بِآهاتِ التَّحَسُّرِ أُكْظَمُ
أَمُوتُ وَأَشْوَاقِي لِوَجْهِكِ غُصَّةٌ
بِحَلْقِي، وَمِنْ صَابِ المَنِيَّةِ أَطْعَمُ
أَنُوحُ وَأَنْفَاسِي مِنَ الوَجْدِ شُعْلَةٌ
وَمَا فِي ضُلُوعِي غَيْرَ حُزْنٍ يُجَهَّمُ
إِذَا حَشْرَجَتْ رُوحي وَحَانَ خُرُوجُهَا
فَطَيْفُكِ فَوْقَ المَوْتِ يَا (سَارُ) قَيِّمُ
عَرَفْتُ طَرِيقَ السُّقْمِ مُذْ غِبْتِ عَنْ دَمِي
فَجِسْمِيَ مَهْدُومٌ، وَصَبْرِيَ أَجْذَمُ
فَلا تَسْأَلِي عَنِّي الرِّفَاقَ إِذَا مَضَوْا
فَإِنَّ سُكُوتِي عَنْ بَيَانِيَ أَعْجَمُ
أَجُرُّ رِدَاءَ المَوْتِ زُهْداً بِمَنْ رَأَى
بِأَنَّ الهَوَى فِي زَعْمِهِ يَتَهَضَّمُ
بَخِلْتُ بِرُوحِي عَنْ سِوَاكِ مَهَانَةً
وَإِنِّي لِحُسْنِ المَوْتِ فِيكِ أُصَمِّمُ
يَمُوتُ جَمِيعُ النَّاسِ مَوْتاً مُشَاعاً
وَمَوْتِي بِحُبِّ السَّارِ أَنْقَى وَأَكْرَمُ
فَلَمْ أَرَ دُنْيَا تَسْتَحِقُّ بَقَائِيَ
سِوَى جَنَّةٍ مِنْ ثَغْرِكِ العَذْبِ تَبْسِمُ
غَداً سَيَقُولُ الدَّهْرُ: كَانَ مُتَيَّماً
سَقَتْهُ لَيَالِي البَيْنِ مَا لَيْسَ يُفْهَمُ
فَلا عِشْتُ إِنْ كَانَ الرَّحِيلُ سَينْجَلِي
وَلَسْتُ بِذِكْرِ الوَجْدِ فِيكِ أُتَمِّمُ
سَكِرْتُ بِأَوْجَاعِ الفِرَاقِ صَبَابَةً
فَصَارَ أَنِينِي فِي المَحَافِلِ يُبْهِمُ
أُغَالِبُ فِيكِ الشَّوقَ وَالقَلْبُ وَالِهٌ
وَدَمْعِيَ هَتَّانٌ عَلَى الخَدِّ يَنْجُمُ
فَوَا لَهْفَ كَبْدِي مِنْ فِرَاقِكِ، إِنَّنِي
أَرَى البُعْدَ نَاراً فِي الحَشَاشَةِ تُسْقِمُ
تَقَطَّعَ نَفْسِي وَالزَّفِيرُ يَهُدُّني
وَمَا زِلْتُ بِاسْمِ الوَصْلِ يَا سَارُ أَحْلُمُ
أَبِيتُ كَأَنِّي فَوْقَ جَمْرٍ مِنَ الغَضَى
أَعُدُّ ثَوَانِي البَيْنِ، وَالصَّدْرُ يُفْغَمُ
بَكَيْتُ حَتَّى قِيلَ: هَذَا نِزَاعُهُ
وَمَا عَرَفُوا أَنَّ اشْتِيَاقِيَ أَكْرَمُ
أَيَا سَارَةُ المِيثَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
بِأَنِّي بِحُبٍّ لَا يُضَاهَى أُخَتَّمُ
فَلَوْ كَانَ لِي عُمْرَانِ لَاهْتَزَّ جَانِبِي
لِحُبِّكِ، لَكِنَّ المَنِيَّةَ تَحْسِمُ
فَلَوْ نُشِرَ القَلْبُ القَرِيحُ لَأَبْصَرُوا
بِأَنَّكِ فِيهِ الرُّوحُ، وَالجِسْمُ أَبْكَمُ
رَحِيلِيَ مُرٌّ، وَانْتِظَارِي لِنَظْرَةٍ
أَمَرُّ، وَحُكْمُ الدَّهْرِ فِينَا مُجَذَّمُ
سَأَقْضِي وَأَشْوَاقِي إِلَيْكِ تَقُودُنِي
إِلَى عَالَمٍ فِيهِ المَوَدَّةُ تُعْظَمُ
فَلَا تَقْطَعِي عَهْدِي، وَجُودِي بِدَعْوَةٍ
لِصَبٍّ نَحِيلٍ، فِي ثَرَاكِ يُجَمَّمُ
رَحَلْتُ وَأَبْقَيْتُ القَوافِيَ شَاهِداً
بِأَنِّي بِرَغْمِ السُّقْمِ لَا أَتَلَعْثَمُ
فَهَذَا بَيَانِي قَدْ سَكَبْتُ حُرُوفَهُ
عُصَارَةَ عُمْرٍ بِالنَّوَائِبِ يُرْجَمُ
إِذَا قَرَأَ العُشَّاقُ بَعْدِي قَصِيدَتِي
دَرَوْا أَنَّ مَوْتِي فِي هَوَاكِ يُكَرَّمُ
رَضِيتُ بِكِ الحَظَّ الأَخِيرَ مِنَ الدُّنَى
وَغَيْرُكِ كَوْنٌ صَامِتٌ لَيْسَ يُعْلَمُ
فَيَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ التَّلَهُّفِ وَاهْدَئِي
فَمَوْعِدُنَا الفِرْدَوْسُ، وَاللّٰهُ أَرْحَمُ
فَلَمْ أَرَ حُسْنًا كَالحَبِيبَةِ آيَةً
بِأَنَّ الهَوَى لِلرُّوحِ قُوتٌ وَمَطْعَمُ
إِلَيْكِ سَلَامِي يَا ابْنَةَ الطُّهْرِ وَالعُلَا
سَلَامُ قَتِيلٍ بِالغَرَامِ يُسَلِّمُ
خَتَمْتُ مَقَالِي وَالجَوارِحُ خُشَّعٌ
وَذِكْرُكِ مِسْكٌ فِي لِسَانِي يُتَمْمَمُ