شاهدتُه في ضفّة الجدولِ
ريّانَ من مورده السَّلسلِ
نشوانَ من خمر المنى والصّبا
جذلانَ من أغنية البلبل
يجني من الأغصان ما يشتهي
مستنشِقًا فوّاحة المندَل
ظمآنَ من حرَّ النوى ذاكرًا
أيام لم يهجر ولم يرحل
أيامَ كنا في ظلال الصَّفا
من منهلٍ عذبٍ إلى منهل
يشدو وفي أذْنيَّ رَجْعُ الصدى
يُحيي بقلبي ميِّتَ المأمل
كم طائرٍ غنّى وما هاجني
غيرُ الذي غنّى على الجدول
حرّاً طليقًا مطربًا محزنًا
من كل لحنٍ ساحرٍ مُنزل
يا أيها الصَّدّاح في أيكِه
غرِّدْ ولا تنصتْ ولا تبخل
ذكَّرْتَني في النهر عهدَ الصِّبا
لله ذكرى عهدِنا الأول
ذكَّرتني أهلي وما فيهمُ
غيرُ السريِّ الأمجدِ الأمثل
ضاقت بهم أوطانهم فامتطَوا
ظهرانَ ذاتِ الماء والمِرْجل
بحرٌ كليْلِ الهمِّ لا شاطئٌ
يبدو ولا صبحٌ له ينجلي
خاضوه لا حولٌ ولا قوةٌ
غير الرجاءِ الصالح الأفضل
حطُّوا وراء البحر أظعانَهم
من مجْهلٍ وَعْرٍ إلى مجهل
ما من قصِيٍّ لم يكن دانيًا
منهم ولا صعبٍ ولم يسهل
الفاتحون الأرضَ سلمًا وما
ساروا بغير الراجل الأعزل
لا تُعدَمُ الآسادُ أقواتَها
والأرض ميراثُ الفتى الأرجل
شادوا لهم فوق السُّهى منزلاً
لله ما أعلاه من منزل