الماضي يرقد في أكفان الكلماتْ
يتنفَّس ينبض في الظلماتْ
الماضي روحٌ ورفاتْ
زمنٌ يتجدّد، سجنٌ تسقط فيه الشّاراتْ
سجنٌ يتكوكب فيه عبيدٌ، وطغاةْ
يصبغ سخرية الملهاة بأحزان المأساةْ
ويموت الزمن المقهور ليُبعث في كلماتْ
تحكي عن صدأ القضبان وعن ميلاد الثوراتْ
كانت كلماتي أغنيّاتْ
رؤيا يتجسّد فيها ما هو آتْ
ينبوعًا يحلم بالجنّاتْ
يشمس في وديان الفلِّ
ويُقْمِر في الفلواتْ
الزهرُ تبرَّجَ في نيسانْ
والماءُ تواثبَ في قنوات البستانْ
وغفوتُ على لحن الألحانْ
في الصمت الورديِّ الألوانْ
أغلقت القلب على إيقاع الأمنيّاتْ
دهرًا، لا أعرف أين مداهُ ولا مجراهْ
دهرًا يتدفّق مثل الأكوانْ
على تاريخ الإنسانْ
وصحوت، بلا ذكرى وبلا نسيانْ
فرأيت الموت على الأغصانْ
يلقي أكفان الموتى
للأحياء بلا أكفانْ!
في ليل الصمت، أضعتُ الصمتَ
دفنت الحزن بصحراء الموتْ
كلماتي الحُبْلى بالكلماتْ
نزفتْ رجفتْ فارتْ
كالبحر الهادر مختنق الصوتْ
بالأمس صرختُ، وصلَّيتُ، وعانيتْ
لم أبكِ الموتى حين بكيتْ
بكائي كان لمن عاشوا في هول الموتْ!
صرخَتْ كلماتي
في الصمت الداكن في البرّيهْ
نشرت أجنحة مبتلَّه
بعذاب الرحلة للحريهْ
طارت فوق ثلوج الغربه
في ليل جبالٍ شاهقة الظلمه
تاهت أعناق أعاليها في المرتفعاتْ
في سفر الغربة طالعني
وجهٌ عربيّ القسماتْ
يبحث عن نهر اليرموكْ
في جوف كتابٍ ممتقع الصفحاتْ
وصمتُّ، فخانتني العبراتْ
«خالدُ» يا بطلَ اليرموكْ
لقد خذلتني الكلماتْ
يا سيفَ اللهْ
جالدتَ صناديد الفرسانْ
وعرفت نزال الأقرانْ
وبلوتَ الموت القزحيّ الألوانْ
حدِّثْني، عن قدَر الشجعانْ
واللهِ، لقد قاتلتُ
امتلأ الجسم ندوبًا وسيوفا
لم يبقَ بجسمي شبرٌ تثلمه الطعناتْ
وبرغمي فوق فراشي الآنَ
أموت، فلا نامت عينُ الجبناءْ!
يا شاعرَ «سيف الدوله»
يا من صرعَتْهُ الكلماتُ المنتقماتْ
عُوفيتَ، فلم تشهدْ عصر التترِ
لم تُبصر هولاكو، في جحفله الهمجيْ
يجتاز النهر على جسر الكلماتْ
تُرَشُّ على نعليه الحافيتين دماء العلماءْ
وتدوس الخيل أغاريد الشعراءْ
وأنينَ الحكمة والحكماءْ
تتمزَّق تحت سنابك خيل السفَّاحِ
حضارة عصرْ
ونبالة عصرْ
وتُدوِّم شمسُ الفكرْ
وتغرب في أعماق الماءْ
قال الراوي
وبلَغْنا آخر سطرْ
فانحسرتْ أمواج البحرْ
وأزحنا أهداب السترْ
فانهمرت أضواء البدرْ
لكنّ الرحلة لم تبدأْ
حتى تتجمَّعَ في الأفق الشرقيّ رياح الفجرْ
فلنفترقِ الآن على خيرْ
وغدًا موعدنا
فالرحلةُ تبدأ من ساحل مصرْ،،