يا ساكنًا كوخًا في ضلوعي القاسية
في صميمي تحتويني في رياحي العاتية
بقراري بين قري في مروج القافية
تعتريني في عريني بفلاتي القاحلة
هو الريف جوفي وغابٌ جميل
وشدو الأغاني فهل تسمعين؟
وشبر نقي وعطر زكي
وإكليل غالٍ فهل تبصرين؟
لفي مهجتي دقَّ بين الضلوع
يراود الخفق في ثانية
وما كان غير ارتطام الثغور
يجدد البسمة الغافية
كورد يعانق عطر الشفاه
ترامى على ضفة الساقية
رآها فعجّل عذب اللقاء
وأثّر حبًا عبوسًا سجين
وأردف يطلق بين المدى
خلاصة عطر شقي حزين
وما كان غير اكتمال القمر
على صفحة من جليد الشتاء
وليل يحجب جسم النهار
ووصل ينمْنم رسم اللقاء
وشوق يؤجج نار التلاقي
وتوق يدجج جيش العناء
وأوفى عن العاشقين العتاب
وطار عن المقلتين الحجاب
غفى الغاب ما فيه الأهنا
والا السكون النقي المذاب
ونبع يقبِّل وجه المروج
وصحو يقلب قطن السحاب
فما كان غير انبثاق الشفاه
وغير انعتاق الندى بالرضاب
فتغوي الزنابق طير الأصيل
فتأوي إليها لعطر شذاها
رأتها وقد سال من خدها
رذاذ فمدت إليها يديها
على مقلة منها نادى حنيني
فأنداها توقي وساح عليها
سل النهر كيف التقاء المقل
إذا انساب مهلًا على وجنتيها
وكيف ارتشاف العيون العيون
وكيف احتضان الورود الندى
وكيف امتصاص القلوب القلوب
وكيف اصطدام الهوى في المدى
ناهيك والورق يضفي لقانا
خريفًا يعري وجوما بدا
والغصن يرقص والريح تلقي
مواويل والأه رجع الصدى
والرمش يا غاب ترجم نداه
نداء العيون وبوح المأقي
والخفق يا قطر أقسط مداه
لنبض الجوارح حين العناق
والصدر يا ماء أخمد لظاه
لوَهْج المشاعل يوم التلاقي
والريم يا نفس أين سواه
يعزي الصبابة بالاشتياق
وفي وهلة من غبار الثواني
غفى الطلع على أهدابها
اصطف حين ازدحام الزهور
فراش يلامس سنا ثغرها
ما انفك قلبي يكحل عينا
كأنه لم ير قط سماء وجهها
وترجع حين نأت أمنيات
ليفرش الزهر حمى روضها
وهاتيك هاتيك ذكرى الخوالي
بالعش غطاها غاب النخيل
لجأنا إليه نسوق منانا
نسترجع أجواء اللقاء الجميل
نزف من لوعنا لظى قبلتين
تذيب النوى وتشفي الغليل
فتنأى الشفاه دواليك وتدنوا
على حرفه والماء يسيل
أشاهدت يا ياسمين والقطر
يضفي على شعرها لمعة من ضياء
تساءلت حين رأته عيوني
لعن مصدر فاض منه الصفاء
فمن أي نهل جرى الحسن حتماً
تفجر من صيبات السماء
فسحر تفجر من مقلتيه
بنور كما برق شهب مضاء
لمن أين هذا الجلال تجلى
بوجه بديع كوجه الربيع
ومن أين هذا الجمال تراءى
ومن أين هذا البهاء البديع
ألا أين هذا الكروم توارى
كريم المغانم سدًا منيع
ألا منه عنقود قلبي تدلى
فمن فرعه مال هذا الصنيع
يا سالف العهد حلق لديك
جناحين ملء المدى يخفقان
فأين الزنابق والرياحين
يندى شذاهن والأقحوان
شهود فؤادين يستلهمان
الغرام ويستمهلان المكان
فسكنى لقلبين باحا لبعض
سكون الشتاء لما يهمسان
وما إن دنوت إليها بطرفي
تذكرت أني بجوف المنام
وأني سرحت بأضغاث قلبي
لذكرى السوالف فوق الغمام
وأني تركت الهوى فيه حيا
يخلد أيام ذاك الغرام
وإني على العهد ما دمت حيا
لنوقد نار الجوى والهيام
فراقٌ/ لماذا يهيم ضريرا
لقلب ألا حان أن يبصرا
فراقٌ/ وما زال طلع الربيع
نديا على الزهر مستبشرا
فراقٌ/ ولا زال لون القشيب
رداءً من العشب مخضوضرا
فراقٌ/ وهل تمنعين العيون
فإن ضمها الليل أن تبصرا
بسلم قلب عروقي أحتوتك
بأنغام عشق ففيم الجفى
فضاعت كأن نشازا رماها
يشرد نوتاتها في الفضاء
فتمسين مذعورة لا ترين
صدى نغمتي بين فيء وماء
هناك على رامة حيث كنا
نمازج ألحاننا للمساء
هناك فحيث عزفت بعودي
فسُرّت على عودك الأغنيات
فأبرقت لحني بظرف الغرام
فجالت بمضمونه الكائنات
فهبت بقلبي تعلق غدقا
وأزهار عبق به هائمات
وتلحق دمع الندى مستجيرا
فتنزل في قطره الأمنيات
وشتان شتان بين البعاد
وبين اقتراب الهوى للوتين
وما نفع عرق لمن دون قلب
وما نفع قلب شقي حزين
رباطًا يئن من الجرح ضرًّا
فمن يلحم الشرخ بين الأنين
ومن يلحم الجسم في طيف روح
ومن يرجع اللحن تلك السنين
فهيهات يا مشعل النأي أضرم
بنيرانك كل شيء جميل
فهيهات إن مات بذر نقي
تبرعم ذا جذر بذل بديل
وما زاد وزر على الروض إلا
ثباتًا يخر به المستحيل
لهيهات شأو الهوى أن يبيد
وهيهات شوق به يستحيل
ربيع مضى والهوى لم يزل
تربع فوق القرى والزهور
شدا الخفق ينشد بين الثنايا
وعشق ذوى يعتريه الفتور
وذكرى تصرح أين حفرنا
ترانيمنا بين تلك الصخور
فلا نال من زيتهن غثاء
ولا نال من حسنهن الضمور
فغدران والماء في جفنها
يغنون يوم اللقى والوداد
نزفن الدما بين جرح ورحنا
يرمن المنابع بين البواد
وتلك الربى بين سهل بكت
على صفحة النهل يوم البعاد
فلملم الثمر نسغا ترامى
وواديًا سقى العمر بين المهاد
وتلكن صيل العذارى الحسان
تبوأن من عشنا مفزعا
فتلك تقلب جمر الصدود
عن النأي تسترجع المخدعا
وتلك تواسي صخورا ترامت
تحرك في جوفها الأدمعا
وأخرى تمني شتاء القلوب
وترجوا الربيع بأن يرجعا
أخذن من الذكر صفو القلوب
زهورًا تأست فلن تكسرا
ليبقى بروض الهوى طلع ذكر
يوزع أعباقه في القرى
نسيمًا ليشهد أنا نثرنا
رياحيننا بين تلك العرى
يسجل لحظا بلحظ توارى
صدى عشقه في كتاب الورى
لأدعوك/ هل تسمعين دعايا
أنادي بما يبتغيه الشجون
إذا رن في خاطري من مناك
هيام كقبض الجنين الحنون
فما نفعها قبضة من حشاي
تضخ الهوى تنتشيها العيون
محب طواه المكان سنونا
لحاه الهوى ما عسى أن يكون
أرثيك حزنًا وبين ضلوعي
ترانيم عشق لتأبى الفناء
أينسى سقيم الهوى من رماه
حبيبا دعاه فلبى النداء
أينسى الغريق يدا أنقذته
وأعطته من أصغريها الرجاء
وزكته روحا لفيه استراحت
وآوت شرود الهوى بالعطاء
وغَطَّت صقيع المواجع جوخًا
يدفئ برد الجوى والعناء
دع الأرض يا ممطر الذكريات
أهازيج مستسقيات الأمل
تبث الرجا بين أطلال عشق
عصي نما في رباه الخبل
فلا ريب يوم يصير التلاقي
قريبًا ويغشى الهيام المقل
وتأبى الغوادل بث السموم
على زهرة الحب بين الحقول
وتنمو الأماني على صفحة
ندى المنى وربيع الطلول
أراكِ وتغفو بقلبي غصون
تظل الهوى بين دفء النخيل
فلا السحب تغني كفيظ الهوى
ولا الريح تحكي جمال القبول
وما كان غير اصطفاء الربيع
يؤطر ذكراه بين الجداول
وداعًا وحبك في القلب طيف
يرنو إليك على كل حال
تركت المواويل بين الحقول
لمن كان بعدي أسير النوى
نواة لحبٍّ ستُبسِقُ نخلًا
يعيد الحنين ويرمي الغوى
أضاعت حياتي وغاب الغرام
سيولد من خيبتي والجوى
كتابي إليكم وديعة صدقي
فهذا غرامي هناك انطوى
وهاتي فصول الهوى لم تلقّح
ألا نقّحوا شائبات الكوى
ألا واجمعوا من جديد غرامًا
كتابًا لجيلٍ أحب الهوى