كَانَ هُنَاكَ صَدىً
يَتَسَلَّلُ مِنْ عُمْقِ نَافِذَةٍ غَائِبَةٍ…
أَحْسَسْتُهُ أَوَّلَ الرَّجْفَةِ فِيَّ…
كَأَنَّ الْهَوَاءَ تَذَكَّرَ وَجْهِيَ الْقَدِيمَ….
شَيْءٌ يَمُرُّ
وَيَتْرُكُ فِي الرُّوحِ نَغْزَتَهُ الْخَافِتَةَ…
كَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَا لَا أَعْرِفُ…
كَأَنَّهُ يُشْبِهُنِي حِينَ أَغِيبُ
عَنْ نَفْسِي…
هَمَسْتُ: مَنْ أَنْتَ؟
وَلَمْ يُجِبِ الْهَوَاءُ
إِلَّا بِخَفْقَةِ قَلْبٍ
تُشْبِهُ لَيْلِيَ….
اقْتَرَبْتُ قَلِيلًا..
فَمَالَتْ ظِلَالُ الْجِدَارِ
نَحْوِي..
وَانْكَمَشَ الضَّوْءُ
فِي زَاوِيَةٍ مِنْ صَمْتِي…
كَانَ هُنَاكَ حُضُورٌ
لَا يُرَى،
لَكِنَّهُ يَمْلَأُ الْمَكَانَ
بِغُرْبَةٍ دَافِئَةٍ…
وَيَزْرَعُ فِي صَدْرِي
ارْتِبَاكًا يُشْبِهُ الْحَنِينَ…
قُلْتُ: أَهَذَا أَنَا..
أَمِ الَّذِي فِيَّ يَمْشِي إِلَيَّ..
أَمْ أَنَّنِي حِينَ أَبْحَثُ عَنْكَ
أَعُودُ إِلَيَّ مِنْ حَيْثُ لَا أَدْرِي...
يَا أَنْتَ…
يَا مَنْ تَمُرُّ بِقَلْبِي
كَأَنَّكَ تُوقِظُ فِي الْحَجَرِ
نَبْضًا نَسِيَ أَنْ يَكُونَ…
هَذَا أَنْتَ…
الْحَرْفُ الَّذِي تَأَخَّرَ فِي الْجُمْلَةِ..
الصَّدَى الَّذِي لَمْ يَعُدْ يُقَلِّدُ صَوْتَهُ..
وَالظِّلُّ الَّذِي كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ
تَقَدَّمَ بِي…
الْآنَ أَدْرَكْتُ…
أَنَّكَ لَسْتَ سِوَايَ…
لَكِنَّكَ الْجُزْءُ الَّذِي أَفْلَتَ مِنِّي
حِينَ ظَنَنْتُ أَنِّي اكْتَمَلْتُ…
وَلِوَهْلَةٍ…
انْشَقَّ الْهَوَاءُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
كَمَا لَوْ أَنَّ زَمَنًا آخَرَ
أَرَادَ أَنْ يَتَسَرَّبَ إِلَيْنَا…
فَرَأَيْتُ كَوْكَبًا صَغِيرًا
يَدُورُ بِبُطْءٍ فَوْقَ كَتِفِكَ..
وَتَسْقُطُ مِنْهُ شَرَارَةٌ
تَهْوِي فِي صَدْرِي
فَتُضِيءُ جُزْءًا
لَمْ أَعْرِفْ أَنَّهُ كَانَ مِنِّي…
وَتَقَدَّمَ إِلَيَّ ضَوْءٌ
بِهَيْئَةِ كَائِنٍ مِنَ الْحَنِينِ..
يَمْسَحُ عَلَى وَجْهِي
وَكَأَنَّهُ يُعِيدُ لِي مَلَامِحَ
أَعْشَقُهَا ..
وَلَمَّا شَعَرْتُ بِكَ
تَقْتَرِبُ مِنِّي...
اهْتَزَّتِ الْمَسَافَةُ
كَأَنَّهَا تَسْتَبْدِلُ جِلْدَهَا..
وَتَحَوَّلَتْ لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ
إِلَى بَابٍ خَفِيٍّ
كُنْتُ أَجْهَلُ أَنَّهُ فِي دَاخِلِي..
…وَعِنْدَمَا وَصَلْتُ إِلَيْكَ..
انْفَتَحَ اللَّيْلُ فَجْأَةً..
وَرَأَيْتُ مَلَامِحَكَ
تَتَشَكَّلُ مِنْ ضَوْئِي..
فَعَرَفْتُ أَنَّنِي
كُنْتُ أَدْخُلُ إِلَيَّ
مِنْ خِلَالِكَ….