نَعِيمٌ تَقَضَّى مُسْرِعاً فِي انْفِلاتِهِ
فَوَلَّى وَلَمْ يَسْمَحْ لَنا بِالْتِفاتِهِ
نَعِيمٌ تَمَلَّيْناهُ فِي غَفْلَةٍ مَضَتْ
بِهِ وَقَضَى حُكْمُ الرَّدَى بِفَواتِهِ
فَمَنْ لامْرِىءٍ يا قَوْمُ أَصْبَحَ وَارِثاً
مَدَى عُمْرِهِ يَعْقُوبَ فِي حَسَراتِهِ
يَهِيمُ بِأَرْضِ المَحْلِ طَوْراً وَتارَةً
يُباكِي حَمامَ الأَيْكِ فِي وُكُناتِهِ
تُجَلْجِلُ عَيْناهُ الدُّمُوعَ وَقَلْبُهُ
يُقاسِي عَذابَ الحُزْنِ فِي وَقَداتِهِ
يُهِيجُ لَهُ ذِكْرُ الزَّمانِ الَّذِي مَضَى
غَراماً فَلَمْ يَنْفَكَّ فِي رَجَفاتِهِ
فَمَنْ لائِمِي إِنْ زُرْتُ قَبْراً تَفَجَّرَتْ
شُؤُونِي لِمَنْ قَدْ حَلَّ فِي ظُلُماتِهِ
أَطُوفُ بِهِ وَجْداً وَأَلْثِمُ تُرْبَهُ
لأَحْظَى جَزِيلَ الفَضْلِ مِنْ بَرَكاتِهِ
ضَرِيحٌ حَوَى بَدْراً تَماماً تَكامَلَتْ
صِفاتُ المَعالِي وَالبَها فِي صِفاتِهِ
ضَرِيحٌ إِذا اسْتَنْشَقْتُ عَفْرَ تُرابِهِ
تَأَرَّجَ لِي كالمِسْكِ فِي نَفَحاتِهِ
أَظَلُّ مُكِبًّا فَوْقَهُ فَكأَنَّنِي
عَلَى المَيْتِ مَيْتٌ قَلَّ مِنْ حَرَكاتِهِ
وكَمْ صَعْقَةٍ مِنْ أَجْلِها قالَ صاحِبِي
فَمُوسَى كَمُوسَى الآنَ فِي صَعَقاتِهِ
أَرانِي زَمانِي كُلَّ ما كانَ خافِياً
وأَسْمَعَنِي ما قَالَ مِنْ كَلِماتِهِ
وأَنْهَلَنِي مِنْ بُؤسِهِ وَأَعَلَّنِي
بِكأْسٍ أُجاجٍ بَعْدَ كأْسِ فُراتِهِ
عَلَى أَنَّنِي مِنْ صَرْفِهِ قَطُّ لَمْ أَكُنْ
تَخَلَّصْتُ إِلاَّ طِحْتُ فِي وَرَطاتِهِ
فَرَعْياً لأيَّامٍ بِها كُنْتُ مُسْعَداً
بِعَيْشِ سَعِيدٍ مُنْعَماً بِحَياتِهِ
زَمانٌ بِهِ قَدْ كانَ ذَوْدُ نَواظِرِي
يَسُومُ رِياضَ الحُسْنِ مِنْ بَهَجاتِهِ
وإِذْ هوَ كالغُصْنِ الَّذِي هوَ ماؤُهُ
تَجارَى بِهِ فَاهْتَزَّ فِي نَضَراتِهِ
ولَمْ أَنْسَهُ يَوْمَ الوَداعِ وَمَدْمَعِي
يَظَلُّ مُلِثُّ الدَّمْعِ فِي وَجَناتِهِ
أُشَيِّعُهُ وَالقَلْبُ مِنِّي كَأَنَّهُ
تُقَلّبُهُ فِي الجَمْرِ أَيْدِي طُهاتِهِ
تَقَضَّى فأَمْسَى مَنْزِلِي مِنْهُ مُقْفِراً
وطابَقَ بَطْنَ اللَّحْدِ فِي ظُلُماتِهِ
وكانَ إِذا ما لاحَ لِي خِلْتُ أَنَّهُ
هِلالُ تَمامٍ لاحَ فِي دَرَجاتِهِ
وإِنْ هوَ أَبْدَى النُّطْقَ مِنْهُ كأَنَّما
تَناثَرَ بَعْضُ الدُّرِّ مِنْ لَفَظاتِهِ
أَرِيبٌ تَرَى ماءَ الحَياءِ مُمازِجاً
بِماءِ الشَّبابِ الغَضِّ فِي قَسَماتِهِ
يَجُرُّ ذُيُولَ الحَمْدِ فِي خَطَراتِهِ
ويَرْقا بُرُوجَ المَجْدِ فِي شُرُفاتِهِ
إِذا غَصَّ دَسْتٌ وَهوَ فِيهِ تَحَيَّرَتْ
بَصائِرُ أَهْلِيهِ لِتَكْيِيفِ ذاتِهِ
وإِنْ شاهَدُوا لِلْحِلْمِ مِنْهُ تَحَيَّرَتْ
لِصَفْوِ الحِجا مِنْهُ عُقُولُ دُهاتِهِ
ويَشْدَهُهُمْ مِنْهُ طَلاقَةُ وَجْهِهِ
وحُسْنُ أَيادِيهِ وَرَسْبُ حَصاتِهِ
ولَوْ لَمْ يَكُنْ عالِي المَحَلِّ لَما بَكَتْ
عَلَيْهِ بَواكِي الجِنِّ قَبْلَ مَماتِهِ
بَكَتْهُ بَواكِي الجِنِّ مِنْ قَبْلِ مَوْتِهِ
بِشَهْرَيْنِ بَلْ شَهْرَيْنِ بَعْدَ وَفاتِهِ
ولَيْلَةَ إِزْكِي جاءَنِي هاتِفٌ وَقَدْ
تَجَلَّى ضِياءُ الصُّبْحِ فِي بَهَواتِهِ
وقالَ إِلهُ العَرْشِ يُوصِيكَ آمِراً
بِحُسْنِ العَزا فَاعْمَلْ بِما فِي وَصاتِهِ
فَأَصْبَحْتُ مَلْهُوفَ الحَشا مُشْفِقاً وَلِي
فُؤادٌ يَذُوبُ الصَّخْرُ مِنْ حُرُقاتِهِ
وقُلْتُ فَما هذا العَزاءُ وَما الَّذِي
سَيَجْرِي بِهذا الدَّهرِ مِنْ نَكَباتِهِ
ولا زِلْتُ خِدْنَ الدَّهْرِ مُنْتَظِراً لِما
يَحِلُّ بِما أَهْواهُ مِنْ بَغَتاتِهِ
إِلَى أَنْ جَرَى هذا وَهذا الَّذِي أَنا
أُحاذِرُ قَبْلَ اليَوْمِ مِنْ زَهَقاتِهِ