قد حملناك يراعاً وكتابا
و بعثنا منك للكون خطابا
واتخذناك سراجاً للدياجي
و لقد عشناك آمالاً عِذابا
واتخذنا منك للعلياء درباً
و لِدار الخلد من حبك بابا
وتحملنا له عسف الليالي
و دياجيرَ دجاها وعذابا
فرأينا الأرض جحراً وعريناً
و رأينا أكثر الناس كلابا
بعضهم ينهش بعضاً دون وعيٍ
بالذي عن فهمهم ضل وغابا
وألِفنا غابةً باتت تُربي
في سواد الليل للناس ذِئابا
مزَّقت أمتَنا في كل عضوٍ
و غدت تنهشه ظفراً ونابا
فجرى من دمها نهر فبحر
و ارتدت منه كساءً وثيابا
هكذا عاش بنو الإسلام ذلاً
و هواناً وانتهاكاً واضطرابا
أظلم الكون علينا إذ رأينا
من شرار الخلق في الأرض سحابا
هطلت منه سيولٌ أغرقتنا
فتدحرجنا شيوخاً وشبابا
ونساءً ذقنَ مِن كل بلاءٍ
من قساة القلب ظلماً واغتصابا
فارتدت منه فساتين هوان
و اكتست منه حلياً وخضابا
وسكنَّا حول بيتٍ يتهاوَى
و رأينا للردى فيه غرابا
وأكلنا وسوانا في نعيمٍ
من أديم الأرض طيناً وترابا
وتجرعنا من الذل كؤوساً
و شربنا بعدها الماء سرابا
وبقينا كبداً حرَّاءَ تهفو
و فؤاداً يتلظى ثم ذابا
فربيع العمر قد صار خريفاً
و جمال الأرض قد صار يبابا
وبيوت أهلها كم عمَّرتها
صيرتها أمم الكفر خرابا
تركتها أهلها من بعد عز
و قضت حزناً عليها وانتحابا
وسِوانا قد بنَى في كل أرض
جائها صرحاً جميلاً وقِبابا
أرسل الناس لها من كل عينٍ
نظراتٍ ولها مدَّت رقابا
وله الدنيا أتت تحمل خيراً
و طعاماً فاخراً ثم شرابا
ثم لايرضى سؤالاً مِن سواهُ
لا ولا لومَ فقيرٍ وعتابا
ويساوي نفسهُ بالمرءِ يدعو
ربَّهُ يرجوه فضلاً وثوابا
فمتى يا حجةَ اللهِ ستبدو
قد كفا منك انتظاراً وغيابا
وكفانا من لئيمٍ كلُّ شر
فلقد أتخمنا العمرَ سُبابا
فقضينا العمر في الغيبةِ ذلاً
و هواناً وحميماً واكتئابا
والسُّرَى طال بنا واليوم آتٍ
فمشينا الدرب شوكاً وصعابا
يوم تأتي سيرون اليوم ليلاً
و سيُجزون نكالاً وعقابا
فلتكن ناصرَنا في كل وقتٍ
فنوفيهم جزاءً وحسابا